أمها سمكة براس إنسان سميراميس .. كما سمّاها الإغريق

وليد خالد الزيدي 

محبوبة الحمام .. سمورامات

في ضوء المكتشفات الآثارية منتصف القرن التاسع عشر فان العراق كان موطنا لأقدم الحضارات الأصلية التي عرفها التاريخ وان مظاهرها انتشرت في مناطق دانية وقاصية من العالم القديم، وأسهمت في تطوير شعوب كثيرة وإشباع رغبات نفوس الباحثين لمعرفة جوانب حياة الإنسان في العصور الغابرة والاطلاع على مراحل نشوء الفكر البشري ومستوى إدراك طبيعة البيئة التي يعيشها وانتقاله من حياة الفطرة إلى الحياة المتحضرة، ومع اختلاف عدد من الباحثين في بعض فصول حضارة العراق إلا إنهم اجمعوا على أنَّها أغنت المجتمع الإنساني بدلالات ومآثر قل نظيرها في تاريخ البشرية،

كإجماعهم على قوة شخصية سمورامات التي حكمت آشور في القرن الثامن قبل الميلاد، وتباينت الأخبار حول شخصية زوجها حيث يقول البعض إن زوجها هو شمشي ادد الخامس ابن الملك شلمنصر الثالث، بينما تقول مصادر أحدث إن الملك شلمنصر الثالث هو زوجها وابنه الاول شمشي ادد الخامس الذي لم يحدد التاريخ من هي أمه، أما ابنه الثاني ادد نيراري فاجمع الباحثون على أن أمه هي سمورامات، ومهما يكن من أمر فان مركز بحثنا هو شخصية الملكة الآشورية المشهورة سمورامات، أما ما قيل عن شمشئي ادد الخامس فلكثرة تعقيداته واختلاف المصادر حوله يمكن أن نتناوله في بحث آخر أكثر تعمقا.
يتكوَّن اسمها من مقطعين باللغة الآشورية القديمة (سمور) ويعني محبوبة او صديقة و(أمات) الذي يعني الحمام وتولَّت الحكم كوصية على ابنها ادد نيراري الثالث الذي كان صغيرا، وتشير بعض المصادر إلى أنَّها قضت مدة خمس سنوات في حكم الدولة الآشورية كانت فيها حركات التمرد والانسلاخ عن جسم الإمبراطورية على أشدّها، تلك الحقيقة دلت على قوة شخصية هذه المرأة، وتناقلت الأخبار عنها وصولها لبلاد اليونان.

أسطورة الإغريق
تحوَّلت سمورامات في نظر الإغريق إلى بطلة أسطورية، وصار اسمها عندهم سميراميس ويعني ايضا باللغة اليونانية «محبوبة الحمام»، لهذا فمعلومات اليونان عنها تقع ضمن الأساطير وليس في صف الكتابات التاريخية، وفي ما رواه عنها ديودروس الصقلي (الملكة سميراميس هي ابنة ديرسيت آلهة مدينة عسقلون، غضبت الآلهة افروديت مرة على ديرسيت، فخلقت فيها رغبة جامحة نحو أحد الكهنة التابعين لها، فحملت الآلهة ديرسيت من جراء رغبتها هذه، ثم ولدت بنتاً خارقة الجمال، لكن لشدة خجلها من اتصالها بأحد كهنة معبدها، أخذت ابنتها إلى الصحراء وتركتها على صخرة هناك ورمت نفسها في بحيرة مملوءة بالسمك فانقلبت ديرسيت إثر ذلك إلى سمكة برأس إنسان، ثم جاءت الحمائم وحامت حولها وهي معجبة بجمالها، فأخذت تعتني بالطفلة الصغيرة حتى عثر عليها كبير رعاة الملك فتولّى تربيتها وسماها سميراميس، ولما كبرت رآها مبعوث الملك الآشوري وحاكم بلاد سوريا اونيس فوقع في حبها ثم تزوجها).
وتقول الأسطورة أيضا: (عندما شنت الجيوش الآشورية الحرب على منطقة باكثريا على حدود شرق آشور تنكَّرت سميراميس واشتركت إلى جنب زوجها في الحرب وانتصر الآشوريون بسبب مشاركتها، وعندما سمع الملك الآشوري نينوس بأخبارها ثم رآها أعجب بها كثيرا، لذلك أجبر زوجها على التخلي عنها ليتزوجها هو، فحزن اونيس على زوجته كثيرا ولم يتحمل فراقها فقتل نفسه، ثم ولدت سميراميس من نينوس ابنا وبعد مدة قصيرة توفي الملك وابنه ما زال صغيرا لذلك تولت سميراميس العرش)، وتقول الأسطورة في مصادر أخرى: إنَّها(استمرت في الحكم اثنين وأربعين عاما قامت خلالها بمشاريع عمرانية واسعة أهمها بناء مدينة بابل بمعابدها وقصورها الفخمة وإحاطتها بأسوار عالية، وبناء ممر مقبب من الحجر تحت مجرى نهر الفرات ليصل طرفي المدينة، كما قامت بفتوحات كبيرة استطاعت أن تسيطر على مصر وسوريا وبلاد الميديين حتى وصلت إلى الهند).
وبخصوص حملتها على الهند تؤكد الأسطورة (أنَّها جهَّزتها بثيران سود وزيَّنتها بحيث بدت تشبه الفيلة، كما أنَّها ارتدت ملابس خاصة، فلا يستطيع أن يميزها أحد كونها امرأة أم رجلاً،
حينما كبر ابنها واسمه فيناس ثار ضدها لكنَّها لم تقاومه، بل سلَّمته الحكم واختفت سميراميس بعمر ناهز 62 عاما)، وتذكر الأسطورة أيضا أنها تحوَّلت إلى حمامة بعد موتها وطارت بعيدا حتى اختفت عن الأنظار.

