إحتفاءً بالشعر اليمني الحديث 1-2

 

في صباحٍ قادم…

عيسى الصوفي

في صباح قادم
سوف تخرج الحرب
وتتحدث مباشرة للمخلوقات
تستعرض الحقائق بطريقة مختزلة
تقديري أنها ليست بحاجة للنبش
إيماء واحد كاف للإدانة ..
انتظروا
ليس هذا ما ستقوله الحرب
الكلام سيأتي بعد فاصل قصير
كم أنتِ لطيفة أيتها الحرب !!
حتى في ذروة الغضب
تمنحينا استحقاق السِّلم
وفاصل وخيارات أخرى

لست شريرة إذن
كما أنكِ لست بلا قلب
لا فرق بين الحب و الحرب
كلاهما واحد في تخصيب الحياة
فقط البشر بارعون في التضليل
ودكاكين الكراهية كثيرة
في هذا العالم
يا لخيبتهم ..
قراصنة حتى على الموت
لست وحدك ضحية يا سيدتي
هكذا سأعتذر للحرب أثناء الفاصل
و سأمضي وحيدًا كطريق سريع
دون أن انتظر.

مواجع

قيس عبد المغني

ادعُ مواجعك كلها إلى طاولة محايدة
ابتسم لها كأنها صديقتك الحميمة
اطلب لها عشاء «جيدا» وشرابا «خفيفا»
ثم أخبرها – وأنت تشعل لها سيجارا «فاخرا»-
أن ثمة امرأة أخرى
وأنك بصدد الانتقال للعيش معها
أو
كن شجاعا»
و أخبرها بالحقيقة..
أخبرها -وأنت تتأمل السقف الذي وضعته لآمالك-
بأن الحرب قد وصلت إلى حدود شقتك
وأن طائرات التحالف قد قصفت الطريق المؤدي إلى سريرك..
أن «شهيدا» يستخدم شفرة حلاقتك
أن ميليشيات مغموسة بالدم تحاصر مطبخك،
قل لها بأن البنك المركزي اليمني قد أفلس
و أن راتبك يرتعد من الخوف ومن الديون ومن المؤجر..
كن واقعيا
ومباشرا
أخبرها
-وأنت تمرر نحوها فاتورة الحساب –
أن عليها أن تدفع الثمن
ولو لمرة واحدة.

ما الخوف يا جان كوكتو؟

عبد الرحمن الزراف

ما الخوف يا جان كوكتو؟!
هذه الهوّة التي تُفتح في صدرك.. ولا قرار تحاولُ ردمها بالشِّعر..
فتزدادُ اتساعًا
تحاولُ تناسيها بالضّحك..
فيرجعُ منها الصّدى ضحكات شياطين معربدة
تحاول أن تراها بعيني الحبّ: إطلالةً أخّاذة
لكنّها تخلعُ القلب
تفرّ من الجميع؛ خشية أن يدفعك إليها أحدهم
لكنك تحملها داخل عزلتك/ داخلك
وتحدّق بها طوال الوقت!

يحدث أحيانًا

محمود مشرح

يحدث أحيانا
أن نهرب إلى اللاشيء
أن ننقل الزمن
إلى فوهة ثائر
أن يقطفك رجل غيري

ويحدث أحيانا
أن نعبر الحدود
وندفن الشتاء

يحدث أحيانا
أن نشعل الربيع
أن نجلد البعيد…..

في قلب مغارة

عماد البريهي

القريةُ التي وُلدتُ فيها لم تَكبُر
الحارسُ الذي نام تحتَ عانةِ الليل
تشققَت قدمُه
العصفورُ الذي تسللَ إلى صَدري لم يعلمني الغناء
أبي…
آخرُ رجلٍ تَعرفتُ عليه وهو يحملُ التاريخَ على كتفِه
أبي…
الذي وُلد من عُشبةٍ قَديمةٍ وهو يَتهجّى ملامحَ القبيلة
تعلمت منه «الوقوف كثيرًا أمامَ المرآة»
الجلوسَ تحتَ قفصِ الليل
النظرَ إلى الهاوية
القفزَ على رؤوسِ الفلاسفة
الآن صار بإمكاني
أن أتعدد بكلّ الجهاتِ
أن أتشكلَ بروحِ بوذيّ عاشَ في قلبِ مغارة.

