أضحكُ كالموت في الأعياد..!

ضياف البرّاق

كآبتي الآن أكبر من كآبة مقبرة منسيّة! وها أنذا أفقدُ قدرتي على تمييز الأشياء، مثلما فقدتُ، الليلة الماضية، قدرتي على البكاء. يقول لي صديقي اليائس: كل الأشياء متشابهة في الحرب!
أتساءل حائرًا أو حزينًا: مَن نحن، إذَن؟ وهل، حقًا، نحن موجودون؟. آه.. كمْ هي حياتنا حلوة! لكن، لماذا تزداد شقاوتي كلما أحببتُ الحياة؟ أين الخلل؟ عندي أم في الحياة؟ لستُ أدري حتى الآن. حياتي، كلها، خليط هائل من الغياب والفشل. أرهقني هذا الغياب الكامل. هذا الغيابُ الغامِر صار «يكسرني كجرّة الماء الصغيرة»، بحسب تعبير الشاعر الكبير، محمود درويش.
في حياتي كلها لمْ أنجحْ في شيء، لم أرَ نفسي في المكان الذي أريد؛ فكلُّ المعارك التي أخوضها، قسرًا أو عفوًا أو قصدًا، أخرجُ منها عاريًا.. لا انتصارات لي.
صدّقوا أو لا تصدِّقوا.. حياتي الفيسبوكية أجمل بكثير من حياتي الواقعية. هل الفيسبوك أجمل من بلادي؟. شاختْ قواي، اِنتهتْ أسئلتي، لم أعد أقوى حتى على بعضي الهزيل!
الحياة مشكلة، كما يقول أحدهم، بل كما يقول هذا الواقع المأساوي.
أكرّر، هنا، رغم أنني، كما تعرفون، أتقزز من متاهة التكرار: الحياة ليست بحاجة إلى المزيد من الأغبياء، ليست بحاجة إلى المزيد من كتب السياسة والدين والإعلانات الورديّة والمبهرجة، كذلك ليست بحاجة إلى المزيد من الصناعات المتطورة.. وإنما هي بحاجة، فقط، إلى قسط وافر من الحرية والحب.
أخرجُ من متاهة حارِقَة، وأدخلُ في متاهة يحرق فيها كل شيء. هذا زمانُ المتاهات الطاحنة، إذ ليس فيه أي مجال للكبرياء. أخرجُ من داخلي إلى داخلي، هذا هو الاختناق. لم أستطع، يومًا، الخروج من ذاتي.. ربما تلك هي مشكلتي الفتّاكة!
كالعادة، يقولون، كما أسمع: النجاح يبدأ بالخروج من الذات. هل يعرفون أنني بلا ذات!
عندما أقرر أن أتصالح مع الأمل أو مع وجهي الممتلئ بالندوب والتشوهّات التاريخية؛ يصيبني الخوفُ الشديد لدرجة أشعر معها بالوجع والوحدة. الحنين بداية الغرق الكبير، بداية النكسة. أنا أغرق الآن، وأغرق دومًا. حتى أنتم تغرقون مثلي، ولكن بصمت. كذلك الحال عندما أقرر أن أنهي حكايتي مع الفشل أو مع أي شيء، يخونني حماسي الهائج أو يخونني غبائي اللذيذ، وهكذا يتلاشى عمري من هاوية إلى هاوية. الهويّاتُ الصغيرة تُمزِّقُ جسدي.
اللعنة! لا أدري أين ذهبتْ قداحتي الجميلة! ها هي الكلبة.. وجدتُها وضيّعتُ سيجارتي! هكذا الحياة، مجرد أن تحتاج إلى الشيء الذي بين يديك، يضيع منك فورًا، أو يختفي عمدًا، فلا تجده أو تحصل عليه إلا بعد جهدٍ شاق، شاق. لا طعمَ للحياة إذا لم نتعب من أجلها. بالمناسبة، في الحب ثمة علاقة وحيدة نجحتُ فيها؛ علاقتي بالسجائر، طبعًا.
أشعلتُ سيجارةً وضحكت. ها أنذا أضحكُ بصوتٍ عالٍ، أضحكُ كالموت في الأعياد أو كالنسيان بعد فوات الأوان. الضحكُ وسيلة مهمة في الحالة الراهنة.