اتيلا آخر العشاق

رواية

شوان الداودي

لست أديباً ولكنني قارئ للأدب وأعتبر نفسي قريباً لعالم الأدب، وربما يعود هذا إلى بدايات ولوجي إلى عالم المطالعة، حيث لم تکن لدينا فرص كافية سوى قراءة النتاجات الأدبية. وداخل الأدب العالمي كنت شغوفاً بقراءة الروايات، وأنا أعتقد ان الرواية تقوم بأكثر من وظيفة. لأن الرواية فضلاً عن الخيال الأدبي لتجسيد الواقع فهي تتناول الواقع الحياتي من رؤية غير مألوفة.. ما يعني أن هناك شكاً في عالم الرواية إن كان ينتمي إلى الواقع أم يرفضه، وفي نفس الوقت هو معالجة إبداعية خارجة عن المألوف للواقع المعاش. وايصالها للقارئ بحيث يجعله يشعر بما يقرأ وكأنه دخل في الرواية، بل وأصبح جزءاً منها. كما يحس القارئ نفسه وكأنه احدى شخصيات الرواية ان لم يكن البطل فيها !

وبحكم مهنتي كصحفي أقرأ كثيراً وفي شتى المجالات، ولكن بغية اراحة البال ولتنشيط الذهن أخصص وقتاً معيناً لقراءة الأدب. أما ما يخص الأحداث التاريخية وحسب خبرتي أثق بالروايات أكثر مما هو موجود في كتب السرد التاريخي التي تتحدث عن تلك الأحداث.. مثلاً في رواية (الأم) لمكسيم غوركي أصبحت أكثر قرباً لثورة اكتوبر البلشفية عام 1917 وعشت أجواءها وفهمت أسباب ومكتسبات تلك الثورة، كما تعرفت على «أنطون سعادة» عن طريق قراءة رواية (الأرض والسماء) للروائية الفلسطينية (سحر خليفة)، ومع الأسف يجهل الكثير من مثقفينا تلك الشخصية السياسية، وحين سمعت بأن رواية عراقية حصلت على جائزة دبي الثقافية للإبداع عام 2011 وهي رواية (على شفا الجسد)، اشتقت لقراءتها. وعن طريق احدى الزميلات التقيت ببيروت في العام الماضي بكاتبة الرواية المذكورة (رشا فاضل)، وأعربت لها عن لهفي لقراءة الرواية وطلبت نسخة منها فأهدتني الرواية مشكورة، وبعد قراءتها عرفت عن طريق تلك الكاتبة وروايتها الآلام والمآسي بعد أحداث 2003، واطلعت على الأوضاع في مناطق الكاتبة.
وبعد قراءة الرواية كتبت في رسالة للكاتبة:

« قرأت وبتمعن (على شفا جسد)
واستمتعت كثيراً بيها…
حاولت أن أعرفك أكثر عن طريق روايتك، ومن خلالك أنت حاولت استقراء الجانب الآخر من مأساة جزء آخر من شعب العراقي… في مرحلة ما بعد ما بات يعرف بالاحتلال بالنسبة لذلك الجزء من الوطن، ويعرف بالتحرير عند جزء آخر…في الأقل في مناطقنا لأنه كان بالفعل تحريراً من بطش نظام كان أسوأ من الامريكان بالنسبة لنا…
تلك المشاعر التي تتحدثين عنها عند مرورك بكل نقطة تفتيش أمريكية، كانت نفس المشاعر التي كانت تنتابنا عند مرورنا بإحدى نقاط التفتيش في عهد النظام السابق»
ومع ذلك كتبت لها بعض ملاحظاتي فأجابتني مشكورة :
«أنا حقاً سعيدة وممتنة من القلب لك لكل ماكتبته وتذكرته، ولقراءتك الرواية، فالقراءة في زمننا هذا تحد كبير، وقراءتك المتمعنة اضاءت لي جانباً آخر وزمناً آخر لم أكن شاهدة عليه فقد كنا في وضع يختلف كلياً عن أوضاعكم كما تعرف وما مررنا به بعد الأحداث عايشتموه لسنوات، هذه المفارقة بحد ذاتها تشكل وجهاً آخر للحياة والكتابة .»

