أنتونيو بيناكي وهو يصور عدوى الفاشية 1-3

نجم والي

آلاف العوائل من الفلاحين شُحنوا من المناطق الفقيرة للإقليم الإيطالي بينيتو عام 1928 بإتجاه منطقة لاتينا الخالية من السكان والموبوءة بالملاريا، للعمل على حفر قناة موسوليني. الهدف النهائي للقناة هو تجفيف منطقة الأهوار تلك الممتدة بين جنوب روما وشمال نابولي، وتوطين العائلات الفقيرة تلك هناك. إحدى تلك العائلات الفقيرة هذه، أو «الغيسبانديير» (كلمة مرادفة للصوص) كما أطلق عليهم سكان المناطق المتاخمة للأهوار، هي عائلة بيروزي: العم بيريكله، واحد من ثلاثة عشر أخوة وخوات، و «أسد القبيلة»، العمة الفخورة أميدا، والصهر المغرور أديلجي، الجدان الريفيان الأصيلان وأحفادهما، موحدون جميعاً بالكفاح ضد الفقر والبعوض وضنك الحياة. وهي الصدفة لا غير، التي قادت الجد للارتباط بالاشتراكيين في شبابه، بسبب اعتقاله عام 1904 مع الاشتراكي آنذاك روسوني الذي سيصبح رقم 2 بعد الاشتراكي أولاً ثم الفاشي لاحقاً الدوتشة بينيتو موسوليني، لأن الجد – سيظل يتندر بتلك الواقعة -، لبى نداء روسوني وهبّ لمساعدته لتخليصه من الشرطة، رغم إنه كان مرّ صدفة بعربته المحملة بالنبيذ بالقرية الصغيرة كابارو لكن رؤيته للشاب والطالب هذا أدموندو روسوني الذي يعرفه من قرية فورمينيانا التي بيوتها لا تتعدى عدد أصابع اليد، لكنها قرية حميّه (والد ووالدة زوجته)، وهو يلقي خطاباً ثورياً في الحشد الذي تجمع في ساحة المدينة جعلته يتوقف هناك حتى لحظة هجوم الشرطة.
ومثلما قادت الصدفة الجد إلى تقاسم الزنزانة مع روسوني، فهي الحاجة لقضاء الوقت، كما يسميها الراوي، التي قادت العم بريكله للإنتماء لحركة «شعب إيطاليا» الفاشية التي قادها روسوني لاحقاً في ميلانو، لأنه قبل كل شيء جندي فقير في ميلانو، «إلى أين كان عليه أن يذهب؟»، فبالتالي كان على الجنود أن يعيشوا مع بعض، دائماً، «ومرة يذهبون للسينما، مرة أخرى للمبغى»، ورغم الحسم الذي يحصلون عليه عند البغايا، كان الراتب ينتهي سريعاً، إذن إلى أين يولون وجوههم؟ «ذهبوا إلى الفاشية» (ص68). صحيح أن الأمر لا يخلو من الكوميديا السوداء، البورليسك، والكوميديا الإيطالية على دراية بذلك، إلا أن قدر عائلة بيروسي، كما يرويها أحد الأحفاد، تحركت دائماً في المنطقة الفاصلة تلك بين الكوميديا والتراجيديا، مثلها مثل كل تلك العائلات الشبيهة التي تُسلم نفسها للقدر، كأن غريزة البقاء على الحياة وبأقل خسارة ممكنة هي التي تقودها، دون أن تدري أن النهاية التي تنتهي إليها مشابهة لنهايات التراجيدة الأغريقية، ذلك ما نعرفه من قصص عائلات في إيطاليا وفي أماكن أخرى من العالم، رغم أن العائلة هذه وبكل ما عاشته أو سعت إليه، حاولت الإبقاء على كفة الميزان متوازنة، على الأقل – وهذا ما ظنته – إنها لن تسعى لإمتلاك السلطة. السباحة مع التيار نعم، لكن السلطة؟ لا، «هكذا هو الأمر منذ بداية العالم، السلطة في النهاية هي غير نظيفة» (ص100)، كما تقول الجدة، وتنسى أن التعاون أو الدفاع عن السلطة هو الأمر ذاته، غير نظيف، لأن الناس وهي تتقلب تفكر بنفسها وحسب، لا يهمها ما يحدث خارج أنانيتها، كما حدث في إيطاليا (وفي أماكن أخرى لا يختلف الأمر)، عندما كانت الأغلبية فاشية حتى 25 يوليو/تموز، 1943 يوم نهاية الفاشية، وفي اليوم الثاني تحولوا إلى مضادين للفاشية، «الرياح تنقلب يا صديقي، وإذا انقلبت يعني هذا إنها العاصفة» (ص98)، ذلك كان هو شعار عائلة بيروسي في «قنال موسيليني» رواية الايطالي أنتونيو بيناكي، أولاً كانوا اشتراكيين، لكنهم ما أن يروا صعود الدوتشة حتى يتحولوا إلى أتباع مخلصين له، لأن العائلة المُستغلة من الاقطاعي غراف زورسي فيلا، كانت على يقين أن الفاشية وحدها التي تفتح أمامها أفاقاً جديدة.