أوفر بروفة

د. عقيل مهدي

تأليف : علي الشيباني ولؤي زهرة

إخراج : علي الشيباني

تقديم : فرقة السراج للمكفوفين منتدى المسرح

يرى المتفرج في بداية العرض كتلة من أنصاب مغطاة متحجرة كالحة اللون تومض من خلفها مصابيح باللون الأحمر، نرى مرشد العرض وهو يدور حولها ويصرخ «من أنتم ؟»
ثم ينتقل المشهد إلى رقعة شطرنج مرسومة على الأرض منبثة فيها أزاهير ضوئية، ليتم تنصيب ملك ووزير وفيل وحاجب، لتجري فيها مرافعات قضائية يستبين المتفرج من خلالها خلفيات ( ثلاث عشرة) شخصية يكون فيها المرشد هو المبصر بين المكفوفين.

لكل واحد منهم ذاكرته الشخصية الخاصة ومعاناته المأساوية وبصيرته الكاشفة لظواهر الأشياء وبواطنها، مادام يمتلك يداً تمسك العكاز، وساقين يدب بهما في دروب الحياة الملتوية.

البعد الآيدلوجي
هذه الجوقة من المكفوفين لم يوهن ارادتها الليل السرمدي، بل تراهم ينافحون من أجل وطنهم (العراق)، ويعشقون حتى ظلامه تيّمناً بقصيدة السياب: ( فالظلام هناك أجمل، فهو يحتضن العراق).
برغم قيامهم بتعرية القضاء غير العادل، وفضحهم لسقوط بعض الساسة في براثن الجريمة، والسرقة والمتاجرة الجائرة بأرواح البشر، بلا أدنى واعز من ضمير أو خلق.
تتلو الجوقة مقاطع ساخرة لتحكي لنا عن جبروت ملك فاسد، ووزير فاجر يدعو إلى التقوى بلسان ذلق، ليخفي عوراته الفضائحية، محتمياً بالطائفية أو العنصرية القاتلة لأبناء الشعب الواحد.
يطرح العرض أيضاً انموذجاً خاصا لممثل (صغير) كفيف يسرد علينا كيفية مقتل أبيه البائع من قبل أزلام السلطة بعد ان اتهموه زوراً بأنه شتم الرمز الأول للدولة، وكان الحدث هذا قد جرى والطفل كان جنيناً في بطن أمه التي حين أنجبته سردت له هذه الفاجعة ليبقى مع أمه يعيشان لوحدهما الهم والمزغبة والرعب اليومي مع رهط آخر من البشر الذين يستهدفون من قبل عصابات الجريمة المنظمة، ولا يفلت منهم حتى المثقف، وهي إشارة الى الأديب الشهيد (علاء مشذوب) الذي بقي ينازع للحظات معدودات، بإزهاق روحه النبيلة، أمام عتبة بيته، بعد أن اطلقت عليه رصاصات الموت في مهرجان الدم من قبل دهاقنة السياسة والإرهاب بسحنتهم الظلامية من خلف ستر وحجب مدفوعة الأجر الحرام.

الوضع الاجتماعي للمكفوفين
ثمة تنميط خاص بالنظرة إلى المكفوفين تتراوح مابين التعصب لهم أو عليهم بتشويه نجاحاتهم أحياناً، سواء على المستوى الحياتي أو النظري مما يستدعي العمل على تصحيح تلك المفاهيم النمطية الخاطئة ليستردوا حقوقهم وواجباتهم أسوة بأخوتهم المبصرين، اذ لا يجوز وصمهم أو تهميشهم، فلكل منهم هويته ومعتقداته الفكرية والوجدانية مثل غيره في تأكيد الذات والتعامل مع المجتمع بلا تصنيف استعلائي تعصبي وكأنهم يمثلون وضعية اجتماعية غريبة أقرب إلى ذلك العزل العرقي السلبي الذي يمنع بعض الفئات من إمكانية التعاون مع الآخرين.

