أنخيدوانا كاهنة النص الأول

جواد جميل

كشفت التنقيبات الاثارية المتعاقبة في وادي الرافدين عن العديد من النصوص الشعرية التي اختلفت فيها الاغراض الفنية من تسبيحات الى تمجيد الالهة والملوك الى الملاحم الفلسفية الى التأريخ واحداثه ..
الا ان الملفت للنظر ان جميع هذه النصوص الهائلة لم تذيّل باسماء شعرائها وقائليها ولا رواتها ! فبقيت نصوصاً فنية مجهولة القائل، تنسب الى الحقب التاريخية او الممالك والسلالات فقط! وهو ما فتح باب التكهنات والتخمينات في تعليل هذه الظاهرة التي لا يوجد لها مثيل في نصوص الحضارات الاخرى كالفرعونية مثلاً، والتي كانت النصوص فيها مذيلة باسم الكاتب او الشاعر او الناسخ

ويبدو لي ان افضل تعليل لهذه الظاهرة، هي ان الشعراء إما كانوا يعدون انفسهم كهنة أو من موظفي المعبد او من خدمه، فلا يرون اي دافع لنسبة النصوص الفنية اليهم … أو ربما لظنهم أن ما يبدعونه من شعر ونثر، ليس إلًا إلهاما مِن الالهة، وايحاءً من السماء، الامر الذي لا يعطيهم الحق في ادعائه او تذييله باسمائهم
عثر الاثاري الانجليزي «ليونارد ولي» وهو ينقب في مقابر مدينة اور عام 1923 .. على قرص مدور من الكلس قرب دكّة الكاهنة الكبرى، في معبد آلاله (نانا) اله القمر، وكانت قد نقشت على هذا القرص صورة كاهنة ترتدي ثوباً طويلاً مهدّباً ومعها كاهن يرش الماء مع كاهنات يقدمن القربان للاله، وقد نقش على ظهر القرص نص يقول: ((أنخيدوانا، امرأة نانا الحق، زوجة نانا، ابنة سرگون، ملك الجميع، في معبد إنانا في أور، منصّةً أنتِ شيدتِ ، ومنصّةَ مائدة الاله (آن) أنت سميتِ.))
ومن هنا بدأ الاهتمام بهذه الاميرة زوجة الاله
وقد عثر لها بعد ذلك على اكثر من مئة لوح طيني نقش عليه قصائد وتراتيل مذيّلة باسم الكاهنة العظمى انخيدوانا، تعود إلى الحقبة البابِليّة القديمة في الفترة 2285-2250 قبل الميلاد، اي بعد 500 سنة من ولادتها !!
فمن هي انخيدوانا الشاعرة الاولى في التأريخ ؟!
انها الاميرة الاكدية والكاهنة العظمى للإله (نانا) إله القمر عند السومريين، ابنة الحاكم (سرجون الاول) حاكم اكد و اور وتوابعها، وهي ابنة الملكة السومرية (ناشلولتوم)، وعمة الملك الاكدي (نرام سين) ! تحدد الفترة التي ولدت فيها انخيدوانا بين عامي 2334-2279 ق م اي ان عمرها لم يتجاوز 60 عاماً ..
انخيدوانا او انهيدوانا Enheduanna أو ( إن-هيدو-آنا ) و«إن» تعني الكاهن الأعظم، و«هيدو» تعني زينة، ومعناها زينة الكاهن الأعلى للإلهة آن و«آن» هو مختصر نانا إله القمر) (وتكتب بالاكدية) .. واستشف ان اسمها وصفتها كانت : الكاهنة العظمى زينة القمر !!
عاصرت الشاعرة الاميرة الكاهنة انخيدوانا حكم ابيها وامها واخيها ( ريموش ) وابنه (نرامسين)، وشغلت اعظم رتبة كهنوتية في الألف الثالث قبل الميلاد في معبد اور ( الزقورة )، وكان لها تأثير كبير على حكم أبيها سرجون، وحكم امها الملكة ناشلوتلوم، وكانت لها تراتيل وصلوات أدبية عن الإلهة انانا وعن الهة اور الأخرى، تتردد على السن الرعية في مواسم الاعياد والنذور.
