أيلول

عبد الله سرمد

أيلولُ هذا العامِ يأتي باكراً،
ما زالَ آبٌ يحزِمُ الشمسَ العنيدةَ في الحقيبةِ،
فوقَها يضعُ الشواطئَ،
زرقةَ النجمِ البعيدِ،
ملابسَ البحرِ النديّةَ والفواكهْ،
هوَ غيرُ آبِهْ،
أيضاً يُلملمُ نومَنا فوقَ السُّطوحِ،
وذلكَ العرقَ المضيءَ على الجباهْ،
أيلولُ عُدْ، آبٌ يقولْ،
أيلولُ عُدْ،
إنَّ المدارسَ في حدادٍ،
في حدادٍ،
في حدادْ،
جثثُ الدفاترِ ما تزالُ طريّةً حيثُ المحابرُ من دماءْ،
في نشرةِ الأخبارِ يعتذرُ التحالُفُ وقْتَما ألقى القنابلَ بالخطأْ،
جفّتْ دماءُ الحبرِ فوقَ السطرْ يا مِمْحاةْ،
في شارعِ ( النجفيِّ ) قِرْطاسيّةُ (العسليِّ)،
أقلامٌ وأوراقٌ لتغليفِ الدفاترِ والكُتُبْ،
بعضُ المناقلِ والمساطرِ كي نقيسَ بها القبورْ،
أيلولُ عُدْ،
إنَّ المدارسَ في حدادٍ،
في حدادٍ،
في حدادْ،
أيلولُ يا أيلولُ يا أيلولْ،
يا رحلةَ الطيرِ التي ما تنتهي،
إلا ومنقارُ الفضاءِ يقوِّسُ القلقَ الشهيَّ،
وخُثرةَ الغيماتِ إذ يتكدَّسُ البرقُ المُسِنُّ بها وحمحمةُ الرعودِ،
كأنَّ نهراً من غبارٍ صبَّ في شجرِ السماءِ نَواتَهُ،
والريشُ أيضاً مسَّ جلدَ الوقتِ،
ثُمَّ لوهلةٍ ننسى الرياحَ وما عليها من صراخِ الشمسِ،
هل حرفٌ هنالكَ يجرحُ الأفقَ المُراوِغَ في تهاويلِ السؤالْ؟
أيلولُ يا أيلولُ يا أيلولْ،
غُصْنٌ يغرِّدُ فوقَ غصنٍ،
بلبلٌ قد صارَ ريحاً،
شُرفةٌ تَهوي فيُمسكُها الهواءُ،
وأصفرٌ تَخِذَ التَّعِلَّةَ رملةً في وجهِ من نسيَ الصباحَ،
أنا الشُّجَيرةُ خانني شكلي هنا فلْتُنكروهُ،
فربما ماءُ المرايا يستحي،
ماءُ المعادنِ مُرْتَقٍ خيلاً ويَنبوعاً،
وقفْتُ ولي ظِلالٌ من ثنايا الحبلِ،
أرشيفٌ يُكابدُ،
كانَ سهواً عيشُنا،
طفلٌ يُحمِلُقُ،
نبعةٌ خلفَ اكتهاناتِ الوجودِ،
قريبةً كانَتْ خُطايَ،
بعيدةً حدَّ الجَمالْ،
أيلولُ يا أيلولُ يا أيلولْ،
ماذا أقولْ؟
(لِلْأَنْكُدُنْيا) صوَّحَتْ وتساقطَتْ أوراقُها مثلَ الحمامةِ إذْ تُصادْ،
واحدودبَتْ فالريحُ تُثقِلُ ظهرَها تسعينَ عامْ،
كانَتْ تُظلِّلُنا وتحرُسُ بيتَنا،
فَزَّاعةً في وجهِ من دخلَ البيوتَ بلا سلامْ،
كانَتْ تهزُّ بجذعِها،
كي لا تُكلِّفَ قاطفاً مَدَّ اليدينْ،
تتنزَّلُ الثمراتُ منها مثلَ حبّاتِ المطرْ،
هيَ حُلْوَةٌ في ثَغْرِ ساقيها وجارٍ سابعٍ أو جائعِ،
هيَ علقمٌ وقفَتْ بحَلْقِ القاطعِ،
ما كنْتُ أنزِلُ بالدّرَجْ،
من غرفتي العُلْوِيَّةْ،
فالأَنْكُدُنْيا السامقةْ،
تُدني ليَ الأغصانَ،
تُنزِلُني رُوَيداً مثلَما فلمِ (الرسالةِ) حينَ تُنزِلُ ناقةٌ خيرَ الرُّسُلْ،
كم كنْتُ أسألُ والدي عنها إذا مَرِضَتْ،
يُطَمْئِنُني،
يقولُ: بُنَيَّ ما دُمْنا هنا هيَ لن تموتْ،
قبّلْتُ تربتَها قُبيلَ نزوحِنا،
والصوتُ عادْ: أنا لن أموتْ،
أنا لن أموتْ،
أنا لن أموتْ.

النجفيّ: شارعٌ ثقافيٌّ في المَوْصِلِ
العسليّ: مكتبةٌ في شارعِ النجفيِّ
الأَنْكُدُنْيا: شجرةٌ في بيتِنا
فلم الرسالة: المشهدُ الذي تَبْرُكُ فيهِ الناقةُ ليكونَ مكانُ بروكِها مسجدَ رسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ) في المدينةِ المنوّرةِ