أسئلة الفن ومدارسه

عواد ناصر

يستهل الناقد والمؤرخ الفرنسي إيتيان سوريو كتابه «تقابل الفنون»(*) باستشهاد من مواطنه الأشهر فيكتور هوغو: «الريح هي الرياح جميعاً». أي إن الريح، مهما كان نوعها وشدتها وموسمها، هي هي مثل الرياح كلها، وفي محاكاة ذلك يمكن القول: «الفن هو الفنون جميعاً» في إشارة إلى «وشائج القربى» بين سائر الفنون.
الأمر لا يختلف كثيراً، بشأن المدارس الفنية، خصوصاً، منذ القرن التاسع عشر ووصولاً إلى قرننا الحالي، إذا ما أقررنا بوشائج القربى بين الفنون، نفسها، سواء كانت تنتمي إلى مدارس محددة، أو لا تنتمي، فهي تنتمي إلى المدارس جميعاً.
في بداية القرن العشرين، تحديداً أثناء الحرب العالمية الأولى، كتب شاعر فرنسي آخر، هو غيّوم أبولينير، وأثناء وجوده على جبهة الحرب، قصيدة على شكل هندسي (من حيث تصميمها الحروفي) وبعثها إلى أصدقائه لتستقبل بإعجاب كبير على أساس إن الشاعر ابتدع مدرسة جديدة ستجد صداها، ليس في الشعر، حسب، إنما في الفن التشكيلي والمسرح والموسيقى أيضاً!
لكن ماذا قال أبولينير عن «مدرسته» هذه؟
قال: كنت على غاية الضجر والشعور باللاجدوى فحاولت أن أبتكر مزحة ليضحك أصدقائي في باريس!
لم تستقبل مزحة أبولينير بحماس كبير في باريس، وحدها، بل في بغداد أيضاً، إذ حاول عدد من الشعراء العراقيين تقليدها وأطلقوا عليها «القصيدة البصرية»، ولكن متى؟ في منتصف ستينات القرن العشرين!
ولدت الحرب العالمية الأولى، بين ما ولدته، من كوارث بحق الإنسانية، كأي حرب توسعية إمبريالية، مشاعر واضحة من اللاجدوى والعبث والسخط واليأس لدى كثير من الشعراء والفنانين في أوروبا، لكن ردة الفعل الفنية الأوضح كانت ظهور الحركية الدادائية في زيورخ، التي ترعرعت واشتد عودها في باريس، لاحقاً، ولَم تكن حركة (مدرسة) ضد الحرب فقط، بل ضد الفن، أو «من أجل اللافن»، في محاولة لهدم ما اعتُبر فناً كسولاً ومحافظاً وغير ذي تأثير وفاقد الصلاحية.

في شهادة له، تعبر عن روح الدادائية ومرحها، كتبها تريستان تزارا، أبرز زعمائها ومنظميها ومنشطيها، بعنوان «ذكريات الدادائية»(**) قال:
«أثناء قراءتي لبيان الدادائية في باريس، في قصر الشانزليزيه الكبير تحديداً،عام 1920، وأمام جمهور حاشد ضم، إلى جانب المثقفين والمهتمين، الكثير من العمال والطلبة، ووسط هياج وصخب كبيرين، لم يكتف هذا الجمهور بالإشارات البذيئة بل بدأ برميي بالطماطم والبيض الفاسد وقطع البفتيك، فشعرت بسعادة غامرة لأن الجمهور صار دادائياً!
ويضيف: بعد ذلك بأيام عدة عقد اجتماع في كنيسة حوِّلت إلى سينما، كان على المسرح أربعة منا بينهم لوي أرغون وأندريه بريتون.
ومن طرائف ما حصل له، حسب شهادته، يقول: .. وفي اسطنبول تحدثت إلى طبيب يوناني، كان يقيم في باريس ولم يعرف من أنا. أخبرني بأنه يعرف تريستان تزارا معرفة جيدة. ورغم دهشتي سألته بكل هدوء عن شكل تزارا، فأجابني بأنه طويل وأشقر، فلم أتمالك نفسي من الضحك لأنني قصير وأسمر.
عبرت الدادائية الحدود الفرنسية إلى ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، بل عبرت المحيط الأطلسي إلى نيويورك، وأثارت الكثير من الجدل الحاد والنقاش المتواصل ليس مع خصومها، حسب، بل بين مؤسسيها والناشطين في حركتها، وسرعان ما دب الخلاف الفكري والسياسي بينهم، وبدأت تتشكل فكرة فنية جديدة، ولدت من رحم الدادائية هي السريالية.
.. وهكذا نعود إلى منطلقنا السالف بشأن تجاور المدارس وتحاورها وتفاعلها، وما إن تستنفد إحداها دورها المأمول في ديمومة أصالتها حتى تنبثق أصالة جديدة للعب دور جديد.

____________________
(*) إيتيان سوريو، تقابل الفنون، ترجمة بدر الدين القاسم الرفاعي، مراجعة عيسى عصفور، منشورات وزارة الثقافة السورية، 1993.
(**) إدمون ولسون، قلعة أكسل، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية 1979.