ولم تخف انخيدوانا طموحها في عرش الاكديين وهي تدفع اباها الحاكم المطلق الى ان ينوه عنها ويرفع من شأنها باعتبارها زوجة الاله ( نانا) وخادمة ابنته ( انانا)! الا ان اخاها الامير ريموش كان هو الاخر يطمح بعرش ابيه وامه، فما ان مات سرجون الاول و زوجته، استولى الامير ريموش على العرش، وما ان استتب له الامر وقضى على ثورة السومريين الجنوبيين الذين طردوا انخيدوانا من منصب (الكاهنة العظمى)، بعد ان استولوا على المعبد، ما ان هدأت الامور حتى خافها ريموش على مملكته، فعهد بالمنصب الى احدى حفيداتها الشابات بدلاً عنها !! مدعياً ان الاله ( نانا ) وابنتهابن ( أنانا ) قد غضبا على انخيدوانا لتقصيرها في ادارة الكهنة !!
بقيت شاعرتنا تعيش عزلةً قاسية فجرت ينابيع الابداع لديها بترانيم وقصائد تقطر جمالاً وروعةً، وظلت طريدة المعبد حتى حكم ابن اخيها ( نرام سين ) فأعادها الى مكانتها وعظمتها ككاهنة عظمى لمعبد المدينة، وكزوجة مقدسة للاله (نانا) بعد ان اشاع نرامسين ان (انانا ) ابنة الاله شفعت لها عند ابيها الاله نانا فعفا عنها ورضي بها زوجة له مرة اخرى، بعد ان سمع ترانيمها المقدسة ..
وهكذا دخلت انخيدوانا معبدها بحليّها الملكية وابهتها وسط سحائب البخور وطقوس الكهان !
ظلت شاعرتنا تمارس دورها الكهنوتي حتى موتها في مدينة اور، وقد لا نعثر على قبرها بين تراب اثار مدينة اور، لكننا لا نشك في انها دفنت في قبر ملكي لائق .
وبقيت قصائد انخيدوانا تستنسخ وتغنى خلال مئات الاعوام بعد موتها ، في جميع مدن حضارة وادي الرافدين ..
عثر المنقبون حتى الان على الواح عديدة لقصائد انخيدوانا وهي بالجملة ثلاث قصائد لنانا، وثلاث لإنانا، و42 ترتيلة، واطلق على اشعارها ( تراتيل المعبد السومرية) .
ان أهم نصوصها الادبية المعروفة هي (تمجيد إنانا) أو (نِن مي سار را)، وتتألف من 153 سطرا قام هالو وفان ديك بكتابتها وترجمتها عام 1968، وبعد ذلك قامت بترجمتها أنيت زول عام 1997 إلى الألمانية.. ومن نصوصها قصيدة (إن نِن سا غور را) المكونة من 274 سطرا ، وقام سوبيرغ بتحريرها عام1976 مستفيداً من 29 مقطعاً مكتشفا، ولها ايضاً نص بعنوان (إن نِن مي هوس آ، إنانا وإبيح) قامت بترجمتها ليمِت عام1969 .
وترجمت أعمالها الكاملة نثراً مجموعة من المهتمين من جامعة بركيلي بكاليفورنيا، ثم عهد الى الباحثة في آداب بلاد الرافدين «بيتي دي شونغ ميدر» باعادة صياغتها شعراً إلى الانجليزية .
وقد ترجم عالم السومريات «صموئيل نوح كريمر» والشاعرة «ديان وولكستين» جميع نصوص وتراتيل وتساليح انخيدوانا في مجموعة واحدة عنوانها (إنانا، ملكة السماء والأرض: قصصها وتراتيلها السومرية ) ونشرت عام 1983.

