أكيتو عيد العراق الكبير

جاء الشجيري

كان إعلان وزارة الثقافة ليوم الأكيتو في الأول من نيسان عيداً وطنياً للعراقيين جميعاً التفاتة مهمة جداً لأنها تضمنت نظرة موحدة للعراق، فهو عيد لكل عراقي مهما كان انتماؤه أو طائفته، وهو عيد ثقافي وليس عيداً سياسياً أو دينياً ولا مرتبطاً بأي عرق، انما هو عيد حضاري مُوحد، وهذا ما أكده وزير الثقافة عبد الأمير الحمداني في كلمته عند افتتاح ساحة الاحتفالات واعلان عيد الأكيتو بقوله: «ان ‏العراق الذي حرر الإنسان قادر على صناعة الحياة والتواصل مع شعوب العالم، والثقافة هي الجسر الرابط بين الشعوب».
وقد كان قديماً إعلان عيد الفرح والمجهود الجماعي للحصاد وجني ثماره وجز الصوف وعيد الخصب والزواج المقدس وهو بذلك يرمز للوحدة والعمق التاريخي والخير الوفير.

أكيتو ومعاني الحياة
في الاصطلاح اللغوي يشير أكيتو إلى موعد بذر وحصاد الشعير، ويأتي أيضاً بمعنى استنزال المطر، كما اختار الساميون الذين سكنوا العراق القديم ومن بعد السومريين تسمية أكيتوا بمعنى «الحياة» وهي مشتقة من تسمية أقدم هي: ( a-ki-ti-se-gur-ku )
كما انها تُلفظ عند بعض الساميين ( حِجتو )، أما في اللغة السريانية الآرامية فلا تزال كلمة ( حج ) تعني الاحتفال أو الحفلة. وفي اللغة البابلية القديمة كانوا يسمون هذا العيد ( ريش شاتم )، ريش تعني: رأس، وشاتم تعني سنة.
وتطور الأكيتو من الاحتفال بموسم الحصاد الزراعي للحنطة والشعير وجز الصوف الى عيد وطني سنوي للسنة الجديدة في الربيع لتصبح له أبعاد مهمة في بلاد الرافدين حيث يتشارك الناس جميعاً أفراح الأرض.
وأقرب إشارة لهذا العيد كانت في منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد في مدينة أور، حيث الأكيتو يقام لإله القمر السومري (نانا)، وهي مناسبة تحمل قداسة ممزوجة بجمال وهدوء الطبيعة، ما يجعلها أفضل فرصة لإقامة شعائر الزواج المقدس، حيث سرى الاعتقاد بارتباط هذا الحدث بالخصوبة أيضاً. ومن المعتقدات لملوك عصر النهضة السومرية ان هذا العيد جوهره وفكرته انه من الموت تولد الحياة فلا بد للملك الميت الذي كان يؤدي دور الاله «دموزي» من العودة والحياة مرة أخرى فيؤدي مراسيم الزواج مع الكاهنة العليا «إنانا»، فالنصوص الدينية السومرية القديمة تعتقد بزواجهما هذا الذي هو زواج قوى الخلق في الربيع في غمرة الاحتفالات الكونية، ومن النصوص الشعرية السومرية القديمة التي تصف حفل الزفاف المقدس:
حول كتفي عروسه المحبوبة
كان يضع ذراعيه
حول كتفي(إنانا) المقدسة
كان يضع يديه
كانت مثل ضوء النهار
وهي تعتلي العرش
والملك كأنه الشمس
وكانت كل مظاهر الفرح تجري أمامهما
وذوو الرؤوس السود يمرون أمامهما
على دقات طبل أعلى من الرعد
وقيثارة تنعش الروح.
(أعراس الإله تموز ومأساته في طقوس الزواج المقدس والحزن الجماعي – د.فاضل عبد الواحد/ص70)

كما ان احتفال الاكيتو في بابل القديمة، كان قائماً على أساس عودة الحياة إلى الطبيعة بعد عقد الاتفاق بين الآلهة جميعاً لتحرير «تموز» خطيب «عشتار» من العالم السفلي، وعقد زواجهما، فتعود الحياة إلى الطبيعة ليعم الخير وينشر الربيع أزهاره في الربوع.
ورحلة نانا إلى نيبور هذه الأسطورة التي تقول ان نانا يأتي كل سنة من السماء وقاربه محمل بالحيوانات وثمار الحصاد. تبحر إلى نيبور لتزور كل المدن، في طريقها إلى مدينة نيبور، أو مدينة انليل والد نانا التي غدت في يومٍ من الأيام العاصمة الدينية لبلاد ما بين النهرين. وما هذه الرحلة كل سنة إلا احتفالٌ بالسلام وتبادل الثروات.