المكفوف مسرحياً
صرّح «نيلز بوهر» قائلاً: « من الصعب أن يلعب المرء دوراً مزدوجاً فيكون ممثلاً لمنظر ما، متفرجاً عليه في الوقت نفسه»
انطلق المخرج د.علي من وضعية بديهية، كان قد كرسها الروماني الكاتب (تيرانس) حين أعلن انه (ما من شيء بشري، غريب على أي إنسان) لذلك بذل المخرج جهوداً مثمرة في تدريب كادره الفني من المكفوفين وهو يطور عمله من خلال البروفة ليخلق لهم سلوكاً متخيلاً لم يعهدوه من قبل وبات معلما يرشدهم إلى كيفية الاستدلال حسياً على خشبة المسرح بحركات موضعية وانتقالية على جغرافية العرض باتجاهات خطية محسوبة في عددها في الظهور والاختفاء، اذ حُدّد لكل خطوة رقماً يخص بها كل ممثل على حده وكذلك حركات المجموعة بأسلوب مقنن مدروس تفصيلياً، حيث أراد المخرج تشجيعهم على أداء الفعل الدرامي المتخيل فوق الخشبة خلافاً لما عهدوه في واقعهم الطبيعي، مستثمراً حاسة السمع والحركة لديهم للتكييف الايجابي في التعامل مع الجمهور على وفق خطة الاخراج في مسافات تشغل المكان والفراغ والفضاء لتكون بيئة العرض وهذا خلاف ما كانوا يفعلون في حياتهم العادية من حيث الحركة والوقوف والصعود والنزول والجلوس، ودرّبهم على التناغم مع الاضاءة والموسيقى والأغنية والحوارات والاكسسوارات بإيقاعات فنية منسجمة تبرز كيفية تقمصهم لأدوار مغايرة لشخصياتهم.
يبقى المسرح بمثابة رسول سلام يتفاوض فيه الفنان المسرحي مع المكفوفين لإزالة العقبات القائمة في وجه الفرد لأن بداية الشعور بالحرية كما يرى (جوته) تتحقق حين يعترف الشجاع بقيده، وهنا يعيش المكفوف اتصالاً حميمياً مع جمهور مبصر في المسرح، ويقوم على مسؤولية خياره بعدم الاستكانة للقضاء والقدر ومنخرطاً في مؤسسة ثقافية جديرة بالاحترام ومعبرة عن قدراته الثقافية التي لا تعزله في (كانتونات) مقفلة بعيدة عن الحياة.

ذاكرة المسرح
منذ أن دوّن «هوميروس» الكفيف، أساطيره الإغريقية التي استلهم منها كتاب المسرح آنذاك فكرة (عمى أوديب ) – وصولاً الى مسرحية (العميان) / ماترلنك في المسرح الحديث، اذ تحفل المجتمعات العالمية ومنها العربية بالكثير من المكفوفين النابغين في شتى الأنواع الأدبية والفنية والعلمية، فمنهم من يجيد الشعر وانشاده والنحت والغناء والمسرح الذي يذكرنا بالكاهن الأعمى «تريسياس» في مسرحية أوديب لسوفوكليس.
بل حتى على صعيد الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والتربية والصحة وسواها، قد انشغلوا في مناقشة قضية المكفوفين الرئيسة، اذ تصدى لها فلاسفة أعلام أمثال: ( لوك, لايبنتز, ديدرو) وهم يعالجون المشكلة الخاصة بكيفية التمييز ما بين (اللمس) و(البصر) بوصفهما يمثلان مركزين مختلفين، الأمر الذي يؤخذ في نظر الاعتبار عند تعليم المكفوفين طرائق تكيفهم مع الحياة والمهن ومن بينها العمل الفني والمسرحي، وفي هذا الصدد نتمنى ان تظهر (المرأة) الكفيفة مستقبلاً في تجارب مسرحية جادة مماثلة، لتحظى بجدارة مظهرية وثقافية أخلاقية، بإبداع نوعي في هذا الحقل المسرحي.

تقنيات العرض

يبرز البعد البصري (للميزانسين) بنظامه البنيوي في جمعه لنظم دلالية مختلفة، كما يصفها «بافيس» بأنها ( مواجهة ما بين العرض والنص في زمان ومكان معينين أمام الجمهور) الذي يستعيد بناءه مجدداً ويحل شفراته المتفرج حسب ماقام به المخرج وكادره عند صناعة أسلوب فني خاص.
اقترب العرض من بعض تقنيات المسرح (البريختي) وكذلك لامس أسلوب المحاكاة أو أسلوب الخيال الفني.
في بداية العرض، تظهر الجوقة في ملابس منشطرة الى لونين، أبيض وأسود، للرداء الواحد، وحين ينتهي العرض، تسقط المجموعة اللون الأبيض الذي يمثل الكفن، لكي تعلن انتصارها بفخر على العتمة، يسوقها فرح غامر، اذ يمجدون فيه المسرح بوصفه معلماً للشعب، وهم يحلون اللغز الذي كان المرشد يسألهم عنه لتأتي الاجابة عن أن (المسرح هو الذي رآى كل شيء).
كادر العرض تكون من عثمان, علي, كرار, عمار, وآخرين مبدعين،الاضاءة سعد، المؤثرات حيدر، الديكور أسيل، الأزياء أم زمزم.