ابن خلدون المقدمة التي لم تكتمل

شاكر لعيبي

يقدّم ابن خلدون في «المقدمة» حصيلة لما توصّل إليه أو إلى بعضه مفكّرو الإسلام في السياسة والاجتماع والأدب، وبعض نقاد الشعر، لكنه يقدّم هذه الحصيلة بطريقة محكمة وواضحة وشديدة الخصوصية، بحيث إنك لا تجد تقريباً فكرة في المقدمة إلا وسبق التلويح بها منذ القرن التاسع والعاشر الميلاديين بابتسار وعجالة، وليس على شاكلة إحكام وتأمّل المفكر المغاربيّ. هذه الحصيلة هي جوهر عمله المشهود له.

في الفصل الثالث والخمسين المعنون «في انقسام الكلام إلى فني النظم والنثر»، يعالج ابن خلدون إشكاليات الشعر التي تخصنا ولا يعرض ألبتة للتبسيطات التي يعتاد المرء عليها في كتب التراث العربي، فالشعر ليس فقط أو قط هو الكلام الموزون المقفى، إنما «الشعر هو الكلام البليغ المبنيّ على الاستعارة والأوصاف»، وفي الغالب أننا لا نجد مثيلا أو قلما نجد من يمنح الأسبقية للاستعارة والأوصاف قبل غيرها من العناصر الشكلية المعروفة. النقطة الأخرى لديه بشأن الفن الشعري هي في طبيعة منهجية: يلزم منذ البدء امتلاك خلفية شعرية، تقوم على معرفة الأنماط الشعرية السابقة. أو على حد تعبيره معرفة قوالبه عبر السماع وإتقانها. إنَّ استخدام مفردة «قالب» قي نص ابن خلدون يراد منه التأكيد على اتقان الصيغ النمطية أولاً قبل الإبداع الشعري، عارفاً أن الشعر لا يخضع للقوالب، خاصة عندما ينهمك بشغل بلاغي يقوم على الجائز والقياسيّ.
منذ البداية يتوقف أمام خصوصية النص القرآني الذي ليس من الشعر ولا النثر «أما القرآن وإن كان من المنثور إلا أنه خارج عن الوصفين وليس يسمّى مرسلاً مطلقاً ولا مسجَّعاً‏‏ بل تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها‏ ثم يعاد الكلام في الآية الأخرى بعدها ويثنى من غير التزام حرف يكون «سجعاً ولا قافية».
من جهة أخرى ينبّه على أن استخدام «تقنيات» الشعر المألوفة قد دخلت لاحقاً إلى النثر، متحفّظاً على ذلك: «وقد استعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه في المنثور من كثرة الأسجاع والتزام التقفية وتقديم النسيب بين يدي الأغراض‏‏ وصار هذا المنثور إذا تأملته من باب الشعر وفنه ولم يفترقا إلا في الوزن‏.‏ […]‏ وهذا الفن المنثور المقفى أدخل المتأخرون فيه أساليب الشعر فوجب أن تنزّه المخاطبات السلطانية عنه إذ أساليب الشعر تباح فيها اللوذعية وخلط الجد بالهزل والإطناب في الأوصاف وضرب الأمثال وكثرة التشبيهات والاستعارات حيث لا تدعو لذلك كله ضرورة في الخطاب والتزام».
ينبّه كذلك بوضوح على وحدة البيت الشعري العربي: «وينفرد كلّ بيت منه بإفادته في تراكيبه حتى كأنه كلام وحده مستقل عما قبله وما بعده»‏.‏
ابن خلدون هو عبد الرحمن بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرميّ الإشبيليّ (1332 – 1406م)، ولد في تونس وتخرّج في جامعة الزيتونة، وليَ الكتابة والوساطة في بلاد المغرب والأندلس. رحل إلى مدينة بسكرة حيث تزوّج هناك، ثم توجه عام 1356م إلى فاس حيث ضمّه أبو عنان المريني إلى مجلسه العلمي واستعمله ليتولى الكتابة مؤرخاً لعهده وأحداثه، ومن هناك رحل عام 1363 م إلى غرناطة ومن ثمّ إلى إشبيلية ليعود بعد ذلك لبلاد المغرب، فوصل إلى قلعة ابن سلامة (مدينة تيارت الجزائرية حالياً) فأقام بها أربعة أعوام و شرع في تأليف كتاب العبر وأكمل كتابته بتونس ثم رفع نسخة من كتابه لسلطان تونس، ملحقا أيّاها بطلب الرحيل إلى أرض الحجاز لأداء فريضة الحج، ووجد ابن خلدون سفينة تستعد للعودة إلى الإسكندرية فركبها وتوجّه إلى القاهرة حيث قضى بقية حياته، إذ تولى هناك القضاء المالكي بمصر بوصفه فقيهاً وسليل المدرسة الزيتونية. وكان في طفولته قد درس بمسجد القبة الموجود قرب منزله سالف الذكر المسمّى «سيد القبة». لكنه استقال من القضاء وانقطع إلى التدريس والتصنيف. تُوفِّي عام 1406م – وها نحن في القرن15 الميلاديّ _ عن عمر بلغ ستة وسبعين عاماً ودُفِنَ قرب باب النصر بشمال القاهرة.
كان ابن خلدون ينظم الشعر وله العديد من القصائد التي لم يجمعها في ديوان، فقد كان ينظر إلى شعره بعين قليلة الرّضا، وقد أشار في العديد من فصول «المقدّمة» و«التعريف» إلى تعسّر الشّعر عليه، وكتب إلى لسان الدين بن الخطيب: «أجد استصعاباً عليَّ في نظم الشّعر متى رمتُهُ مع بصري به وحفظي للجيّد من الكلام». وكان يردّدُ أن الشّعر من بين فنون الكلام «صعب المأخذ… ولهذا كان محّكاً للقرائح في استجادة أساليبه وشحذ الأفكار في تنزيل الكلام في قوالبه».
يرى البعض أن ابن خلدون قد حلّل العبارات المؤلفة لتعريفه للشعر تحليلاَ يستند إلى المقولات الأرسطية وما تفرّع عنها من شروح فلاسفة الشعر العرب، وأنه لم «يتحدث عن بلاغة الشعر إلّا وبإزائها بلاغة النثر فكان اهتمامه بالشعرية مُقدّماً على اهتمامه بالشعر وعلّة هذا التقديم أنّه يرى في الشعرية النواميس الدافعة لأجناس الشعر المطوّرة له عبر التاريخ الثقافيّ وبمقتضى تطوّر الشخصية الثقافية».