طقوس الاحتفال بأيام الأكيتو
وعن السؤال لماذا الاحتفال بعيد الاكيتو يستمر لـ 11 يوما مع إضافة يوم آخر يذكر لنا المؤرخ والكاتب «حبيبي حنونا» الجواب بشكل مختصر بقوله: لاحظ الإنسان في بادئ الامر ان دورات الطقس والمناخ تتكرر وتعيد نفسها كل اثنتي عشرة دورة من دورات القمر تقريباً، فسمى تلك الفترة «سنة» اكراما لاله القمر «سن» فقسموها إلى أربعة فصول: «الربيع» وكرسوه للاله «مردوخ» الاله الحكيم ورب الكون. يليه فصل الصيف وكرسوه للاله «ننورتا» اله الرياح الجنوبية ورب القنوات والسدود والري. وفصل الخريف وكرسوه للاله «نابو» اله الكتابة والحكمة وابن الاله مردوخ ثم فصل الشتاء وكرسوه للاله «نركال او نرجال» وهو اله الموت والعالم الاسفل ليتم الاستنتاج ان الطقس والمناخ تتحكم بهما منازل الشمس في الكون وان السنة القمرية لا تتطابق مع السنة الشمسية وهناك اختلاف بينهما هو احد عشر يوما، واعادوا صياغة التقويم القمري باضافة احد عشر يوما ما بين نهاية اذار وبداية شهر نيسان ليتم الاحتفال بتلك الفترة كرأس أو بداية للسنة الجديدة».

وأيام الاحتفال بعيد الأكيتو عند البابليين كانت مقسمة إلى:
*الأيام الأربعة الأولى كانت مخصصة لطقوس الحزن التطهير والنظافة وقبيل فجر اليوم الثاني يحضر الكاهن الاعلى «شيشكالو» الى معبد الاله مردوخ «البيت الشامخ» بعد ان يغتسل بخزين ماء دجلة والفرات ويؤدي الصلاة ويسمح لباقي الكهنة بالدخول والصلوات.
* اليوم الثالث يأتي الحرفيون (نجارون وحدادون وصباغون وصاغة ذهب وفضة) لعمل تماثيل ورموز مختلفة للاحتفالات.
*اليوم الرابع يعلن الكاهن الاكبر بدء الاحتفالات الشعبية الرسمية العامة مع قراءة مع ممثلين وممثلات لأحداث قصة الخلق..
* في فجر اليوم الخامس «يوم التكفير» يتطهر رئيس الكهنة بالماء المقدس وتقرع الطبول وتتعالى اصوات الكهنة في دعاء جماعي مهيب .
* اليوم السادس هو يوم «الامل والرجاء» حيث موكب الاله نابو للمشاركة في الاحتفال وهو طليعة لمواكب أخرى تتراوح بين 35 إلى 40 موكبا لمدن اوروك ونيبو واور واريدو .

* اليوم السابع يقوم الاله «نابو» ابن مردوخ بتقديم طقس معين تحضيرا ليوم الغد السعيد يوم قيامة الاله المعظم
* اليوم الثامن (يوم القيامة) ويعد أهم أيام الأكيتو وأكثرها فرحا يسير موكب الكهنة وهم يحملون «الماء العجائبي المقدس» الى قبر الاله مردوخ.
*اليوم التاسع يقوم الملك بقيادة مركبة الاله مردوخ المصنوعة من الذهب وتتبعها بقية عربات الاله. متجهين الى نهر الفرات مع فرق المغنين والموسيقيين والراقصين وحاملي الاعلام.
* اليوم العاشر الملك يقدم يده للاله مردوخ راجيا منه النهوض معه وهي شعيرة مهمة جدا وثابتة .
* وفي اليوم الحادي عشر تجتمع كل الالهة في معبد «الايساكيلا» لتقديم الولاء لمردوخ بمناسبة انتصاره وقيامه بتنظيم الكون.
واخيرا في اليوم الثاني عشر تقام المآدب العامة الباذخة لكل من في المدينة وتعلن الاحتفالات الصاخبة مع اصوات الغناء والفرح .
كما تجدر الاشارة إلى انه تم اخذ طقوس الاحتفاء بعيد الاكيتو من سكان بلاد الرافدين إلى الأقوام الأخرى التي بدأت الاحتفال به كما نجده في احتفالات الفرس والاكراد والمصريين التي سميت عندهم عيد الربيع أو عيد نوروز أو عيد شم النسيم..