موناليزا وادي الرافدين
يمكن عدّ فترة حكم سميراميس من أشهر حقب الدولة الآشورية حتى غدت محط أنظار المؤرخين والباحثين الذين عدّوا شخصيتها من أبرز شخصيات التاريخ التي أحدثت إنجازات كثيرة وكانت تدعى بـ(فاتنة بلاد الرافدين)، حيث شبهها الباحثون المعاصرون بـ»الموناليزا»لشدّة جمالها، وكان لها أثر كبير على مستوى الفكر الإنساني والرقي الحضاري، وجعل قسم من حكام الدولة بعدها منها درسا في الإدارة والشجاعة وكياسة العقل والحكمة في الدفاع عن الدولة والحفاظ على وحدتها، أما نساء الملوك وفتيات الدولة فكن يصورن أنفسهن بجمالها ويتمثلن بها، وعندما جاء إلى الحكم ابنها ادد نيراري الثالث حيث تقول بعض المصادر انه كان يفتخر بأمه كأبرز حاكمة لآشور برغم ثورته ضدها، وإنهاء حكمها، ثم جاء بعده أربعة ملوك، وبانتهاء حكمهم تولى عرش إمبراطورية آشور ملك شجاع اسمه(تجلا تبليزر) الثالث الذي حكم الدولة ما بين (744 ـ 727)ق.م، وعلى غرار إنجازات الملكة سميراميس أدخل الملك إصلاحات كثيرة شملت تقوية الجيش وإعادة تسليحه ليكون قادرا على حماية الدولة والدفاع عن حدودها والحد من مطامع القوى الخارجية، كما أرسى دعائم نظام الحكم وإدارة أقاليمها، وتلك الإصلاحات دفعت المؤرخين إلى أن يعدوا حكم تجلا تبليزر الثالث مرحلة جديدة في حياة الدولة الآشورية.

