أندريا المهاجر ليفي .. صوت المهاجر الأسود

محمد قنور

عُرفت الكاتبة الجامايكية الإنجليزية أندريا ليفي (1956- 2019) بكتابتها عن مواضيع تتحرّى عن الهُويَّة العرقية والانتماء والعنصرية وصراع المهاجرين وأبنائهم من أجل ضبط إيقاع الحياة في البلد المضيف. وقد توفيت المؤلفة مساء الخميس 14 فبراير من العام الحالي عن عمر 62 عاماً وأكدت الهيئات الثقافية في بريطانيا خبر وفاتها بسبب مرض السرطان في بيان رسمي، تاركةً روايات بارزة عن تجربة المهاجرين الجامايكيين على الخصوص في بريطانيا، ومن أهمها «الجزيرة الصغيرة» و «أغنية طويلة».

وقد عدّ الكثير من النقاد والسياسيين أيضاً أنَّ أندريا ليفي صوت صادح لعشرات الآلاف من الأشخاص الذين هاجروا إلى بريطانيا من مستعمراتها السابقة في جزر الهند الغربية بعد الحرب العالمية الثانية للمساعدة في إعادة البناء.
كان وينستون ليفي والد أندريا من بين أكثر من 490 مهاجراً على متن سفينة ركاب، عندما وصل إلى بريطانيا في العام 1948 من جامايكا مع جيل من المهاجرين المعروفين باسم (جيل قلاع الريح – Windrush Generation)؛ ويعود الاسم إلى أسطول السفن الذي أتى بالمهاجرين من المستعمرات البريطانية في الكاريبي إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية من أجل إعادة بناء بريطانيا التي خرّبتها الحرب.
وُلدت أندريا ليفي في لندن عام 1956 لأبوين من أصول جاميكية. وترعرعت في مساكن عامة بالقرب من ملعب هايبري الذي كان يستضيف مباريات نادي آرسنال لكرة القدم في لندن. وكتبت عن طفولتها وتجربتها كابنة لأبوين من السود في بلد المهجر في كتبها ومقالاتها الأولى، حين قالت: «إن العنصرية التي واجهتها نادرا ما تكون عنيفة أو متطرفة، لكنها كانت خبيثة ومتواصلة ولها تأثير عميق عليّ». وقد منحتها محاولتها الأولى صوتا أدبيا في لندن. وأضافت في لقاء صحفي: «لقد كرهت نفسي؛ فقد شعرت بالخجل من عائلتي، وكون أصولي من منطقة البحر الكاريبي ظل أمراً محرجاً». لكن، لطالما حاولت ليفي أن تكون بريطانية قدر الإمكان، إلا أنَّها لم تستطع أبداً.
درست أندريا تصميم المنسوجات وأصبحت مساعدة أزياء، فعملت في كواليس القناة الإذاعية والتلفزيونية بي بي سي. وفي العشرينيات من عمرها، عملت اجتماعيا على قضايا العرق والعنصرية. فبدا لها جليا الاختلاف الجنسي الهائل بين السود والبيض في بلد غربي، وبدأت باستكشاف حقائق الموضوع هذا واقتفاء أثره والكتابة عنه بغية الخروج من التَّشظِّي الذي لحق بها بسبب الشعور بالاحتقار في مجتمعها، بعدما قالت: «إن إشكاليات الهوية تجعلني طريحة الفراش».
وتخاطب كُتب أندريا ليفي جمهورا أكبر بكثير من أولئك الذين ينحدرون من أصول كاريبية في بريطانيا. وقالت الناقدة أزوديما إيولا، التي قامت بقراءة في كتاب «فاكهة الليمون» لليفي لصحيفة نيويورك تايمز في عام 2007: «إنَّ الرواية تضيء الوضع العام الذي يواجهه جميع أطفال المهاجرين في الدول الغربية في حقبة ما بعد الاستعمار، وقد درست المؤلفة الوضع عبر العالم على أرض الواقع متنقِّلة من ضواحي باريس إلى الأحياء الإسلامية في نيويورك، ثم الأحياء اليهودية واللاتينية في لوس أنجلوس».
بدأت ليفي الكتابة في الثلاثينيات من عمرها، بعد أن حصلت على دروس في الكتابة الإبداعية، لكن الناشرين لم يعرفوا ما يجب فعله بعملها في البداية، كما أخبرت صحيفة الغارديان في عام 1999. «لقد كانوا قلقين من أن أقرأ من قبل الناس السود فقط، لذا لم يودّوا نشر قصصي في البداية،» كما قالت معتبرة أن دافعهم هذا عنصري للغاية. وقالت أيضا: «إنَّ الرفض دفعني إلى الاستمرار والتحدي».
نشرت روايتها الأولى «كل ضوء في البيت يحترقُ،» في عام 1994، و»أبداً لا ابتعد عن لا مكان» 1996 و»فاكهة الليمون» 1999. ولكن، حقَّقت نجاحها الأكبر في عام 2004 برواية «الجزيرة الصغيرة»، وهي قصّة عن زوجين من جامايكا من جيل قلاع الريح والمشاكل التي يواجهانها بمجرد انتقالهما إلى بريطانيا المنكوبة بسبب مُخلَّفات الحرب. ثم نشرت رواية «الأغنية الطويلة» عام 2010 التي حقَّقت نسبة مبيعات عالية، بالإضافة إلى العديد من المقالات والنصوص الأخرى.
كتبت الناقدة فيرناندا إيبيرشتادت في التايمز قائلة: «تصوّرُ ليفي في كثير من الأحيان المعاناة التي واجهها جيل والديها التي امتدت إلى الأبناء بسبب اللون، إلى أن اكتسبت أسلوبها الخاص، وذلك باعتبارها صوت المهاجر الأسود من الكاريبي في بريطانيا».
وقد فازت أندريا عن رواية «الجزيرة صغيرة» بجائزة أورانج للكتابة المعروفة الآن باسم «جائزة المرأة للرواية»، وجائزة «ويتبريد»، المعروفة الآن باسم «جائزة كوستا»، عن كتاب السنة. كما رُشّحت أندريا ليفي لجائزة البوكر في عام 2010 عن رواية «أغنية طويلة»، وهي روايتها الأخيرة، قبلما يسرق منها المرض الخبيث قوَّتها الإبداعية، وتتوقَّف عن الكتابة السردية.
وجدَّد الرأي العام اهتماماً أكبر بكتابات أندريا ليفي في بريطانيا مؤخرا كنتيجة لفضيحة تورَّط فيها أفراد من الحكومة مع جيل «قلاع الريح». ففي العام الماضي، فقد العديد من المقيمين القانونيين لفترة طويلة في بريطانيا الذين ينحدرون من أصل كاريبي وظائفهم، وحرموا من الرعاية الطبية وتم احتجازهم وتهديدهم بالترحيل لأنهم لم يتمكَّنوا من إثبات أنهم عاشوا في البلاد منذ عام 1973، وأنهم أبناء وأحفاد المهاجرين الذين جاؤوا للمساعدة في بناء البلد. وسبّبَ غضب الهيئات الحقوقية من معاملة أبناء المهاجرين إحراجا كبيرا للحكومة البريطانية؛ التي سارعت إلى إيجاد حلٍّ للأزمة. وبعد حلِّ الأزمة الاجتماعية هذه، أعلنَت الهيئات الحقوقية تشييد مسرح في لندن يحمل اسم «الجزيرة الصغيرة» كذكرى للكاتبة أندريا ليفي.

