إيغون شيله موت وفتاة أم رجل ونساء؟

علي الياسري

برغم أن إيغون شيله لم يكن مقتنعاً بظهور فن حديث بمعناه الراديكالي، وأن ما يوجد هو فنانون حداثويون، لكن ذلك لم يكن ليكبح جماح ثوريته التشكيلية والتي دفعته للانقطاع عن أكاديمية الفنون النمساوية فما كان منها الا فصله. رؤاه الفنية وأعمال أستاذه «غوستاف كليمت» كانت قواعد مؤسسة للتعبيرية بمنظور جديد منحته لوحات ورسومات شيله حرية مطلقة في التكوين الرؤيوي للجسد المشوّه، والمُنعكس كشكل فني ذاتي يمثل القلق والهاجس النفسي والفكري للإنسان بتلك الحركات التشريحية الملتوية والممدودة بدوران هش، حيث أصبحت تمثل ظاهرة تستخرج من ندوب الاحاسيس الداكنة والالام القاتمة الجوانية مفهوما جماليا بدلالات القبح يسير بعيداً عن كلاسيكية النظرة المثالية للجسد في الفن التشكيلي. ارتبطت هذه الريادة بتلك القوة الصادمة للعُري التي مارسها شيله على تكوين الجسد ضمن فضاء اللوحة من حيث التموضع الغريب او الحركات غير المألوفة، برغم انه لطالما ردد ان ايروتيكية رسوماته لاتعني ابداً الابتذال بقدر ما هي أنعكاس فني يمثل أفكاره ومشاعره. كان عمر شيله على قصره منعطفا مهماً بتاريخ الفن بزمن شهدت فيه نواح عديدة من الحياة تحولات كبرى بين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ولأن السينما تبتهج بالمحتوى السردي للأشخاص الذين مثلوا علامات فارقة في السجل الحضاري للبشرية وذلك لغنى ابعادها الدرامية واتساع مدياتها الإبداعية، أخذ المخرج ديتر بيرنر على عاتقه صناعة فيلم عن إيغون شيله الرسام النمساوي الذي لازال يتردد صدى عمله في أروقة الفن الحديث برغم مرور قرن على وفاته. فأختار رواية الكاتبة هيلده بيرغر (موت وفتاة: إيغون شيله والنساء) مادة لسيناريو اتضح من مجرى الأحداث فيه ان المخرج ظل أمينا على محتوى الرواية في الاحاطة ببيئة عيش الفنان وعلاقاته مع النساء التي دارت في فلكه أكثر من الانغماس في تصوير البعد الإبداعي لمنتجه وفك أسرار ذلك الاسلوب الرائد وخلفياته المسببة. ادارة النص السينمائي باتجاه يهمش عبقرية شيله التعبيرية بصريا لحساب الفعل الحياتي يضع الفيلم بمأزق لأن حياة إيغون القصيرة لم تسمح بالكثير من التطورات الدرامية خصوصا وأنه كان منشغلاً بشكل كبير في انجاز العديد من الأعمال بلغت عند وفاته بعمر 28 سنة 300 لوحة زيتية ومايربو على 2000 رسمة تخطيط وألوان مائية. يستغرق الفيلم معظم زمنه في تتبع نمط علاقاته النسائية فيمر بعجالة وبشكل هامشي على الحذر الطاغي لموقفه من أمه دون الايغال في حيثيات ذلك ولا نوع التأثير الذي ألقته ظلالها على رسوماته. فيما يبرز ارتباطه الوثيق مع أخته غيرتي بحميمية أكبر حيث أنها كانت أول موديلاته التي تعرت ليرسمها، تلك العلاقة صدعها ظهور شخصية موديله الثانية موا بتحررها المطلق وعنفوان سلوكها، كما ان اعتراضه على زواجها من صديقه المقرب الفنان «أنطون بيشكا» مثل نقطة تباعد أخرى بينهما. وكان تعرفه على فالي والتي هي الأنثى الأكثر أهمية بحياة إيغون شيله تأثير تجلى بشكل العاطفة الكبيرة بينهما وصورة الموديل لشخصيته الفنية، فمعها انبثقت لوحة (رجل وفتاة) حتى تلك اللحظة حين شطب كلمة رجل وكتب مكانها موت بعد ان وصله