مؤلف الكلام هو كالبنّاء أو النسّاج والصورة الذهنية المنطبقة كالقالب الذي يبني فيه أو المنوال الذي ينسج عليه‏،‏ فإن خرج عن القالب في بنائه أو على المنوال في نسجه كان فاسداً‏.‏ ولا تقولن إن حرفة قوانين البلاغة كافية في ذلك لأنا نقول‏:‏ قوانين البلاغة إنما هي قواعد علمية قياسية تفيد جواز استعمال التراكيب على هيأتها الخاصة بالقياس‏.‏ وهو قياس علمي صحيح مطّرد كما هو قياس القوانين الإعرابية‏.‏ وهذه الأساليب التي نحن نقررها ليست من القياس في شيء إنما هي هيئة ترسخ في النفس من تتبع التراكيب في شعر العرب جريانها على اللسان حتى تستحكم صورتها فيستفيد بها العمل على مثالها والاحتذاء في كل تركيب من الشعر كما قدمنا ذلك في الكلام بإطلاق‏.‏
******

الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف المفصّل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة به‏،‏ فقولنا الكلام البليغ جنس.
**********

وقولنا المبني على الاستعارة والأوصاف فصل له عما يخلو من هذه فإنه في الغالب ليس بشعر وقولنا المفصل بأجزاء متفقة الوزن والروي فصل له عن الكلام المنثور الذي ليس بشعر عند الكل.
**********

