أفراح العربية وأتراحها ..

قاسم سموري

هل اللغة العربية حزينة الآن..؟ أم تراها سعيدة بذلك الطفل الذي يقرأ أنشودة الوطن في أقاصي قرية في ميسان، أو تلك الفتاة التي لا ترفع رأسها من كتاب شعر للسياب قرب بساتين الكوفة، أو تلك الوردة التي تتعطر بسرد الإنسان في الجبال والوديان والأنهار، هل هي سعيدة حقاً أم تراها تبكي على شكل ألواح طين من قلب سومر، وحدائق نينوى، وسحر بادية السماوة وكل مدن العراق، فما هي أسباب فرح العربية وأسباب أحزانها..؟ على صعيد المتغيرات والتحديات المعرفية والإنسانية والمجتمعية، فكما نعرفُ أن خواص اللغة العربية الجمالية والحضارية، تتميز بكونها المنطلق الحقيقي للثقافة الحرة الشجاعة وتطلعاتها في أفق المستقبل، في التلويح عالياً بأكف المعرفة والمثابرة والتنوير، والطريق المضيء للمثاقفة والحياة صوب ميادين الأدب والهوية والانتماء، لاسيما في نوافذ التطور والتواصل الإنساني والحضاري المتنوع، جريدة «بين نهرين» تفتح باب اللغة العربية لنسمع صوتها جيداً، صوت الدموع أو صوت الفرح من خلال هذه النافذة الحوارية مع عدد من المشتغلين في حقل اللغة والثقافة والأدب.

نامق عبد ذيب – شاعر –
حزينة يا صديقي، حزينة جداً، غريبة في كلّ مكان، في الافتراضي والواقعي، العالَمان استباحاها، الفضائيات تركتها في الكواليس المظلمة، يخرج علينا مقدم أو مقدّمة برامج وهما يرطنان بلهجات محكية تقول بعبارات طويلة مملة ما تقوله اللغة العربية بعبارة واحدة، وبحجّة البساطة والفهم يهذرون باللهجات المحلية التي تخاطبُ فئة قليلة وينسون لغةً تخاطبُ أمّة بكل تاريخها، اللغة العربية عالم يتكسّر على ألسنةٍ استخفّت بها، رأيتُ مرّة برنامجا في أحد الفضائيات (العربية) يستضيف شابا إفريقيا لا يتكلّم إلا باللغة العربية الفصحى، هو كما فهمت من الحوار أحبَّ لغتنا بسبب حبّهِ لفتاة عربية وزواجه منها، المصيبة إن مقدّم البرنامج (العربي) كان مستخفّا بهذا الشاب ويضحك ساخرا متعجّبا من لغة هذا الشاب البسيطة، كان المقدّمُ ضحلا جاهلا بميوعة لا يكاد يلفظ كلمة عربية واحدة صحيحة ليس هذا فحسب ، تعال معي لنحضر درسا من دروس العربية في جامعتنا، سنلطم أنا وأنت والعربية على زمن مضى ليس بعيدا نعم ، أعرف أننا نعيش في عالم متغيّر تكاد اللغات الوطنية الكبرى للأمم المختلفة تمرُّ بأزمة اللغة العربية نفسها، فلا أظن أنَّ الشابَ الفرنسي مثلا ما زال يتحدّث بلغة موليير أو أناتول فرانس، ونظرة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي في جميع لغاتها ستريكَ ما يحدث، أصبحت الإشارة بديلا عن الكلمة، والعلامة تأخذ مكان العبارة، هي لغات أخرى وكأننا نعيش في عالم من أناس آليين، تصوّر، في بعض الأحيان يتصل بي أحدهم على خاص الفيس بوك فيقوم حوار بيننا تكون كتابتي فيه بلغة عربية فصحى في أبسط صورها لأتخلّص من الأخطاء التي توقعني فيها اللهجة المحكية التي لا قواعد منضبطة لكتابتها، فأحس بضجر المقابل من كتابتي وبمحاولته إبعادي عمّا تعوّدت عليه، لغتنا العربية في مأزق، ولكن، ليس الأمر كذلك في الدول التي تحترم لغاتها، هناك قوانين وهيئات ومجامع لغة تمسك بالإطار العام لكل لغة حية ولا تسمح باختراقه أو تكسيره، الأمم التي تحترم لغاتها تحاول بكل الوسائل أنْ تجعل من هذه اللغات وسيلة وغاية في الوقت نفسه للحفاظ على الهوية، أما نحن ونتيجة للمصائب الكبرى التي نمر بها فقد صار هذا الشيء ربّما من الكماليات التي لا يلتفت أحد إليها، لغتنا حزينة في الصحف والمدارس والجامعات ولوحات الإعلانات والأغاني والحوارات، في خطب رؤساء الجمهوريات والملوك والوزراء، في حوارات المفكّرين والمثقفين، كلاما وكتابة، وأنا في كلِّ يومٍ أكادُ أسبُّ بعض الصحفيين في الصحافة العربية وهم يضعون حرفا مكان حرف، ليس بسبب خطأ مطبعي أو لغوي، بل بسبب هيمنة اللهجة المحكية، وإلا كيف تتحوّل ( قصيدة النثر ) إلى ( قصيدة النَّسِر ) أو كلمة (ملاذ ) إلى (ملاز) وغيرها مما يجعل لغتنا غريبة وحزينةً تأسى على ماضٍ تولّى .
عامر موسى الشيخ – شاعر وإعلامي –
نعم، حزينة جدا، بسبب سجنها المستمر منذ القرن الثالث الهجري داخل حدود الن ، حتى تحولت إلى وجود مقاوم، داخل هذه الحدود، و نراها كل يوم تطلّ على العالم من النافذة، تفرد أذرعها ملوحة للحرية المطلقة؛ التي كست اللغات الأخرى المتحررة من القوامع التاريخية تمر التواريخ والناطقون بها يزيدون من عدد القضبان عليها، حتى نبتت على جدران حبسها نباتات من لغات أخرى، وأضافت لها أغطية جديدة، وحجبتها عن شمس العالم، فها هي تسأل أين أنا من استعمالكم اليومي؟ لماذا أودعتموني سجن ألفية ابن مالك، وجعلتموني أتراجع أمام عصر الاختراعات؟ حتى لم يعد بمقدوري انتاج لفظة ما يقاوم مثلا أسماء اجزاء السيارات أو الهواتف النقالة، أو تعاظم برامج التواصل في الشبكة العالمية !! فأنتم جعلتموني أداة تواصل لا تفكير، جعلتموني حبيسة النص فقط، ولم تطلقوا أجنحتي في العقل والفكر، فبقيت داخل هذه الحدود، لو لغيتم مراكز الحبس لتحولتُ إلى أداة فكر، وان حصل ذلك، لأصبحت عقولكم منتجة وفعّالة، تنتج اللغة والآلة .