وهنا يطيب لي أن أنقل نصاً لانخيدوانا استقيت ترجمته ومعانيه الأولى من الترجمة الانجليزية والعربية نقلاً للمعنى الحرفي عن السومرية، ولا أشك في أن المعنى السومري لم يعد هو سيد النص، إذ أنَّ تعدد الترجمات يفقد النص هالته التأريخية وروعة التركيبة الأولى إلّا أنه لا يلغيه، فحاولت أن أتعمق في كلمات النص لأصل إلى معنى المعنى، ملتزماً بأن أبقى داخل إيحاءات النص الأول. وكم تمنيت لو أنني استطعت قراءة النص السومري، وفك رموزه، لكان هذا النص نصاً آخر !!

سبحانك انانا

(( تراتيل الكاهنة العظمى في معبد اور، الشاعرة الاكدية – السومرية ، أنخيدوانا ابنة سرجون الاكدي ))

سألتَني أن أدخل المعبدَ المقدسَ الـ (كَيبارو)
– معبد زقورة أور العظيمة –
ومنذ ان دخلتُ المعبد المُقَدّس
كان تمجيدي لك وحدك !

أنا إنخيدوانا الكاهنة العُظمى
حملتُ قفّةَ الطقوس، وهتفتُ بعظمتك
والآن .. ها قد طُردت إلى منفى المجذومين ،
حتى ما عاد بمقدوري ان اعيشَ لك !
الظلال تزحف على ضوء النهار،
والنور من حولي اسود،
والافياء تدنو ، مغطية الاضواءَ بعواصف الرمل
فمي الذي كان احلى من العسل، بهت فجأةً
واشيائي الجميلة صارت كالهباء،
عقاباً من الاله نانا !
اهملني الهي نانا وتركني لليباب،
لدروب الخطيئة،
اشيمبابار لم يظلمني،
وحتى لو فعل ذلك، لما أكترثتُ
لو فعل، لما أكترث !

انا انخيدوانا
كنت جذلانةً مظفرةً
حتى طردني هو خارج المعبد
وكالسنونو جعلني أفرّ من فتحة في الجدار
مختنقةً بأنفاسي ..
جعلني أمشي بين الشوك في الجبال..
سلبني اكليل الكِهانة العظمى،
ناوَلني خنجراً وسيفاً،
وقال: أغرزيهما بجسدك،
قد وجدا لكِ!!

يا ملكةَ الأشياء،
أيتها الضوءُ المتوهّج،
أيتها المرأةُ التي وهبت الحياة ،
أنتِ يا من تنزلين الطوفانَ من الجبل ،
أيتها الشاهقة ،
يا إنانا السماءِ والأرض ،
يا من تمطرين جحيماً على الصحارى،
يا من أرسلها إليّ الإلهُ (آن) ،
أيتها الملكةُ التي تمتطي الوحوشَ ،
وهي تلهج بكلمات مقدسة
خشوعاً للاله المقدس (آن) ..

من هذا الذي يسبرُ كنهَ طقوسك ؟!
يا منزلةَ الموتِ بأرض عدوك..
وهبتِ الأجنحةَ للعاصفةِ، عشيقةِ (أنليل)،
فغدت تضربُ الكونَ
خضوعاً لأرادةِ الاله (آن)..

مليكتي ،
الأراضي الغريبةُ تنحني رهبةً لصرختك ،
وخوفاً من الريحِ الجنوبية ،
لجأ البشرُ إليكِ وهم يئنّون بلوعة
حملوا صراخهم إليكِ،
ووقفوا أمامكِ يبكون بحرقة،
حتى ملأ نحيبهم شوارع المدينة..

مليكتي ،
القسوةُ كلّها في قوّتكِ
تنقضّينَ مثل الريحِ ،
وتعولين بأشدّ من الطوفانِ ،
وتصرخين بأعلى من الرعدِ ،
وتنوحين مثل ريح السموم ..
شوطكِ لا يرهقه التعبُ ،
لانكِ صيّرتِ الحزنَ يعزف على قيثارة البكاء!!