هنا تبين لي مرة أخرى أننا مقصرون في ايصال قضيتنا ومعاناتنا للأمم في ظل النظم. بل ان بمقدورنا ايصال ما نعانيه في ظل الأنظمة الحاكمة الى الآخرين من خلال الأدب. لأن تلك الشعوب لا تعرف الكثير عنا، وقد ترسخت لديهم تصورات خاطئة عن طريق القصص وما يرويه المتسلطون. ففي هذا العالم الواسع، نحن لا نتقن الا العويل والتحدث إلى أنفسنا، ولذلك لا يسمعنا أحد. وأصبحنا ينازع بعضنا بعضا ولا نعرف سوى التناحر.
قبل بضعة أشهر، سمعت بأن سردار عبدالله كتب رواية باللغة العربية وأتفق مع إحدى دور النشر في بيروت لطباعتها، فرحت كثيراً حين سمعت أن أحد كتاب الكرد كتب رواية باللغة العربية كنت متشوقاً لقراءة تلك الرواية بعد طباعتها، وفي بداية شهر كانون الثاني الفائت، كنت في بيروت وعرفت بأن الرواية صدرت وموجودة في معرض الكتاب الدولي ببيروت، فاسرعت للوصول إلى المعرض واقتنيت بضع نسخ منها،
اسم الرواية «اتيلا آخر العشاق»
اسم الكاتب»سردارعبدالله»
وتم طبعها ونشرها بدار هاشيت أنطوان نوفل و تقع في 488 صفحة من الحجم المتوسط(14.5×24) الوزن 605 غرام.
فقرأتها بتمعن، صحيح أنني سمعت قبل ذلك بقصة أتيلا، أو قرأت شيئاً عنها في رواية فاتيلا لـ(مهاباد قره داغي). كما سمعت الكثير من رفاق أتيلا عنه بحكم كوني أعيش في تلك المنطقة وقرب مسقط رأسي لمنطقة أحداث الرواية ومدينة أتيلا جعلتني على دراية بالكثير مما حصل ولكوني صحفياً وكاتباً ومراقباً.
في الحقيقة لقد ابدع الكاتب في سرد عشق اتيلا والجانب الصوفي في رسم الأحداث، التي ليس لي أن اتكلم عنها. ولا أعطي لنفسي الحق في ذلك، فرغم كوني قارئاً جيداً للأدب إلا أنني لا امتلك الخبرة الكافية في مجال تقييم النتاج الأدبي. لقد استطاع الكاتب أن يجعل من نكسة أيلول ومؤامرة الجزائر واندلاع شرارة الثورة الجديدة وآثار مؤامرة الجزائر على مدبريها والحرب العراقية الايرانية وجرائم الأنفال واستخدام الأسلحة الكيمياوية والانتفاضة والهجرة المليونية، رسالة أدبية رائعة قدمها للعالم .
أعود مرة أخرى لقناعتي بأن تسجيل الأحداث يتم بشكل أفضل وأجمل وأوضح عن طريق الرواية. ويتم تجسيدها بشكل واقعي في الخيال، لذا أعتقد أنه ان ردت أن تعرف شعباً ما، عليك أن تقرأ رواياتهم وفي نفس الوقت ان أردت ارسال رسالة ما للشعوب فعليك أن تنقل قصصك وماجرى لشعبك عن طريق لغتهم، وما جذب انتباهي كان منظر شاب لبناني في السادسة عشر من عمره وهو يحمل رواية (أتيلا آخر العشاق) واقفاً قرب طابور الكاشير في المعرض الدولي للكتاب في بيروت فكان ذلك المنظر مفرحاً لي جدا، وايقنت ان الكاتب كان صائباً في نقل روايته باللغة العربية، ويمكنني القول أنه اصاب عصفورين بحجر، فهو أولاً استطاع أن يوصل رسالته للعالم العربي، ومن جهة أخرى فإن عالم الأدب العربي أوسع بكثير من عالمنا الذي تكتب فيه النتاجات بلهجتين وبنوعين مختلفين من الحروف، هذا فضلاً عن احتكار الوسط الأدبي لدينا من قبل أناس مغرورين لا يرضون عن أحد ويمارسون فيه نوعاً من الإرهاب الفكري، فيحاولون تحطيم أي شخص أو اي نتاج لا يدور في فلكهم، ومن هذا المنطلق استطاع الكاتب ان يسجل هدفاً في مرمى تلك المجاميع فأرسل نتاجه إلى سماء أوسع من سمائهم وأعلى من تطاله أيديهم.