مرتضى الجصاني -خطاط-
أظن أن اللغة العربية الآن تعيش حالة من التناقض المعرفي حيث تجدها متوهجة ومتقدة على موائد الشعراء والأدباء وأهل النقد من جهة بينما نجدها تعيش حالة من التشويه البصري على مستويات أخرى مثلا في مجال التصميم الفني والتجاري أيضا وهذه إحدى أهم الحالات التي تلامس حياة المتلقي على جميع المستويات فنجد الحرف العربي والذي نتعامل معه بشكل يومي نجده مشوها في شكله في الصحف والكتب و حتى على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي، الهوية البصرية للغة هي إحدى جوانبها الجمالية المهمة هذا من جهة، من جهة أخرى نجد المد الغرائبي للمصطلحات المشوهة في تزايد مخيف وبدأ يدخل هذا المد أو يتكون على شكل منتج يسمى ثقافياً مما يجعل نتائجه تنعكس سلبيا على المجتمع لذلك اللغة بحاجة إلى صياغة ذوقية جديدة على أكثر من جانب وهذا أمر يكاد يكون صعب جدا لكنه ليس مستحيلا بالتأكيد، ولا شك القطيعة بين النخبة الثقافية والمجتمع وتطوراته السريعة جدا كان لها السبب الكبير في انحدار اللغة وبالرغم من تغيير الوعي الشعبي في السنوات الأخيرة بالاتجاه الحسن نحو الكتاب والفن والتذوق البصري إلا أنه تطور بطيء ويواجه صعوبات كثيرة لكنه بلا شك مؤشر جيد اذا ما تم تدعيمه.

