أنثى من تاريخ بابل

شكر حاجم

يؤسفني أنَّي لم أقرأ له من قبل، لا في صحيفة ولا في مجلة ولم استمع له في محفل ثقافي، ولم أره في مجالس أنشطة المدينة الثقافية، لا مستمعاً ولا مناقشاً ولا منشداً، لكنَّه ومن حسن الحظّ رشَّني برذاذ من نصوص العافية التي تفوح شعراً عذباً تفيض من سطوره المواجع والحنين الى الطفولة والصبا في قريته كويخات التي تنام على وسادة من بساتين النخيل والكروم وتستحمُّ بفرات شط الحلّة الذي يغازل بيوتها وطيورها وناسها، وأفاجئُ بـ(أنثى من تاريخ بابل) التي أشار على غلافها الى أنَّها الاعمال الشعرية الكاملة !! التي ضمَّت أربع مقدمات وثلاث مجموعات شعرية والمقدمات تفيض بمشاعر الاعتزاز بإنجاز علاء الحلّي وكتبها: الدكتور حسين كعور، الشاعر رياض هاتف، الدكتور عبد العظيم نصّار، ورابعهم مدرّسه في متوسطة الوحدة الفنان عماد الزبيدي، وسبقت المقدمات كلمة شكر وامتنان وجّهها المؤلف الى أعلام يعتزّ بتوجيهاتهم وصداقتهم.
والثلاث مجموعات هي:
غريبان وليل ص 33 ــ ص 91
ذاكرة الفيروز ص 95 ــ ص 151
رحلة طائر التمّ الأخيرة ص 155 ــ ص 213
وقبل الدخول في متن المجاميع الشعرية لا بد من مماحكة بشأن العنوان «أنثى من تاريخ بابل» الذي أراه يحيل الى التاريخ السحيق وليس الى الماضي القريب أو الحاضر الراهن وكان من حسن الصنيع لو حذف مفردة (تاريخ) من ثريا النص، وأطلق مخيلة القارئ في تأويل ما يراه في قراءته التي تنبني على استعادة الإرث الحضاري لمدينة بابل العظيمة التي هي ليست الحلَّة المزيديَّة عند أيّ مقارنة بينهما، ثم ألا يرى المبدع علاء الحلّي أنَّ إطلاق تسمية الاعمال الشعرية الكاملة على ثلاث مجموعات له يوحي بالتّوقُّف عن الاصدارات اللاحقة وإلا ماذا سيسمّي الشاعر أعماله (بعد الكاملة هذه؟) تمنيّت ولكن ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه …..!! ثم لفت انتباهي تبايناً بين رسم شطرين من الشعر وردا في ص 33 هكذا ((والعود الوصابِ)) في حين رسم الشطر ذاته على غلاف الكتاب الأخير هكذا (وينفح من العود الوصابي) وكلا الشطرين في الأصل من نص (( ربيع العراق )) من المجموعة الاولى في الكتاب (( غريبان وليل )) ولا أريد ان اتمادى فأقول إنَّ (توقض) لا تكتب هكذا كما وردت في ص 7 وانما ترسم هكذا ((توقظ)) وأنا موقن أنَّ هذا الخلل ناتجٌ عن خطأ طباعي لا غير… ورسمت ((ضميء)) ص 163 في حين رسمها الصحيح (( ظمئ )) وساختار نصّين من كل واحدة من المجموعات الثلاث مجاميع في عنوان واحد لكان ذلك لا يخلّ بالمتن، فموضوعات نصوصها تستقي من ذات واحدة نفحاتها الوجدانية وأشواقها الحارة، يقول المبدع علاء الحلي في زيارة شتائيَّة ص 69 :
يا صغيرتي
حين تزورين مخيلتي
أغلقي كلّ
النوافذ،
وألقي علينا دفئاً
من ريش نعام
فالشتاء قاسٍ
وروحي رقيقة كاليمام
في هذا النص يخاطب الشاعر محبوبته الصغيرة ويرجوها منها إغلاق النوافذ لأنَّه بحاجة الى الدفء ومن ريش النعام رغم أنَّ وسائل التدفئة متعددة لكنَّه يخصُّ ريش النعام بوظيفة الدفء لأنَّ الشتاء قارس وروحه رقيقة كاليمام ــ هل اليمام رقيق كما يرى الشاعر؟ فهناك موجودات عديدة تمتاز بالرقة أفضل من اليمام !! أصحيح ذلك يا أيُّها المصور البارع ؟ … وفي نص ((صباحُك غربة)) ص 80، يأخذنا الحلّي الى أجواء مغايرة ذات مواصفات نادرة:
كل الذين أصادفهم / في غُداتي يقولون لي: / (صباحُك غربة) / إلاّ هي / حتى صباحها كان يختلف / عن صباحاتهم / فريدة لا يشبهه أحد / فالى كل الذين قالوا قبلنا: / (يخلق من الشبه أربعين) / سأسامحهم بتسع وثلاثين / وأبحث عن واحدة فقط تشبهها / لأقنع نفسي أنّ جنوني بها مبرراً / فأطوف الارض بحثاً عن / نسخة ثانية لها / حتى ولو كانت مُقلَّدة / فلا أجد أبداً ……..
إنَّ أجواء الغربة التي يعيشها الشاعر فرضت صباحات مختلفة لا تشبهها صباحات غيرهم وهنا يستثمر الموروث الشعبي ليبلغ بالنص ذروته الفاعلة، في البحث عن واحدة فقط، ليست تتطابق معها في الصفات ليقنع نفسه بجنونه المبرَّر، الذي سيفشل في بحثه عن ثانية ولو كانت نسخة مُقلَّدة، ومع كل هذا العناء لن يجد مبتغاه وستظل صاحبة الصباح المختلف هدف سعيه ومسعاه، ومن المجموعة الثانية (ذاكرة الفيروز) سأختار نص (الفراتية) ص 114، الذي لا يختلف عن سابقه في المضمون واللغة:

