أنتوني هوبكِنز:أحب أن أكون ممثلاً، نوعاً من اللحم أو البطاطا!

ترجمة وتقديم علي الياسري

منذ أن لمحته عين الممثل الكبير «لورانس أوليفييه» كموهبة فريدة، (يتقمص دوره بشكل لايصدق) هكذا كتب في مذكراته، واختياره ليعتلي خشبة المسرح بديلاً له، لم يتوقف أنتوني هوبكِنز عن ابهار واثارة اعجاب الجميع. تلك النظرات المتقلبة على أوجه المشاعر البشرية بتعبيرات أمتلكت الكثير من براعة التلقائية والاقناع. فمن تقاسيم الضعف والانكسار إلى الافراط في الرعب والقسوة والغضب، ومن أحاسيس الحب المضمرة إلى ملامح الندم الموجع. أيقونة حية لشخصيات المسرح الشكسبيري. وطاقة تمثيل حرة لا تعرف الملل، أخرَّت تجليها الأوسع العالمي بعضا من الوقت ظروف الادمان على الكحول، حتى حانت تلك اللحظة اللامعة حين اطلق سراحها من زنزانته الطبيب السايكوباثي «هانيبال ليكتر» في فيلم (صمت الحملان). مقدرته التمثيلية لم تقف عند حدود الرعب ليتنقل بأدائه نحو أنواع أخرى برع فيها مثبتاً أن موهبته النقية تتشكل وفق ما يرغبه الدور فرسم تلك الصورة البارعة لشخصية الخادم المتفاني بعمله والذي يتوارى خلف مشاعره المضمرة في فيلم (بقايا اليوم)، وليؤكد ذلك التنوع بدور الأب في ملحمة (أساطير الخريف) السينمائية حين يقف على حد الخشونة والبرود في العلاقة مع الابن.

قلت ذات مرة أنك كلما خَبِرت الحياة كلما زاد لديك الشعور بأنها مثل الحلم. هل كانت هناك لحظة معينة في حياتك بدت فيها الأشياء متباعدة عن الواقع؟
معظم سنواتي الثلاثين الماضية كانت بهذا الشكل. نتائج وتعبيرات لأشياء حلمت بها كصبي ورغبت بها كطفل وأيضاً حينما صرت شاباً. حين ادركت الأمر منذ أكثر من ثلاثين عاماً. فكرت مع نفسي ((هذا غير واقعي، لقد حدث مثلما توقعته، وبالشكل الذي تصورته))، كل حياتي كانت بهذا الشكل. أنا مفتون بالطاقة التي نمتلكها جميعاً والتي من خلالها نخلق حياتنا ونحن ماضين في مسار العمر.

تعتقد أن الممثلين وصنّاع الأفلام يتمتعون بحياة روحية أقوى؟ اعتاد الناس على القول أن الممثلين أكثر عاطفة وحساسية من الآخرين.
لطالما انتابني شعور بالريبة من كلمة الفن حين يتم تطبيقها على التمثيل. أحببت أن أكون كممثل مثل نوع من اللحم أو البطاطا لايؤمن بأي من الأدوات القيمة التي يتمحور حولها التمثيل، لذلك أميل لأن أكون أكثر تشاؤماً. ولكن بالمقابل أعتقد أنها عملية إبداعية. التمثيل عملية إبداعية، والإخراج والموسيقى أيضاً. أعتقد أن الأشخاص المبدعين –وأنا كشخص مبدع برغم أن ذلك لايعني بالضرورة أن تكون ممثلاً أو موسيقياً أو رساماً- لدي التصور أنك لو كنت تعمل بمهنة إبداعية أو عمل خلاّق فثمة وعياً متنامياً سيتكّون لديك، برغم أن هذا لن يجعلك شخصاً مميزا.