تقى عبد الرحيم-ناشطة-
نعم حزينة وبشدة، نتيجة الظروف القاهرة في السنوات الاخيرة واشتداد الحروب الدموية والنفسية والإلكترونية وتصدير الاعلام للكم الهائل من المواد المسرطنة للعقل والثقافة، وتردي الوضع المعيشي والاجتماعي كل تلك المؤثرات أدت الى حدوث ارباك بالتعليم وتلقي الفرد لهذه المتغيرات بدون رقابة، ورغبة بالتعليم فمن الطبيعي نلاحظ تدني مستوى اللغة الأم فمثلا معلم اللغة لا ينطق بشكل صحيح وبعض الكتاب يكتبون بكم هائل من الأخطاء الإملائية على مواقعهم الالكترونية، وحتى بعض النصوص في مطبوعاتهم الكتبية، فكيف بمن هم أهلاً للغة ويخطئون، مقارنة بالفرد العادي وكيف بالغير متعلم من الأساس، فالشاب الذي يكتب كلمة «احيانن» بهذه الطريقة بدلاً من احياناً فبالتأكيد مستوى اللغة في تراجع بطريقة محزنة،ب رغم ذلك لا ننسى البعض الذين ما زالوا يصححون الأخطاء، ويحاولون جاهدين في السعي لنشر التوعية والارشاد لمن يحتاجها لكن المشكلة بالتلقي من قبل الاخرين وكيفية هضم تلك الأخطاء، بالنسبة ممكن تكون لدي أيضاً اخطاء بسيطة تصححها لي أمي كونها تدريسية قديمة لمادة العربي، فليس كل فرد معصوم من الخطأ، أنما ذلك وارد فالعبرة تكمن في حب اللغة والمفردات والمعنى والرغبة في التعلم والتطور .

زينب المشاط -إعلامية-
بالتأكيد تُعاني اليوم اللغة العربية العديد من المشاكل، كونها أُهملت من قِبل الكثير، وأظن السبب في ذلك إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي عززت لنا استخدام اللغة المحلية للتعبير عن أي شيء يجول في خواطرنا دون الاهتمام للتعبير عنه باستخدام اللغة العربية الفصحى، النقطة الثانية برأيي الشخصي هو التطرف من قِبل اللغويين، أو المهتمين بهذا المجال، أدى إلى نفور الكثير فيما يخص استخدام اللغة، فهنالك أمور يُمكن التغاضي عنها فيما يخص الاشخاص غير الضليعين في مجال اللغة العربية كونها بحرا عميقا، ولكن في حال استخدام اللغة من قبل أشخاص مختصين يُمكن أن نتعامل بحدية ودقة أكثر، إلا أن الشخص غير المختص يمكن أن يقع ضحية بعض النقاط المجهولة بالنسبة له فيما يخص اللغة العربية، ويبقى الموضوع شائكاً بالتأكيد، يجب أن نتعامل بجدية أكبر ووعي أكبر فيما يخص اللغة العربية ولكن ليس بتطرف « بالنسبة لغير المختصين» أما فيما يخص كتابة نتاج أدبي وثقافي فيجب التدقيق في الأمر إلى أبعد الحدود .

حسان الحديثي -باحث-
العرب اليوم -وهم أهل اللغة- أمسوا يفضّلون المحكي من الشعر على فصيحه وهذا أمر بالغ الخطورة مع بداهته؛ فأما خطورته فتكمن في الانتشار السريع لاستحسان الناس له وميولهم اليه وهذا سيغلّب الحرف الأعجمي على العربي واللفظ الدخيل على الأصل، وأما بداهته ففي عسر الحفظ للشعر العربي لصعوبة فهمه على الناس بقسوة المنهج وضعف التعليم، ولأن الفطرة تدفع ابن آدم لأن يسلك الأسهل في الادراك والأيسر في الفهم ذهب الناس الى المحكي في استحضار الأثر والاستشهاد بالحكمة فزادوا ابتعادا عن اللغة.
أما ما يسرّ الخاطر ويبعث في النفس الأمل انها بعد أن حملتها افئدة السائرين والْسنةُ المتكلمين الى مشارق الأرض ومغاربها وجابَ بضادها من أحبها لحب القرآن والحديث والشعر صارت اللغةَ الاشهر بعد اللغة الأم في بلاد الكرد والترك وشبه جزيرة الهند وبلاد فارس وبعض شعوب إفريقية يتغنون بها ويكتبون بحرفها وهناك مِن هؤلاء الأقوام مَن فصاحته تضاهي فصاحة العربي ومخارج حروفه اصفى من لسان احدنا بل انهم يفخرون بها ويتحدثون بها على منابرهم ومنهم من تعدى بها ذلك الى كتابة الشعر.

