أوسمة.. نياشين ودروع … يك هزار!

نجم والي

من يتذكر فيلم «الديكتاتور الكبير» للعظيم تشارلي شابلن، وهو يسخر من شخصية الديكتاتور الألماني، النمساوي الأصل، النازي أدولف هتلر؟ في ذلك الفيلم الذي أُنتج في هوليوود عام 1940 والحرب العالمية الثانية كانت ما تزال في أوجها، وكان هتلر ما يزال يصرخ بأعلى صوته متفاخراً بإنتصارته على كل الجبهات، يظهر الديكتاتور القبيح في الفيلم في أحد المشاهد المعبرة يوزع النياشين على ضباطه. ومن يتطلع بوجه تشارلي شابلن جيداً وهو يقلد هتلر في حركاته، سيفهم المشهد بالضبط، وسيعرف ما كان يدور في رأس الديكتاتور وهو يعلق النياشين والأوسمة: إنه يسخر من هؤلاء الذين يستلمونها منه، لأنه أولاً يعرف أن قيمة هذه النياشين صفر، وثانياً، أن من يحصلون عليها لم ولن يكونوا يوماً أبطالاً، إنهم كذابون ومتملقون، لأن الأبطال الحقيقيين، انتهوا إلى تحت التراب.
بالمقابل أيضاً من يتصفح وجوه الرجال المتوجين بالأوسمة والنياشين، من يتطلع لوقفتهم، وكيف أنهم في الوقت الذي بدوا فيه مبتهجين بالتكريم، كانوا في نفس الوقت خائفين، لا يعرفون إن كان المشهد سينتهي على خير، وأنهم سيغادرون الصالة، صالة الاحتفاء بهم، سالمين. من لا يعرف مزاج الديكتاتور؟ لاسيما وأن الأمر يتعلق بديكتاتور من عيار ثقيل، أدولف هتلر، مجنون، صاحب مزاج. (بعض الذين تسلموا الأوسمة منه، صفّاهم لاحقاً لهذا السبب أو ذاك. وإذا طبقنا ذلك على الحالة العراقية، فسيشخص أمامنا لا محالة مثال ذلك الأديب البعثي الذي كتب حدوتة (الأيام الطويلة) وهو يمجد الديكتاتور، في النهاية لم يسعفه التكريم، قُتل رفساً بالأحذية والأقدام، كما قيل!)
أظن أن الممثل الكويتي عبدالحسين عبدالرضا وضع هذا المشهد من فيلم تشابلن أمام عينيه، حينما صور مشهداً مماثلاً للديكتاتور العراقي في مسرحيته «سيف العرب» وهو يزين صدور ضباطه بالنياشين.
ليس في السينما، ولا على خشبة المسرح، بل في الحياة أيضاً، هو الأمر ذاته: الطرفان يكذبان. المُحتَفي والمُحتَفى به. واحد يعرف زيف الآخر، وهو تبادل الرياء هذا بين الإثنين، ما يجعلهما يبدوان صادقين في هذا المشهد الهزلي الذي يضحكون فيه على أنفسهم، قبل أن يضحكوا به على الجمهور.
هذا المشهد الذي يقترب من الفولكلور الرخيص هو أكثر شيوعاً في زمن الديكتاتوريات والحروب، وطالما هناك زيف وفساد، طالما هناك توزيع أوسمة ونياشين ودروع… وهو يتزايد في علاقة طردية مع تزايد التردي والتخلف في المجتمعات، عندما تغيب الدولة، عندما ينتفي القانون، حيث يصبح معيار الصعود الوظيفي والإجتماعي هو التزين بنياشين من خرق قماش، أو تسلم أوسمة ودروع من معدن رخيص، زائف، أو كما هي الموضة في دول الخليج والعراق، حيث توزع أوسمة ودروع مصنوعة من الخشب أو الزجاج.