العديد من الممثلين يتصرفون بالتأكيد كما لو كانوا…
عليك توخي الحذر من هذا، لأنك حين تبدأ الاعتقاد بأمتلاكك الرخصة لفعل ذلك بسبب كونك شخصاً مميزاً يتنفس أوكسجينا خاصا، فهذا يعني أنك في مشكلة كبيرة. انه الطريق إلى الجنون. والكثير من الأشخاص في الاستوديوهات على هذا الحال. لديهم الاعتقاد بأنهم مميزون. عندي تصور بأن الممثلين مباركون أو ملعونون مع وعي اعلى قليلاً ربما، والذي يتوجب عليك استخدامه. هذا لايعني أنك متفوق أو أفضل من أي شخص آخر، الأمر فقط يعني تلك الطريقة التي تطرق بها الأفكار عقولنا.

هل هناك في الماضي أي مخرجين ألهموك فعلاً؟
كان هناك عدد منهم وجميعهم يمتلكون طرقهم الخاصة بالعمل. لقد عملت مع أوليفر ستون، سبيلبيرغ، وعدد آخر منهم. بعضهم يعتبر الأفضل ولقد كنت محظوظاً بذلك. عندما مارست الإخراج حاولت الاحتفاظ بطريقتي الأنيقة الخاصة. بالطبع أنت تتأثر بالآخرين. اوليفر ستون مخرج كبير، كما أني شاهدت العديد من الأفلام على مر السنين، ولكني حاولت خلق أشياء من وحي خيالي. أرغب بكسر القواعد والعبث بها وصناعة فيلم مختلف فقط من أجل الاستمتاع به.

أيساعدك التمثيل على البقاء شاباً؟
نعم. أنا شاب! أن تكون مبدعاً وتحافظ على عقلك منشغلاً امر مُعتبر للغاية، لأنك ان لم تفعل ذلك ستموت ببطء. بالرغم اني في بعض الأوقات أشعر بالتعب وأفكر ربما يتوجب عليَّ التخلي عن التمثيل، لكني لا أرغب بالتقاعد فقط.، كلا فأنا استمتع به تماما، وعليَّ فقط المحافظة على استمراريتي حتى يأتي اليوم الذي لا أقدر فيه على القيام بالأمر. هذه هي رغبتي.

ما زلت مهووساً بالتمثيل؟
لطالما أمتلكت بعض الهوس بالتمثيل ولكن ليس بعد الآن. أنا أستمتع بالتمثيل الآن ربما لأنه أصبح أسهل بالنسبة لي. لا أستطيع العمل بالمسرح لكون الأمر بالغ الجدية بالنسبة لي. هو أشبه بكوني في سجن. يعجبني الأشخاص الذين يقومون بذلك ولكني لا اقدر على فعله. أفضل أن أعيش حياتي وتأدية بعض التمثيل بين حين وآخر.

كيف تبدو حياتك هذه الأيام؟
أعزف على البيانو وهو أمر أعشقه. أقرأ وأرسم وأؤلف الموسيقى، لذا فلدي حياة إبداعية حافلة. وهذا ليس بسبب، كما تعلم، كوني مبدعاً خلاقاً. أنا فقط أستمتع بالرسم. ولا أعرف اذا ما كنت جيداً فيه. ولكني ارسم، ارسم بسرعة، ارسم بالاكريليك ويبدو أنها تعمل معي بيسر. كما أكتب الموسيقى وأؤلفها وأعزف على البيانو. وأقرأ الكثير عن الحياة الجيدة. لذا فالتمثيل أمر ثانوي.

اذن فأنت تستمتع بالتقدم بالسن؟
نعم، أحافظ على مظهري. انظر في المرآة وأرى الخطوط ولكني لا أبالي. أنه وقت طيب. لا أعلم لماذا ولكنه بالفعل وقت جيد. النظر للموت منقذ عظيم. فهو بالنهاية يُبعدك عن كل شيء وهذا ما يجعل العيش أفضل. أتعلم؟ عليك بقراءة كارل يونغ. كتاباته تجعل الحياة أكثر غنى لأن هذا هو الحال، فلا أحد منا يعلم إلى أين نمضي وتلك هي متعة الحياة.

أتراك حققت كل ما رغبت فيه؟
بعيداً عن كل شيء، لقد كنت محظوظاً جداً. في الماضي واجهت العديد من المشاكل وكانت لدي متاعبي الخاصة ولكني تخطيتها. حظيت بحياة حافلة وأنا ممتن لذلك.
عن مجلة»talk» الأمريكية