أوسكار وايلد.. تراجيديا الأمير السعيد

علي الياسري

من مرادفة الحب بالفن كأحياء لفلسفة جمالية كان اوسكار وايلد يكسر طوق الاخلاقيات التي حكمت عصره الفيكتوري، فبدت كتاباته أكثر جرأة على الاقتراب من مناهل حسية تفتتن بالجسد. لكنه بدا متحرراً أيضا من تراكمات الخبرة التي تولدها الأخطاء حين ذهب بعيدا خلف غواية الحب، ربما لأنه لم ير غير تهويمات خياله، فكان الوهم أول الملذات بفضل رشفات الافسنتين مانحة الاجنحة للتحليق بعالم الالهام في رحاب الأدب والفن وبالطبع الحب اليوناني، برغم يقينه خصوصا في سنواته الاخيرة انه كان أول يهوذا لنفسه.
واذا ما كان وايلد قد اخترق حاجز الزمن بتلك النجاحات الأدبية والفنية السريعة لافتا الانظار بطروحاته الجمالية الاشكالية وكوميدياه المسرحية الاجتماعية ولباقته التعبيرية الساحرة، فأن سعي روبرت ايفريت بالبحث عن جهة انتاج تُحيل شغفه الكبير بأوسكار وايلد المرصوف كلمات في نص فيلمه (الامير السعيد) استغرق عشر سنوات من الطواف عليها. خلال تلك الاعوام كان ايفريت لايترك فرصة مثل اداء شخصية وايلد بمسرحية (قبلة يهوذا) للكاتب ديفيد هير الا وأبان فيها قدرته العالية على تقديم اداء مبهر، وهو ما تجسد بالفعل في ذلك الاندماج الهائل بالشخصية الذي اظهره بالفيلم حيث قاده كمخرج وكاتب للنص وبالطبع الممثل الرئيس. ان التجربة الاولى السينمائية التي يقف فيها ايفريت كصانع لم تمنعه من تقديم رؤية بصرية مميزة اتسمت بمقدرة كبيرة على محاكاة اسلوب وايلد الأدبي والفني في الجمع بين قوة الطرفة وعمق الحكمة النابعة من قعر المعاناة. لم تكن فصول حكاية (الامير السعيد) الخيالية مجرد مثابات للسرد تمنحنا الانطباع عن روح البراءة التي امتلكها وايلد وذلك الشغف بالاخرين وبالطبع تلك النهاية المأساوية، لكنها ايضا كانت نقطة اتصال والهام بصري بنتاج اوسكار الأدبي والفني، كما سمحت ايضا باستعراض مواهب وايلد العديدة. ولقد ابان المخرج فطنة تعبيرية مميزة في ربط نهاية قصة (الامير السعيد) حيث التمثال الواقف على منصة وقد انفطر قلبه على فقد صديقه طائر السنونو فبدا شاحبا باهتا ليزيله اهل المدينة وليصهروه الا قلبه المكسور فقد ظل على حاله، بشخصية اوسكار وايلد حين صعد بها على طاولة الحانة لتلقي اغنيتها ثم لتسقط على الارض بعد ان استنزفت كل قواها وهي تزرع الابتسامات والفرح على وجوه الاخرين.
يختار أيفريت بذكاء تغطية الفترة الزمنية التي تلت خروج وايلد من السجن، حين قرر الذهاب الى باريس متنقلا منها لبعض الوقت الى نابولي مع عشيقه بوزي (اللورد ألفرد) تحت اسمه المستعار سباستيان ميلموث، هربا من العار الذي لحق بأسمه بعد محاكماته الشهيرة ووضعه بالسجن لعامين مع الاشغال الشاقة. سعى الكاتب المخرج الى اختيار مسار لفيلمه يتنقل فيه على تعاظم تأثير انعكاسات الانكسارات النفسية والانطفاء الروحي الذي اكل روح وايلد بتلك السنوات الاخيرة باستخدام منتجه الادبي مثل الالقاءات الشعرية من آخر أعماله (أغنية ريدينغ غول) مصحوبا بتكثيف بصري مبهر يتحرك بين اوج ازدهاره الثقافي ولحظات القنوط والاحباط الراهن. تلعب الاضاءة دورا بارزا لتمثيل الحال النفسي للشخصية فمن اشراقة الانوار الى حزن الازرق وتدريجات الذبول للرمادي احيانا، مع حركة مميزة للكاميرا ادارها مدير التصوير جون كونروي بلقطات متنوعة يدعمها مونتاج غزير أغلب وقت الفيلم.