جذر الهزيمة

منير عوض

لا أنا فكرةٌ لا خيالٌ ولا أيّ شيءٍ
ممّا يخطرُ في بالِ المغنّي حين يكتبُ يومياتِه؛
لن يتركَ مساحةً لإضافتي
أنا البياضُ المؤقت
لا أعتني بقطةِ الغيب
لا أرجو منها أنْ تدلَّني على شجرتي العائلية.
أنا سلسلةٌ من القهرِ اليوميِّ تمتدُّ إلى ما قبل هوّةِ المسمى:
سلالةٌ من الغرقى
سلالةٌ من المذبوحين
سلالةٌ من المشنوقين بخيطِ حرير.
لم أتنبَّهْ إلى قدري كمغذّي انفجارات
وباعثِ كوارث؛
إلا بعدَ أن تهشّمَ وجهي على كتبِ الفلاسفةِ والمنجمين!
لم أزاولْ مهنتي كصانعِ أمراض،
لم أُطلعْ أمي بموهبتي في أكلِ الزهورِ وتحطيمِ الأواني
أنا ساقُ البكاء، جَذرُ الهزيمة!!

*من نص طويل بعنوان «بين أشجار اللاشيء»

حزن

سيف الدين قطز المعافري

لست حزينًا يا «سوسن»
فقط،
ولدت
في
زمن
الحرب،
فكانت أمي ترضعني دموعها!

مقاطع
مها عبد الرحيم
(1)
تضيق هذه المدينة كل يوم
تضيق حتى بالمطر
بصراع البقاء
بانتزاع لقمة العيش من الأيام الشرسة
بزخم الشعارات المتضادة
وبأوجاع أهلها الخانقة
بالفقد اللامبرر
بالذكريات المزدحمة في شوارعها
برائحة الخوف والجشع
وحتى بأهلها وهم يخشون أن تموت فيهم
قبل أن يموتوا فيها.

(2)
في الحب
الكلمات تشبه الرصاص
واحدة خاطئة تسفك دم الروح
وأخرى في مكانها تحيي قلبًا سئم ذبوله
وحتى عبارة وداع شجاعة
تغدو رصاصات رحمة واجبة
أما الصمت فأشد وجعًا
لأنه يعرّي جسد الحب لسياط الظنون.

(3)
إنه حب… حب خالص
ذاك الذي ترتق كلمة منه
روحًا مزقتها المسافات.

افتحي لي باباً أدخلك منه

أحمد العرامي

كل هذا الليل لا يكفي لصناعة شرفةٍ أقع منها عليكِ.
افتحي لي باباً أدخلك منه،
مدي لي يداً
أقطعها حافيًا حتى آخر حلمةٍ في البال،
إنني وحيد
والكثير مني في الخارج ينتظرك،
إنني قليل،
والكثير منك يحتضر من غيري،
أيتها الليل
وآخره،
أيتها الصبح والشرفة التي لا أقع منها عليكِ،
إنني أحبك
..
وهكذا أنام كل ليلةٍ
مثل جيشٍ مهزوم.

من «يوميات الغائب»

رياض السامعي

تقول إنها حكَّتْ بجسدها صقيعي، فأَسَالَتْ على شفتيها لغتي، شكَرَت نضوج أصابعي مبكراً وأضافت:
حين تنمو على صدركَ أعشاب بكارتي، سأنزّ عطراً إلهياً يغترفكَ لي، وأعصركَ داخلي حنطةً وشعيرا، فإذا ما استخلصتكَ لأنوثتي، رجمتُكَ بنهدىّ حتى يغطيكَ العَرَقْ.

الأنثى.. هي أي شيءٍ يضع السماء على أرجوحة النسيان، ويهدهدها حتى تنام.

كلما مررت مبتسما من أمام نهديك
تطلقين موجة صراخ إلى ذاكرتي
فقط نبهيني مسبقا، كي لا أقترب.

مكان واحد يمكنه أن يرعى لقاءاتنا السرية
إنه قلبك.

فقط أزيلي العتمة التي حفرتها عينيك في قلبي حتى تتمكني من الوصول إليه.

الأنثى الوحيدة التي ضاجعتها سرًا في مراهقتي، كانت قصيدتي الأولى.

قلبي كدمعتك تمامًا
حارة جدًا ويملؤها الشجن.

تطلقين جمع غفير من الحنين تجاهي
وتريدين مني مقاومة اختفاءك

الأنثى ضرورة ملحة
لاستكمال الهدوء.