خبر وفاتها، لأنه اعتبر تخليه عنها وزواجه بأيديت بمثابة قتل لها عندما اختارت ان تعمل كممرضة بجبهات القتال في الحرب العالمية الأولى. واذا ما أصبحت المرأة الأخيرة التي ارتبط بها رسميا مرحلة جديدة في حياته أنسحب اثرها على فنه، فأن فالي كانت تمثل التوهج التعبيري الذي تميز به منتج شيله التشكيلي مع كل تلك الذاتية والرحلات الى داخل النفس المتجلية بالاجساد الضامرة والطبيعة التكوينية المتمثلة امتدادات متشجنة للاعضاء كأظهار للقلق والروح المتشظية. وقد اخذت الشخصية المساحة الدرامية الكافية وهو ما اتاح للممثلة فاليري باخنر الانغماس في روح فالي واظهار الكثير من جوانب مشاعرها وردود أفعالها، فيما بدا الممثل نوا سافيدرا بأداء نمطي تكرسه الانطباعات الخارجية ولم يتفاعل لحد التلبُس بشخص إيغون، وعانت بقية الشخصيات من تقييد حضورها على طول خط السرد. كان السيناريو الذي وضعه المخرج بمصاحبة كاتبة الرواية والمتسلسل زمنيا وفق تواريخ تظهر على الشاشة لواقع عيش الفنان ودائرة النساء المتعاقبات في حياته تنزوي فيه الى الهامش توضيحات مقتضبة بصريا وبعضها مبتور لايغني تكامل المشهد عن الاثر الذي تركته كل واحدة منهن على لوحاته ورسوماته، ليبدو ظهور تلك الاعمال بمشاهد الفيلم غير ذي معنى مفيد لطبيعة السرد. هذه الضبابية التي تكتنف فيلم المخرج بيرنر سيجدها المتلقي متكررة في العديد من الأحداث الأخرى، فهو مثلا لن يعلم لماذا ترك إيغون اكاديمية الفنون؟ ولا يلامس بجلاء غزارة انتاجه الفني، وكيفية نشوء الأسباب الموّلدة للعديد من لوحاته البارزة والشهيرة. وحتى الظروف والنشأة التي أثرت كثيراً في شخصية شيله وظهرت في فنه كانت تتمثل بلقطات خاطفة لاترابط فيها مع بقية السرد وغير مشبعة بالتفاصيل، كافتتاح الفيلم بتلك اللقطات التي تصور نوبة من نوبات الجنون لوالده بسبب المرحلة المتأخرة لمرض الزهري العصبي حين يحرق نقوداً وسندات مالية وسط صراع مع والدته الساعية لمنعه. يمنح المخرج المرآة دورا بصريا مهما في عديد المشاهد عندما ينقلها من غرفة أمه الى مرسمه الخاص دون ان يتعمق في توضيح تأثيرها وماهية ظهورها المتكرر، فالمشاهد غير المتمعن في رسومات شيله لن يدرك المغزى في تعبيرها عن الذاتية البارزة كثيمة لعديد لوحاته. من الممكن اعتبار مشاهد المحاكمة بسبب اتهام شيله بالاعتداء على قاصر ومخالفة القانون برسم من هن دون السن المسموح ابرز نقاط قوة الفيلم حيث ظهرت كسلسلة بصرية محكمة بمونتاجها المتزن والاغناء والملامسة لمشاعر الفنان ورفيقته فالي. فكان ختامها بلقطات تقوم فيها المحكمة باحراق لوحة شيله امام عينه بعد مصادرة المئات من رسوماته كتعبير واضح عن معاناته الكبيرة مع محيط لايقدر على فهم واستيعاب أفكاره الحداثية بالفن. غلب اللون الرمادي الداكن على صورة الفيلم والذي كان يزداد كلما اقترب شيله من لحظة موته. بالمحصلة لم يرتق عمل المخرج ديتر بيرنر لأكثر من نظرة سطحية على بيئة شيله الحياتية بمقاربة ضعيفة لتأثير إيغون الممتد في الفن المعاصر، وهي خيبة تعادل تلك التي خلفتها الانفلونزا الاسبانية حين خطفت روح الفنان وتركت ناصية الإبداع خاوية لايتردد فيها غير صدى ماتركه من لوحات تٌطل منها نظرته المٌعذبّة الهشة.