حلمي / كزقاق صغير / وعيونها مدينة / وزرقة أصابعي بلون الغرق / وخصرها سفينة / فارسموا ما شئتم فلا شيء / يشبه وجهها سوى القمر / واعزفوا ما شئتم فلا شيء/ يشبه صوتها / سوى حديث الملائكة وتراتيل السحرْ / تلك الفراتية المسافرة في المدى / وفي شرفتها الحمراء / تستضيف المطرْ /

صور جميلة أبدعها الشاعر في رسم صورة حبيبته الحلم / فهي كزقاق صغير والعيون مدينة وصوتها تراتيل السحر هكذا هي الفراتية التي يعشقها المحبَّ ويبلغ منتهى دهشته بقوله في شرفتها الحمراء تستضيف المطر واللون الأحمر إشارة رمزية دالة على الاشتياق للآخر، يعزِّزها في استضافتها للمطر الذي هو علامة الخصب وبلوغ الأماني بالشوق المتصاعد والمطر تعبير مكشوف عن ماء القلب، أليس كذلك أيُّها الحلي البارع، أما في نصِّه المكثَّف (فاكهة بلا مواسم) ص 130 فإنَّه يسكب طاقته التصويرية كلّها في إنتاج نصّ يفيض صوراً أخاذة في توكيد معاني الجمال والحنين حضورها:

فاكهة لا موسم لها
تضج برائحة الحنين
وليالي الصخبْ
ترتشف ليلاً
مع النبيذ
وتأكل على مهل كما العنب

وأزعم أنَّ (تأكُل) يجب أن تُرسم هكذا (تؤكل) وليست كما وردت في هذا النص المختزل الجميل وفي نص (أنتِ معي) ص 190، من المجموعة الثالثة رحلة طائر التمّ الأخيرة، ينجح علاء الحلي في بناء نص جميل استثمر إيقاعا متوارثا لكنَّه أجاد في منح النص طاقة تعبيرية بصور موحية ودالة:

مُرّي على يباب الروحِ / من حزني ومن ضجرِ
وأفيضي على شغاف القلب بالمطرِ /
عهدي إليكِ زممّته بحقيبتي / فأنتِ معي في حلّي / وفي سفري / تركت الديار مرتاباً على عجلٍ / إلا عيونك وضعتها / وشماً على صدري ….

والنص الاخير هو ((طفلة وغيمة)) ص 196، بناه علاء الحلّي على ذات أسلوبه بايقاع بطيء وأشواق عاصفة من الذكريات التي ما زالت تعيش في مخيلته:
أتذكّر لقاء طفلة / تشبه غيمةً مسافرة / كان في عينيها أثر داكن للسهر / كانت شفافي تتسيَّد الموقف / وكان في الآه بحَّة / تضجّ بالغرباء / كنت أفظع من هسيس الشجر/ وأقسى من خطوات العابرين / نحو المجهول وكانت اللحظات عُمُرْ /
وفي الختام لا بد من ازجاء التحية للمبدع علاء الحلّي الذي أمتعنا بــ (أنثى من تاريخ بابل) وجعلنا نستبشر بميلاد مبدع حلّي سيكون له من الحضور الفاعل في المشهد الثقافي ما يجعلنا نرسخ اعتقادنا أنَّ الحلة منجمٌ للإبداع ولها تاريخ حافل يضيء بالأسماء الكبيرة ……