مليكتي ،
حتى انونا الآلهة العظام
هربوا أمامكِ كخفافيش قلقة ،
ليس بمقدورهم تحدي مهابة وجهكِ ،
ولا الدنو من وقار جبينكِ ،
من هذا الذي بمقدوره أن يهدّئ قلبكِ الساخط!
قلبكِ المميت لا يمكن ان يهدأ !

أيتها الملكة،
يا جذلةَ الروحِ ، يا فرِحة القلب،
يا من لا يمكن لغضبها ان يهدأ ، يا ابنة الإثم!

ايتها الملكة،
يا حاكمةَ البلاد الابدية ،
اخبريني : من قدّم لك الولاءَ كلّه ؟!
الجبلُ الذي لم يقدم لك الولاء
يبس زرعه وصار هباءً ،
أشعلتِ النارَ في بواباتهِ المهيبة ،
أنهارُه سالت دماً ،
وغارت المياهُ فيه عن البشر ،
جيشهُ استسلم للهزيمة والاسر ،
والقادةُ الأقوياء انحنت امامك بخضوع
وساحاتُ الكرنفالات في مدنهم فوضى
وجميع الرجال أمامك ليس الا اسرى!

يا ملكة الملكات العظيمات ،
يا من أصبحت أعظم من أمك
حين خرجتِ من الرّحم المقدس ،
مليئة بالمعرفة والحكمة !

يا ملكة كلّ الارض ،
يا من تكاثرت المخلوقاتُ بارادتك
ورددت اغانيك المقدّسة..
أيتها الإلهةُ التي وهبت الحياةَ
انت مولودة للألوهية !

يا من أسبّح بآياتها ،
ايتها الرحيمة ، التي وهبت الحياة،
يا ذات القلب المضيء ،
ترنمتُ بين يديك بما هو لائقٌ بالوهيتك
ودخلتُ بمشيئتك إلى معبدي المقدس ،
أنا الكاهنةُ إنخيدوانا ،
حاملةً قفّة البخور،وانا أنشدُ ترنيمتكِ ،
انني الآن لستُ من سكان المعبد الهاديء الذي شيدته !
كلما أتى النهار، احرقتني الشمسُ
واذا حل الليل، حدقت بي الريح الجنوبيةُ
صوتي الحلو كالعسل صار فحيحاً،
وكل ما عندي تحول الى غبار
آه، أيها الإثم، يا ملكة السماء، يا قدري المرعب
اسمعي الالهَ (آن) شكواي، فهو مخلصي !

أنا إنخيدوانا، اتضرّع إليك، إنانا،
وهذه دموعي مثل شراب عذب !

أنا ، من أنا بين مخلوقات الكون؟!

أه، أيتها الملكة التي اكتشفت العويل !
زورقُ بكائي سيقلع الى ارض الغرباء
وهناك سأموت، وانا أنشدُ الأغنية المقدسة :
اوه .. انانا لك الخلود !!

يا سيدتي، يا محبوبة آنو،
عسى أن يعطف عليّ قلبك ،
فأنت معروفة بعفوك
انشادي لم يكن من أجل آنو،
بل من أجلك أنتِ !
لقد اشعلتُ الفحمَ وأقمتُ الطقوسَ
انشدتُ لك في منتصف الليل ،
عسى ان يعيده عليك الكاهن ُ
في منتصف النهار !!

السيــدةُ الأولـى فـي قاعـة العـرشِ
تقبلت ترنيمةَ انخيدوانا
وأحبتها من جديد!

هو يومها السعيد ،انخيدوانا،
لتتزين بجواهرها ،
ولتردي فتنة الأنثى ،
كما أول ضوءٍ للقمر في الأفق!
ما أروع الجلال في طلتها!

وبمجيء نانا – والد إنانا الى القصرِ
بارك لأمها (ننكَال)..
ومن باب الفردوسِ جاءت الكلمةُ :
اهلاً!