لعبة الأرقام، ساذجةٌ حد البلاهة، إنها تستهوي الفارغين، وتروق لكتبة التقارير السرية، كونوا أكثر جرأة في التعبير عن رفضكم.

يأس
عبد الواحد الزيدي

بحبال اليأس
أسحب أملًا منتهية صلاحيته
في دولابٍ خشبي ضخم
وحين أتعب….
أركله بقدميّ
أو أضربه بعصا حديدية
ثم أراقصه أخيرًا
لكي لا يسقط أحدنا
عند هذه الحافة!

مثيرون للشفقة

ابراهيم الفلاحي

أفتقر جدًا لمن يضمّني
لقبلةٍ دافئةٍ ملؤها شغف على فمي
جميعنا في واقعٍ مثل هذا
يفتقر ذلك
وإن بنسب متفاوتة
ما أحوجنا للحب لإغاضة الحرب
وتبديد ويلاتها
لتفويت الفرصة على ما تخلفه فينا
من البغضاء والكراهية
كم أصبحنا مثيرين للشفقة
نفتش في الدمار القاحل عن وردةٍ شاغرةٍ
تعيد فينا توصيف الحياة
وتطيل أمد الأمل المخنوق داخلنا
نبحث في الهلاك عن غيمةٍ شاردة
يراودنا الحلم من خلالها
بموعدٍ أنيق
ورقصةٍ زاهية تحت المطر
نأسفُ كثيرًا لما هو عليه حالنا
نأسف كثيرًا لما يحصل لنا
نأسف لما حل بنا من البشاعة
وإن هو نتاج طبيعي لوعينا الزائف
وعدم تعاطينا الإيجابي مع الحياة كقيمة
علّنا أدركنا الآن
ولو في وقت جدًا متأخر
احتياجنا الفعلي للحب
وخلق أكثر من فرصة
لإشاعته بين الناس
لم نعد بحاجة لمواعظ فضفاضة وفارغة
اشتغلت على خداعنا
لم نعد بحاجة لواعظين
بتلك الأصوات الغليظة
وهي تجيد تمجيد الحرب
والتأثير فيما بقي لدينا من الجثث المغلوبة على أمرها
لم نعد بحاجة إلى المزيد من الحيل
لجرّنا من أنوفنا لما هو أسوأ
نريد أن ننام فقط
لنحلم أننا لازلنا على قيد الحياة
وأن بإمكاننا استعادة
طفولتنا من بين أشداق المقابر.

مراشقة

اسماعيل البدوي

‏كم تبلغين من الحب؟
يوما أو بعض يوم….

كم تبلغين من العمر؟
ألف عام إلا شهر…

كم تبلغين من العطر؟
بستان زهر وألف قصيدة نثر….

بمخافة الذين مرّوا على الماء

إيمان السعيدي

بمخافة الذين مرّوا على الماء،
وغضّ عنهم بللَه..
أغرق الآن بعزلةٍ قمئة
أغرقُ فيّ،
ولا عصا لي ولا حزن يصرفُ سواده عني..
.
.
ها أنذا يا الله
إيمان ابنة زينب بمظهر حديث تماما كساحة معركة
كلما وضعت مرهما عليّ تأوه بشرٌ ما
أحملُ عمرا متقوسا
وأجثو على قلبي في الركن الدامي من هذه المقصلة
لا أعرف أي حلم يحين دوره؟!
أكره الخرائط يا الله
أكره ظهري
أكره هذه المجازات التعبة
وأحبك

ها أنا إيمان فقط
أقسم عليك أن تضرب جسد هذه الحرب لنمضي
في الوقت الذي يغضّ الموتُ طرفه عنا…

*من نص: «عريضة أطول من حرب»

رأس ثقيل
صدام كعبابي

رأسي ثقيلٌ
يدايَ لا تقويان على انتزاعهِ
قدمايَ لا تقويان على الركض بهِ
رأسي غارقٌ
وقلبي يلهثُ،
يرنو بخطواتٍ متعثرةٍ
ولا شيءَ سوى السرابِ.
رأسي ثقيلٌ
كلما حاولت أن أفرغَهُ
تشقّقت جدرانُهُ
وكلما عاودت ترميمَ ثقبٍ
تفتّقَ آخر….