شيخة المطيري- شاعرة إماراتية-
كما تتقلب الروح بين الحزن والسعادة أجد اللغة العربية بروحها النقية تحزن وتفرح وتبتسم, هي تدرك أن لها أوفياء لا يتأثرون بما يحدث حولهم من تجاذب لغوي وتذبذب في الهوية واللسان. تفرح حين تقرأ قصيدة جديدة أو حين يصدر ديوان شعر أو حين يحتفي الناس بتوقيع اصدار روائي أو قصصي جديد, تفرح حين يناقش طالب جامعي رسالته التي كتبها باللغة العربية, تفرح حين يجتهد باحث في كتابة بحث أو مقال باللغة العربية ويدرك أنها لغة قوية مكتملة المصطلحات قادرة على الوقوف على المنصات العالمية.
العالم يتغير وهذا أمر واضح, العالم يرفض اللغة العربية في بعض المواضع وهذا شيء لا يخفى على الناس, العالم أصبح يتباهى بلغات أعجمية أخرى تتراقص على لسانه كلماتها, والعالم هذا هو نحن أولئك الذين نردد عبارات وأبيات عن اللغة العربية وحبها ونحتفي في يومها ولكننا لا نعرف أن الحب يعني أن نعيد لها ألقها وأن ندرك أن ثباتنا اللغوي واتزان هويتنا لن يأتي إلا بتعزيز مكانتها وإيضاح الجريمة اللغوية التي يقوم بها بعض المسؤولين وأولياء الأمور حين يقصونها جانباً أو يتجاهلونها تماماً ويستخدمون سواها ثم يتشدقون في الحديث عن التحديات التي تواجهها وهم لا يدركون أنهم العقبة التي يجب أن تزال.
ولكننا, نأمل أن يكون الجيل القادم أفضل بإذن الله وأكثر وعياً وأن تكون مخرجات المبادرات اللغوية والبرامج قادرة أن تؤسس أجيالاً عربية بحق ..

سارة الظفيري -قاصة كويتية-
اللغّة العربيّة سعيدة ، لأن برغم غزو البرامج الأجنبية و انتشار المدارس الأجنبيّة، إلا أنه من خلال عملي كمشرفة في مكتبة تتوفّر بها القصص بالأجنبي والعربي، غالبية الأهالي كانوا حريصين على اقتناء القصص العربية، وتنمية اللغة والأدب لدى أبنائهم ، بالإضافة لاحظت محاولة كثير من الأطفال للتحدث باللغة العربية الصحيحة بحب وتطوير أنفسهم ومشاركاتهم المتواصلة بنادي اللغة العربية التي تقيمه المكتبة كل فترة، وهذا الشيء يسعدني وأعتقد بأنه يُسعد اللغة . لذلك لكل موضوع تحدّياته وعلينا لنعالج ونحافظ على لغتنا هو تأسيس جيل مهتم ومحب للّغة العربية بأساليب جديدة ومتنوعة .

بلقيس الملحم-قاصة سعودية-
اللغة العربية حزينة من ناحية ضمور اعتزاز بنو جلدتها بها. كلغة أمٍّ هُجرت لاعتقاد قصورها عن مجاراة العلوم والتكنلوجيا. متناسين القيمة المفقودة في اللغات الأخرى وهي ما تتمتع به اللغة العربية بل وتنفرد به كونها متنفسا للمشاعر في أوصاف ومصطلحات عدة. وشكل حرفها الجميل. حزينة من أجل تسابق الأسر وهي حاضنة الأجيال الأولى إلى دفع أبنائها إلى المؤسسات التعليمية الأجنبية كوجه حضاري جدير بمستقبلهم حسب اعتقادهم السائر. إلا أن اللغة العربية سعيدة إذا ما اعتبرناها أحد روافد الإنسانية إذا ما التزم متحدثيها بهويتهم العربية وهذا ما ينعكس على أخلاقهم واستغلالها بشكل يليق بمكانتها الاجتماعية والمعرفية. سعيدة إذا حملوها كرسالة تحدٍ في مجتمعات الأقليات العرقية. لتتحول إلى لغة اعتزاز وتواصل وحوار مع الآخر. لتقول بصوت شدي: كيف ننساك وفينا نسمة الحياة .