مثّل توظيف المكان وتأثيثه في الكادر السينمائي ميزة اخرى تحسب للفيلم إضافة الى تصميم الازياء الجيد وخيارات الكاستنغ المميزة وبالطبع الاداءات التمثيلية الرفيعة. كان الخيار الزمني بموضعة الحكاية في اخر سنوات حياة وايلد فرصة الفيلم للنفاذ الى دواخله الروحية وخياره الكاثوليكي بمحاولة التخلص من عذاباته على كرسي الغفران والاعتراف، بموازاة معرفته ان لافرار من تدفقات مشاعره وانغماسه بلذتها الحسية والتي اخذته للنهاية المفجعة. مع الامكان اعتبارها رد فعل كبريائه تجاه الكنيسة الانغليكانية التي تمثل الملكة فيكتوريا رأسها- وهو مايفسر حمله لصورتها معه في الفيلم- والمجتمع الانكليزي اتباعها والقانون الذي يجرم المثلية بعد ان اظهروا ذلك العداء والامتهان لشخصيته وكرامته كفنان ومبدع وقبلها كانسان بسبب ميوله الجنسية، وقد مثّل مشهد نقله كسجين وانتظاره بمحطة القطارات لأخذ القطار التالي لحظة فاصلة انكسر فيها ايمانه وانطفأت جذوة روحه وسط شتائم واهانات الناس. هذه التضمينات الكثيرة التي تخللت مشاهد (الامير السعيد) ابتعدت به عن كلاسيكية السرد للسيرة الذاتية، لاسيما وأن هناك ثلاث تجارب سينمائية سابقة حاولت ان تُلقي الضوء على حياة أوسكار وايلد. ففي العام 1960 صدر فيلمان الاول بعنوان (اوسكار وايلد) للمخرج غريغوري راتوف والثاني (محاكمات اوسكار وايلد) اخراج كِن هيوز. حاول الفيلمان بتناول خطي توضيح مسارات الحياة المتقلبة صعودا وهبوطا لشخصية وايلد، لكن وفق مقاييس الفترة التي انتجا فيها كان هناك الكثير من الحذر في الاشارة الصريحة للمثلية الجنسية او اظهار طبيعة العلاقة على الشاشة بحرية، ولن يكون الامر غريبا اذا ما علمنا ان وايلد لم يُرد له الاعتبار الا في العام 2017. مع فيلم (وايلد) للمخرج برايان غيلبرت والصادر عام 1997 افسح السيناريو المجال لتصوير العديد من المشاهد الحميمية لوايلد مع عشاقه، دون ان يغفل تغطية السيرة من بزوغ نجمه حتى لحظاته الاخيرة فقيرا معدما ينتظر مساعدة الاصدقاء.
ربما كانت النهاية وبالخصوص مشهد الختام مصدر ضعف للفيلم حيث بدا اقل بكثير من مشاهد عديدة حملت معاني رمزية يلتقي فيها الادب بالوهج الروحي وتتقطر من بعضها ميلودراما موجعة وتنبض في اخرى عواطف كبيرة ورغبات متحفزة.
ينأى ايفريت بفيلمه عن اي جدل حين يؤكد ان ما يجري ضمن حكاية الفيلم خيال سينمائي فيذكر على لسان وايلد منذ البداية ان ما تراه حٌلم ثم يعود في اواخره للتذكير بذلك. (الحُلم) هنا انفتاح لافت على نمط الأدب المروي في حكايات وايلد الخرافية ومدلولاته الانسانية، تحليق عن كثب في رؤى اوسكار الفكرية وابتهاجاته الحياتية، حتى يتحول الى كابوس جعل حياته جحيما قطف روحه وتركها للذبول في قعر الحزن والالم برغم ظاهر الابتسامات.