المفارقة هو أن الزيف يشترك به حتى أولئك الذين لا يحتاجون أوسمة اصلاً. وما حصل مع صاحب النوبل المصري نجيب محفوظ هو خير مثال. قبل سنتين عام 2017 صرحت إحدى بنات صاحب أولاد حارتنا، بأن «قلادة النيل»، وهي أرفع وسام تمنحه الدولة المصرية للعظماء، التي حصل عليها ابوها عام 1988 وبعد حصوله على جائزة نوبل مباشرة، كانت مزيّفة، وكيف أن الكاتب الشهير عرف بالأمر بعد يوم واحد من تسلّمه الوسام ففضّل الصمت، البعض أرجع ذلك إلى ترفع محفوظ وزهده، مع العلم أن كاتباً بشهرة محفوظ ما كان عليه أن يسكت على الإهانة، وكان عليه وهو الأديب العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل للآداب، أن يفضح الأمر.
المثير للسخرية أن الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك هو الذي سلّم محفوظ الوسام بنفسه، ومن غير المعقول أنه لم يعلم بتزييف القلادة التي بدلاً من أن تكون من الذهب الخالص، بوزن قرابة 488 غراما ذهباً محلاة بأحجار من الياقوت والفيروز الأزرق، وقيمة الذهب تعادل، في الأسعار الحالية له، قرابة عشرين ألف دولار، كما أشيع، تبين أنها من «تنك» أو إذا استعرنا عنوان رواية لزميل لمحفوظ من عشيرة أصحاب النوبل، الألماني غونتر غراس، فالقلادة كانت من «طبل صفيح» فارغ لا غير.
وطبعاً أكثر إثارة للسخرية إذا عرفنا أن القلادة الزائفة هذه حصلت عليها أيضاً شخصيات مهمة، كالمطربة أم كلثوم، والجراح مجدي يعقوب، وعالم الكيمياء أحمد زويل.
الحصيلة، إذا كان أشخاص مشهورين شاركوا في حفل الزيف، فماذا نقول عن عمّالة «تواليتات» الأدب والثقافة في البلدان الناطقة بالعربية، أولئك الذين هم إبداعياً صفرٌ على الشمال وهم يستجدون كل «عَظْمَة» تُرمى لهم في الطريق؟ المصيبة أن هؤلاء يتكاثرون اليوم كتكاثر الأميبيات، لا سيما في العراق، كان الديكتاتور سفاح بغداد الأول مدمناً على تقليد الأوسمة والنياشين والدروع، والمصيبة اليوم هناك من يسعى بالسير على خطاه، وهم بالمئات، رؤوساء إتحادات وجمعيات ومنتديات ومؤسسات وجامعات، يريدون تقليده، ولا يعرفون أن ديكتاتورنا العراقي ماركة اصلية غير قابلة للتقليد.
ولا نحتاج إلا أن نتطلع بالأخبار يومياً، تلك التي تبثها وسائل الإعلام، وتلك التي تطل علينا برأسها وتحاصرنا يومياً على جدران وسائل التواصل الاجتماعي، في الفيسبوك والتويتر والأنستغرام، لنرى حجم الخراب الذي يحيط بنا، وكم وسام وشهادة تقدير ودرع حصل عليها فلان الفاشل وعلان اللص، كم فلانة زائفة وعلانة اللا شيء فرحون بما حصلوا عليه من تكريم فارغ وضحك على الذقون. كل شيء معروض بالصور يومياً، كما لو كنا في سوق مزاد رخيص.
وبالمقارنة يصبح مشهد فيلم الديكتاتور الكبير لتشارلي تشابلن أكثر ترفعاً من المشهد الرخيص الذي يدور بالعلن يومياً أمام أعيننا، لأن مشهد هؤلاء النكرات وهم يهجمون علينا ببضاعتهم الزائفة، يذكرنا بمشهد واحد وحسب: مشهد سوق داوون تاون في أربيل، حيث صوت واحد يعلو على باقي الأصوات، عياط الباعة وهم يعرضون بضاعتهم الرخيصة: بـيك هزار … بـألف دينار وحسب!
فهل هناك إذن عنوان أفضل يليق بهؤلاء من العنوان الذي اخترناه: أوسمة ونياشين ودروع… يك هزار!