حتى خروج آخر عصفورٍ مِن رأسي

طه العزعزي

لن أجرَحني إذاً
سأقولُ للقلبِ اكتمِل إلا امرأةً
وللعينِ إلا غمزةً
وللأُذُنِ إلا شَتِيمَة
وهكذا ستَذكُرُني أعضائي
إذا فاضَت كالبحرِ.
***
لَن أُسكِتَني الآنَ
سَأُحرِّضَنِي كي أرقُصَ
أرقُصَ جانباً باتِّجاهِ البحرِ
أو أرقصَ واقفاً على الخَرابِ
أرقصَ كما شِئتُ
عَمداً أو سَهواً
سَأُحُرِّضِني على الكفاحِ
الكفاحِ من أجلِنا جميعاً
يا أوغادَ العالمِ المجنونِ
أعِدُكم أنّي سأكافحُ حتى خروجِ آخِرِ عصفورٍ مِن رأسِي.

شجرةٌ لا أعرفها

جلال الأحمدي

شجرة لا أعرفها
تزورني كلما غلبتها عاطفة الشجر
تقف عند عتبتي
تحتك بكامل جسدها مع الباب
تقول أنا جدتك، افتح
فأفتح
أنا المقطوع من شجرة.
تترك جذورها خارجا، وتدخل
أقدم لها بعض الفستق والنبيذ
ثم نقعد أمام المدفأة
نتحدث عن العطش
و أشياء الأشجار
نتحدث دون أن نحرك فما
أو نسقط ورقة
عن طائر ما عابر أحببناه
وانتظرنا عودته
عن تكسر الأغصان بفعل الصقيع
أو الضجر
عن مرض في الساق
أو هشاشة في الداخل
عن فزعنا القديم من الحطاب نفسه

وعتبنا على الفأس.
لساعات مثل أرملتين
انتبهتا من سبات طويل للتو
نتنهد ونقشر الفستق ونبكي
إلى أن يغلبنا التعب
فاوصلها إلى الباب
شجرة سكرانة وبائسة
تستند بأغصانها الخشنة على كتفي
وهي تحتك بكل مافي طريقها من خشب
وتزفر
ثم مثل فتاة صغيرة
تتربع أمام الباب
أساعدها في ارتداء جذورها
لكنها لا تغادر
أقول لمن هذه الجذور المعقدة!
فتبتسم
لمن هذه الأغصان القوية!
فتبتسم
ثم أخلع الباب
وأقول لمن هذا؟
فتضحك حتى تظهر الأزهار
ثم تحمله معها
وتمضي في طريقها.

دائرة

بلال قايد

تصحو صباح الجمعة
والمدينة في موتٍ سريري
المآذن تكاثرت في عتمة الخديعة
دعايات تلهث خلفك كتسونامي، تقتحمك
الأناشيد، الزوامل تتقاسم خلاياك الصامتة
الأرواح المختبئة خلف إسمنت الجُبن
تغادر باحثةً عن ملاذ.
فلا تبالي بكل هذا الفراغ داخلك
وجثث الكلام الساقطة عليك.
تبحث عن قيمة أرز وبطاطس وطحين
وقليل من الموسيقى والاقتباسات
فلا تجد إلا الكثير من الهراء.
ودخان سيجارة يلوذ بالخلاص
يرحل عنك حتى ظِلك.

كنت وحدي

ضياف البراق

حينها كنت وحدي كإلهٍ من ورق،
هزّني الخوفُ فجأةً
حتى إنني فقدتُ الرغبة نحو كل شيء..
«أنا هنا يا إلهي» صرختُ بغير قصد،
ونسيتُ أشياءً كثيرة كنتُ أحاول تدوينها في قصيدة المستقبل. أي مستقبل أقصد؟

أشعلتُ نصفَ سيجارتي المتبقي من عمري،
أشعلتُهُ بحزني
سحبتُ نفَسًا عميقًا كمن يسحب جثته من داخله
حبستُهُ في جرح ما كان يتأرجح بداخلي
لم أسمح له بالخروج،

وهو أيضًا لم يسمح لي بالدخول إليَّ !
ثم رأيتُ الحربَ تقتربُ من ملامحي المعجونة باليأس والملل..
كانت تقترب بسرعة البرق، انظروا!
في هذه الأثناء لم أقرّر الهَرَب،
(«الحياة لمن يجرؤ» تعلمتُها من بوكوفسكي)
رحتُ أتجاهل نفسي المنهَكة دائمًا، وأتذكّر امرأة ما، ليست حبيبتي
امرأة من الفراغ
لكنها مدهشة كمكالمة فائتة
كان اسمها يرتجِف..
صوتُها يرتجف..
قلبها يترجف..
ووجهها يرتجف كأنه وجهي أنا!