ملك الشمال وفتاة الجنوب
يقول الأستاذ الدكتور مزهر الخفاجي اختصاص التاريخ القديم في كلية التربية الأولى (ابن رشد)/جامعة بغداد لـ (بين نهرين): إن سمورامات (صديقة الحمام) سميت بهذا الاسم لكونها جميلة ورشيقة و(استنادا إلى الاستاذ طه باقر)هي زوجة أهم شخصية آشورية هو الملك شيلمنتصر الثالث الذي كان مقاتلا وقائدا، وتباينت الآراء في خبر وفاته بعد أن حكمت دولته ثلثي العالم القديم، فكان ميناؤها في الجنوب دلمون (البحرين) وميناؤها من الشمال بحيرة بان في (تركيا)، وقيل إنه قتل بعد أن دسّ له أحد عملاء القوى الخارجية واغتاله غدرا، وفي رواية أخرى تآمر عليه بعض حكام آشور وقتلوه لشعورهم بالملل من الفتوحات والحروب، وذهب الحكم لابنه اددنيراري وكان عمره (13)عاماً فكانت أمه سمورامات وصية عليه وهي أول وصية على العرش في تاريخ العراق، وفترة حكم ابنها بين (810 ـ 783) ق.م حيث حكمت خمس سنوات لكنَّها في الحقيقة أدارت البلاد بشكل مباشر حتى بعد بلوغ ابنها الرشد (18) عاماً وتوليه لقب الملك لكن السلطة بيد أمه لمدة قاربت اربعين عاما.
وأضاف أن سمورامات فتاة جنوبية من مدينة بابل وزوجها شيلمنصر الثالث من آشور وآخر عواصمها كالح (النمرود) شمالي العراق وهذا التنوع الاجتماعي والمناطقي لم يمنع الملك الآشوري من الزواج بابنة الجنوب، وتميّز حكمها بالتنافس والصراع مع القوى الخارجية حيث كانت مصر تحت حكم آشور زمن سنحاريب، فأوجدت علاقات دبلوماسية مع حكامها وتعاملت بحكمة، وتبادلت معهم السفراء وعرض عليها أحد ملوك مصر الزواج فرفضت وقالت له: «أنا مسؤولة عن صبي يحكم آشور وبابل لمَ أجعل شمس بابل يطفئها زواجي بك» كما طلب منها بعض حكام الإغريق الزواج، فرفضت كلّ طلبات الزواج من الشرق والغرب حيث شعرت أن وراءه نتائج تضعف هيبة دولتها ومطامع سياسية واقتصادية ربما تسقط آشور.
إدارة المؤسَّسات الثلاث
وأوضح الخفاجي أن سميراميس أدارت (3) مؤسسات، هي:
1ـ المؤسسة الدينية، حيث تعاملت معها بحكمة ورقي واحترام وقلَّلت من نفوذها فقد كان كهنة المعبد يستولون على الأراضي الزراعية والهبات والهدايا والنذور وينفقونها لخاصتهم، بينما قطعت سميراميس عليهم ذلك وحوَّلت معظم الأموال إلى خزينة الدولة لتوزع بين عامة الناس وإدارة البلاد.
2ـ المؤسسة العسكرية، تعاملت معها بقوة وحكمة وحمت حدود بلادها من غزوات الغرب كالإغريق والشرق كالاخمينيين والميديين ومن القبائل العربية الممتدة من صحراء السماوة إلى مناطق بلاد الشام.
3ـ المؤسسة الاقتصادية والإدارية، حيث تعاملت معها بطرق سليمة، وأدارت البلاد بشكل مزدهر ونفذت مشاريع عمرانية كبيرة انعكست إيجابيا على مستوى معيشة أفراد الشعب الآشوري.
وبين أنَّ ذلك أغاض الخصوم من الخارج، المتمثِّلين بالمصريين والإغريق والاخمينيين، ومن الداخل المؤسسة الدينية (كهنة المعبد) الذين حرضوا ابنها عليها، ومن صفاتها أنَّها كانت دائما ما تحنّ لمدينتها بابل وأصلها الجنوبي فلم تبقَ أسيرة آشور، كانت تترنم بأصلها البابلي وكامرأة تميل لفكرة الترف والدعة، رغم أن آشور هي حاضرة الدولة، فكانت تعدّ بابل أجمل مدينة في حياتها حيث تفننت بإعلاء شأنها، وتحديث مبانيها، وكان البابليون يفتخرون بان سميراميس هي من قامت بإعمار المدينة، وأعادت جمالها وتطويرها، رغم أنَّها تعود للإلف الثاني قبل الميلاد كقرية أيام سوموا أبوم الذي عظمها، ورمَّمها من بعده حفيده حمورابي وأبناؤه، حتى جاء الكيشيون وهدموها ودمروها سنة (1595) قبل الميلاد، وأصبحت كالقرية، أما سميراميس فأعادتها للواجهة بعد انتهاء الحرب، وهي أول من اعترفت بوحدة بلاد الرافدين، وصارت محبوبة الإغريق حتى أسموها سميراميس.
واستطرد بحديثه قائلا: إنَّ سميراميس حافظت على أنوثتها لكنَّها وحَّدت بلادها فهي لم تفرط باثنتين، أم راقية، وسيدة ذات أصل نبيل، لكن بعد موتها تضعضعت الدولة الآشورية وتلاشت في عهد آشور بال إلى أن تمكن الملك نبولاصر سنة 266 ق.م، أن ينهي العهد الآشوري ويبدأ بالعهد البابلي الكلدي الثاني.