أنا غاريتا…… Greta

شوقي عبد الامير

أنا غاريتا تونبرغ Greta Thunbeng، عمري 15عاماً، سويدية الجنسيَّة، تلميذة في المدرسة المتوسّطة، أعيش مع عائلتي وأدرسُ بانتظام، لكنِّي، مثل كلِّ أطفال العالم، أفكِّر بمستقبلي ومستقبل أبنائي وعلى تواصل مع ما يحدث في العالم، خاصَّة حياة الأرض، كوكبنا الأزرق الجميل الذي نعيش عليه نحن وكل الأجيال من بعدنا.. هذا الكوكب الساحر مريض يعاني من أخطار وعوارض تهدّدُ وجوده وكلَّ الكائنات التي تعيش فيه وعليه.
منذُ سنوات ونحن نشعر أنَّ كوكبنا هذا يعاني من ظواهر مناخيَّة مقلقة واضطرابات وعواصف وتسونامي، راح ضحيتها مئات الآلاف من البشر وأكثر من هذا يقول العلماء – وأنا أصدِّق العلماء أكثر من السياسيّين- إنَّ مُدناً وموانئ ستختفي من جغرافية الأرض، لأنَّ ذوبان الثلوج في القطبين الشماليّ والجنوبيّ ــــ بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض ــــ سيرفع من مستوى البحار. وهكذا ستبتلع مياه المحيطات الموانئ والشواطئ الجميلة في الكثير من السواحل في كلِّ القارات وسيموت الناسُ غرقاً.. سيبتلعهم البحرُ كما كانت تقول جدتي في حكاياتها التي أنام عليها.
هذه المرَّة ليست جدتي هي التي تحكي لي القصص لأنام؛ إنَّما العلماء ومختبرات العالم الحديث هي التي تحكي للبشرية عن هذا الخطر الداهم وهي نائمة لا تستفيق.
إنَّهم لا ينظرون الى هذه الأخطار التي تتصاعد حدَّتها كلّ يوم، ولهذا عندما سمعتُ بأنَّ مؤتمراً عالميَّاً يسمّونه (cop24) سيجمع ممثلي حكومات العالم في الرابع عشر من كانون الأوَّل 2018 في مدينة كاتوفيتش Katowice في بولونيا، قرَّرت أن أضع جانباً حقيبتي المدرسيَّة وأقف وحدي أمام البرلمان السويدي مع لافتة صغيرة كتبتها بخطِّ يدي، أدعو فيها كلَّ تلاميذ العالم للإضراب في يوم انعقاد هذا المؤتمر (14/12/2018).
«أعرف أنَّه ليس صحيحاً أن يقوم الأطفال بما أقوم به الآن ولكن، بما أنَّه لا أحدَ يتحرَّك من الكبار ولا هم يفعلون شيئاً فإنَّني وجدت أنَّ من واجبي الأخلاقي إعلان هذا الإضراب، لم يعد لدينا خيار، إنَّ قادة العالم تجاهلوا كلَّ الإنذارات وما زالوا يتجاهلوننا، ولهذا فإنَّ من واجبنا نحن الأطفال أنْ نشعرهم بأن التغيير قادمٌ، شاؤوا أم أبوا»!.
«يا قادة العالم الكبار المجتمعين في كاتوفيتش يوم 14/12/2019 إنَّني سأحتفل في عام 2078 بميلادي الــ 75 وإذا كان لديَّ أطفالٌ في ذلك اليوم سيطرحون عليّ أسئلةً عنكم وربَّما سيطلبون منّي لماذا لم تفعلوا شيئاً عندما كان الوقت يسمح بذلك».
ومنذ أن أطلقت هذا النداء في موعد انعقاد المؤتمر، أشعر اليوم بسعادة بالغة أنَّ الملايين من التلاميذ استجابوا لصرختي، وهم يواصلون عبر العواصم والمدن في العالم أجمع تظاهراتهم وإضراباتهم ويدعونني للحضور والمشاركة وبالأمس كنت في باريس في ساحة الجمهوريَّة، رمز فرنسا، وغداً في مدريد وروما وكلّ المدن التي سينزل فيها التلاميذ إلى الشوارع من أجل إنقاذ أرضنا الحبيبة.
إنَّني أرفع صوتي اليوم عالياً لأؤكد لقادة العالم:
«أنَّنا لا نتضرَّع اليكم لِتهتّموا بالأرض، لكنَّكم بعد أن تجاهلتم نداءاتنا بالأمس وأنتم اليوم مستمرون بتجاهلنا، فلهذا ليس لديكم متّسعٌ من العذر لقبوله وليس هناك متّسعٌ من الوقت لإضاعته.. وأنَّناـ إذ قرَّرنا، النضال فذلك لكي نقول لكم: إنَّ وقت التغيير قد حان، أردتم ذلك أم رفضتم»!.
أنا «غاريتا» السويديَّة الصغيرة لم أعد اليوم وحدي، فقد انضمّ اليَّ الملايين من الصغار في أركان العالم ونحن مصرُّون على إرغامكم على أن تفعلوا شيئاً للمناخ لإنقاذ الأرض التي هي أمُّنا جميعاً..
«غاريتا»، طفلة قرَّرت أن تنزع حقيبة المدرسة عن ظهرها لتضع مكانها كوكب الأرض، تقف أمام شاشات التلفزيون، تتصدَّر التظاهرات عبر العالم، حتى أصبحت رمزاً لحماية الأرض من مخاطر ارتفاع درجة حرارتها وصارت صورتها؛ بضَفِيرتها الطويلة، وجهاً لاستطاعة الطفولة والبراءة القيام بأكبر التَّحديات والمواجهات عبر العالم.
«غاريتا» ليست كارنينا بطلة رواية تولستوي التي تخلَّتْ عن كلِّ شيء من أجل الحبِّ، لكنَّ الحبَّ خذلها في آخر المطاف فانتهت بشكل تراجيدي، لأنَّ «غاريتا» ليست كارنينيا وحبُّ غاريتا ليس لإنسان بعينه، إنَّه حبٌّ من أجل الإنسان.