وقولنا مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده بيان للحقيقة لأن الشعر لا تكون أبياته إلا كذلك ولم يفصل به شيء‏‏ وقولنا الجاري على الأساليب المخصوصة به فصل له عما لم يجرمنه على أساليب الشعر المعروفة فإنه حينئذ لا يكون شعراً إنما هو كلام منظوم لأن الشعر له أساليب تخصه لا تكون للمنثور‏.‏ وكذا أساليب المنثور لا تكون للشعر فما كان من الكلام منظوماً وليس على تلك الأساليب فلا يسمّى شعراً‏.‏ وبهذا الاعتبار كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الأدبية يرون أن نظم المتنبي والمعري ليس هو من الشعر في شيء لأنهما لم يجربا أساليب العرب فيه.
**********

«قول العروضيين في حدّه [الشعر] إنه الكلام الموزون المقفّى ليس بحدّ لهذا الشعر الذي نحن بصدده، ولا رسم له ، وصناعتهم إنّما تنظر في الشعر من حيث اتفاق أبياته في عديد المتحرّكات والسواكن على التوالي، فلا بدّ من تعريف يعطينا حقيقته من حيث الحـــــــيثيّة».
**********

[لعمل الشعر وإحكام صناعته شروط منها]
لا بد [للشاعر] من الخلوة واستجادة المكان المنظور فيه من المياه والأزهار وكذا من مسموع لاستنارة القريحة باستجماعها وتنشيطها بملاذ السرور ثم مع هذا كلّه فشرطه أن يكون على جمام ونشاط فذلك أجمع له وأنشط للقريحة أن تأتي بمثل ذلك منوال الذي في حفظه‏.
**********

الإنسان مفتون بشعره إذ هو نبات فكره واختراع قريحته ولا يستعمل فيه من الكلام إلا الأفصح من التراكيب‏.‏
**********

كثرة المعاني في البيت الواحد فيه نوع تعقيد على الفهم‏‏ وإنما المختار منه ما كانت ألفاظه طبقاً على معانيه أو أوفى منها‏.‏ فإن كانت المعاني كثيرة كان حشواً واشتغل الذهن بالغوص عليها فمنع الذوق عن استيفاء مدركه من البلاغة‏‏ ولا يكون الشعر سهلاً إلا إذا كانت معانيه تسابق ألفاظه إلى الذهن‏.
**********

‏ ليجتنب الشاعر أيضاً الحوشي من الألفاظ والمقعّر وكذلك السوقي المبتذل بالتداول بالاستعمال فإنه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة‏‏ وكذلك المعاني المبتذلة بالشهرة فإن الكلام ينزل بها عن البلاغة أيضاً فيصير مبتذلاً ويقرب من عدم الإفادة كقولهم‏:‏ النار حارة والسماء فوقنا‏.‏
**********

اعلم أن صناعة الكلام نظماً ونثراً إنما هي في الألفاظ لا في المعاني، وإنما المعاني تبع لها وهي أصل‏، فالصانع الذي يحاول ملكة الكلام في النظم والنثر إنما يحاولها في الألفاظ بحفظ أمثالها من كلام العرب.
**********

تأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة كما قلناه وهو بمثابة القوالب للمعاني‏.‏ فكما أن الأواني التي يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف والماء واحد في نفسه‏ وتختلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء‏.
**********

كان الفقهاء وأهل العلوم كلهم قاصرين في البلاغة وما ذلك إلا ما يسبق إلى محفوظهم ويمتلئ به من القوانين العلمية والعبارات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة والنازلة عن الطبقة لأن العبارات عن القوانين والعلوم لا حظ لها في البلاغة فإذا سبق ذلك المحفوظ إلى الفكر وكثر وتلونت به النفس جاءت الملكة الناشئة عنه في غاية القصور وانحرفت عباراته عن أساليب العرب في كلامهم‏ وهكذا نجد شعر الفقهاء والنحاة والمتكلمين والنظّار وغيرهم ممن لم يمتلئ من حفظ النقي الحر من كلام العرب‏.‏
**********

إعلم أن الكلام الذي هو العبارة والخطاب إنما سره وروحه في إفادة المعنى‏‏ وأما إذا كان مهملاً فهو كالموات الذي لا عبرة به‏.‏ وكمال الإفادة هو البلاغة على ما عرفت من حدها عند أهل البيان لأنهم يقولون هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال ومعرفة الشروط والأحكام التي بها تطابق التراكيب اللفظية مقتضى الحال هو فن البلاغة‏.