إنَّ علاقات البشرية مع الله والقدر هي الموضوع الأساسي لجولة الأوبرا الانكليزية الرائعة، أحد أعمال القرن السابع عشر، التي يضع فيها الملحن الإنجليزي الباروكي هنري بورسيل «ديدو وآينياس» إلى جانب الملحن الايطالي غاريسيمي، شخصية النبي «يونس» استناداً إلى الكتاب التوراتي ليونس، بالإضافة إلى سلسلة من أعمال الملحن الايطالي غيسوالدو الصوتية. تحت عنوان «لن اتكلم»، ابتكر العمل وأخرجه المخرج الفني لـ»إيتو- جولة الأوبرا الانكليزية»، جيمس كونواي.
يقود الأوبرا الثلاثية المطرب المسرحي جوناثان بيتر كيني، على الرغم من أن لكل مقطع مخرجاً مختلفاً، أما يونس الذي قام بأداء دوره الممثل المسرحي برناديت إيغليش، فيظهر في أفضل طلّة. يبدو غاريسيمي مهتماً بموقفه الغامض من دعوته الإلهية أكثر من مواجهته الشهيرة مع الحوت، فيقوم إيغليش بأداء موسيقى دينية كفعل بسيط للتأمل حول الوئام بين الطوائف، حيث يتجمَّع الأفراد مع تجاربهم في الشك والإيمان. يظهر المشهد مؤثراً للغاية، خصوصاً عندما يؤدي المطرب المسرحي خورخي نافارو كولورادو صلاة يونس العظيمة بكل جمال وإخلاص.
«لن اتكلم» تؤكد المشقة، فالملحن غيسوالدو معروف بسمعته السيئة جراء قتله لزوجته وحبيبها كما في موسيقاه، بينما يستكشف كونواي الديانة المسيحية الذاتية التي عرّفت أعماله من خلال التمازج بين أغنية جزئية بعدة أصوات مع تلاوات للشاعر الانكليزي جون دون والكاهن الباسكي إغناتيوس لويولا والراهب سان خوان دي لا كروز. تأخذنا الشموع المرتجفة إلى الظلام الروحي في النهاية، ولكن التأثير استدراجي وجامد بشكل مثير للفضول.
في هذه الأثناء، ينبذ مسرح سيب هاركومب «ديدو» في مكان ما بين المأساة اليعقوبية والسايكلودراما التعبيرية، اذ تعاني في بعض الاحيان من عدم اليقين. فتبدو ديدو مكتئبة وغير محصّنة، بينما يظهر آينياس بشكل خجول ومتلاعب. تمثل الحاشية المشعوذة مرآة خبيثة لمحكمة ديدو التي قد تبدو أداة لخيالها المحموم. هناك عروض للإدانة المحترقة من قِبل مغنية الأوبرا الاسترالية سكاي إنغرام كديدو، الممثل نيكولاس موغ كاينياس والمؤدي فيريدريك لونغ كمشعوذ، لكن الحافة المتوترة التي يمنحها مسرح هاركومب للحكاية تأتي بشكل غير سهل مع النتيجة، والتي تشمل فرحة كبيرة وكذلك حزن عميق، إنَّه لشيء مثير للإعجاب، ولكن ليس بشكل مؤثر كما يجب أن تكون ديدو.

المصدر: The Guardian