فؤوس

فارس العليي

ماذا تفعل فأس في رأس الشجرة؟
***
تزوج الحطاب امرأة بلا خصر
عَبَرت فأسه محيط الجذع
ها هو بلا يدين
منذ محت الفأس فكرة الاحتضان
***
الحياة باردة بشدة
شعر الحطاب بذلك طوال الوقت
الى أن ترمّد آخر جذع
تحب الفؤوس المرأة الواقفة
هذا ما يفسر تصحر الغابة
***
أصوات الأسرّة الخشبية
رعشة نستها الفأس لحظة المضاجعة الأولى.
***

الفأس، تُدفئ برد العالم.
***
عندما تذكّر الثلج صوت الفأس
انقطع ضحكه الأبيض.
***
تحب المرأة صوت الفأس
يحب الرجل ظل الشجرة
لذا: لا يحد ضجيج المرأة سوى سقف الرجل.
***
الفأس المفلولة..
نصف رجل هجرته حبيبته
منذ سنين
لم يضاجع بعدها امرأة.
***
حتى قبل الحطّاب..
الفأس أول من قَبّلت خصرًا
والسرير آخر من ارتعش.

رغبة…

أيمن بن عميران

حتى هذة اللحظة…………
تدفعني رغبة شديدة في الانتحار بالسم القابع في عينيكِ
أو الموت غرقًا في محيط ثغركِ.

كل هذا أنت..

أحمد النجار

كل هذا أنت…
مقعد وحيد في حديقة.. ينتظر شخصًا لا يصل
قنينة فارغة.. يسكنها رجل مشرد فقد ذاكرته منذ زمن..
وردة ملقاة في الطريق.. تحملها قافلة نمل إلى نعشها الأخير..

رئة نخرها الحب والنيكوتين
قلب مثقوب لا يزال ينزف وجوهاً وطعنات وأشياء حبيبة
مطر خفيف يبلل أعماقك دون أن يمسس ثيابك بآهة واحدة
نبضة عمرها 14 عامًا ملفوفة داخل منديل
نظرة حمراء تحتفظ بها كأنها سيرة ذاتية للقهر

كل هذا أنت..
أشياء صغيرة جدًا لا تزال تستيقظ بداخلك
كلمة «صباح الخير» تعادل كل أغنيات فيروز

تلويحة يد تغازل نعاسك من انعكاس النجفة
حمامة بيضاء تفاجئك كل ليلة برسالة مربوطة إلى ساقها

لفافة غرام مهربة من عصر البريد العاطفي قبل اكتشاف ثورة الوتساب.
غصة مهملة على الرف

وجه يشتم العالم من نافذة الكوكب التاسع
خيبات تعيش بأمان تحت جلدك
وخسارات تستيقظ مجدداً داخل عظامك..

عناكب تتجول بحرية فوق جدران خاطرك
دمعة مترسبة في فنجانك
عطر قديم.. يطلق النار في قلبك
كل هذا أنت… كل هذا حزنك وأكثر..!

مأخوذة بالسراب

منى المصباحي

الساعة الآن
منتصف البكاء
إلا دمعة..
ها أنا أتكوم حول نفسي
كالرقم صفر بحيادية مطلقة
تتوسطني هاوية سحيقة
تجرني إلىٰ ما بعد التيه..
أستند علىٰ ذاكرتي الممزقة
ومزلاج باب القلب مواربٌ نحو السماء..
أنا العالقة
خارج حدود الوقت
وخارج تفاصيل الحكاية
كم من الزمن مر بي؟
أنا التائهة
في طرقات مأخوذة بالسراب
أبحث عني في أوراق بهت لون الحبر فيها،
أبحث عني في ظل يسند حلمه علىٰ جدران المدن التعِسة،
أو في قبلة تعيد غرسي
قصيدة..

* من نص طويل

أشياء حادة مثل غيابكِ..

ماجد عاطف

تحاصرني
الأشياء السيئة والمخيفة
التي تأتي عن طريقكِ
قائمة قتلاكِ
السكاكين والبندقية
وأشياء حادة مثل غيابكِ
متصفحكِ الإلكتروني
الذي به كثير من الرجال
المشغولين بالتودد اليكِ
خوفكِ من أن تموتين
بقذيفة حوثي
أو غارة خاطئة للتحالف العربي
لم أتقن حتى الآن
الإمساك بالغصن الآخر كالقردةِ
لأقفز إليه قبل أن أفلت
من الغصن الحالي
اعتدت الإمساك بكِ
حاولتُ القفز نحو امرأة أخرى
قبل أن تذهبين
وتقولين وداعًا
فقط هكذا دون أن تحشيها بكلمة أحبكَ
كي لا تقتلين بها أحدًا
تتركينها لي
أدسها في جيبي
أمنحها للجيش وللعدو
للأطفال مبتوري الأطراف
وأراَمل الحرب
والجنود عديمي الجدوى
ممن فقدوا أعضاءهم في الحرب
قلتِ وداعًا فقط
مخلفة وراءكِ
الكثير من الضحايا
من الرجال الذين يتوددون
إليكِ وأنا واحد منهم….

سيئةٌ للغاية…

لمياء علي الشرعبي

أجل سيئة للغاية!
لقد نفضتُ كل شرارة غاضبة
في أطراف الوداع الأخير
بكلِ شفافية أخبرك أنني أجيد
الرحيل،
لكني لا أجيد النسيان!

سأغادرك بكفن الحُب الأبيض
إلى مقابر صمتي،
فالحياة معك موت لا يستحق
الكلام،
اِحترم موتي!
وادفن أشلائي المتبقية معك:
عينيّ،
حاجبيّ،
جسدي،
شعري،
وفمي الذي لطالما أقسمتَ
بأنه فُستق مقشر،
والقصائد الغاضبة الّتي
كتبتها لك!
…………….
بلِّغ اِعتذاري
للحقولِ التَّي وعدتُها
بجلسةٍ جميلة برفقتك،
وللصباح الذي أخبرته أنني
سألازمه حين أكون بجانبك!

* من نص طويل

رسالة من البرزخ..

إيمان خالد

مرحبًا.. اسمي إيمان
ميتة منذ ثلاثةِ أشهر
برصاصةٍ طائشةٍ
في الساعة الخامسة والنصف
مساءً،
وأنا عائدة من منزل جدتي
كنت أحملُ في حقيبتي
بعض الشوكولا
لأولاد أختي الصغار
لكنها للأسف لم تصل إليهم.

شرفة

كوثر الذبحاني

مع هدئة الليل
وإطراقة شجر النخيل
أتنفس البحر
وأكتب الشجن المقفى
أبذر قصائدي في كفيك
فتنجب وردًا
وأزاهير غياب.

جنون

زكريا الغندري

بشراهةٍ مُغرية
أقبِّلُها وأعصر شفتيها
خمرًا..
أمضغهما (كقطعةِ سُكّر انفطرت
كبقيةِ الشبهات)
أتركها مبللة باللوعة
وأنا الصريع حد التخمة
لا أملك مثقال ذرة
من خجل
بين تيه اللحظة الغارقة بالجنون…..

نفاد

عبد الواحد عمران

الحياة كعادتها راكدة
وأنا مثلها
قيد أنملة لا أفكر
أوسع من جسدي لا أرى
كاهلي لا أطيق
قدماي أقل من المشي
والموت ينتظر الخطوة الأخيرة
أول الوقت نافذتي
وأنا واقف أول الوقت
والساعة الآن ثانية نفدت قبل
أن أمسك بي.

عمود إنارة في شارع مهجور

أسامة المخلافي

ليلة باردة،
وطقس حزين يشبهني،
وحدة بائسة،
وقلب مرتجف،
أنين خافت،
شتات فكر،
وضياع كلمات،
هروب أحرف،
نبض مرتبك
ولحظات عابرة بوتين القلب
تشبهني.. مفاوضات الأحزاب المتنازعة على كرسي النفاق من أجل إحلال السلام
عمود الإنارة في شارع مهجور
يشبهني أيضا……

* من نص طويل

عناق
مبارك الباشا

العناق..
كي نُشفى من الحنين..
كي نعود إلينا من جديد..
كي نضع حدًا للانهيارات التي تجتاحنا دونما هوادة..
كي لا نغرق أكثر..

العناق..
لهفة الروح..
ملاذ الجسد..
شغف النفس للسرمدية..

العناق..
شوقٌ إضافي للشوق ذاته، وجديرة بالحب هي أنثى تجيده..

خدعة
سليم المسجد

خدعتني الفطرة..
فرأيت النعجة غيمة،
والعوسج زنابق،
واللاإنسان إنسان
في لحظةٍ بُترتْ عقاربها الطفولية،
فصرت خارج نطاق دوران التمويه العالمي