احتفاءً بالشعر اليمني الحديث 2-2

اقترفت أشياء كثيرة …

صدام الزيدي

كنت أضحك وحيدًا
عندما وصلني إشعار من دلافيني البعيدة
يبلغني بنهاية الزمن
اقتربت من بركة ماء ساخنة ورميتني فيها
مستمتعًا بدفء المكان.
ضحكت وأنا أغمس رأسي عميقًا
حتى تطايرت فرشاة رسّام كان يرمقني من متنزهٍ خلف جبال الإكوادور.
واصلت الغطس تارةً والضحك تارةً
قبل أن يستيقظ ديناصور نائم في أعماقي
سمعت هرولته وشعرت بالأرض تهتز
توقفت أرقب المشهد الذي لم يكن مرئيًا لأحد
عاودت نزالاتي في قاع بركة سحيقة
تظاهرت بعدم الانتباه لديناصور يجري في أعماقي
متجهًا ناحيتي
وانهمكت مجددًا في الضحك
واصلت نزقي الغريب في واحدة من أندر لحظات هذا الانسان المجنون
اقترفت أشياء كثيرة ولامعة:
كتبت عليّ الاغتراب في الوطن
جرّدتني من أوسمة الماضي
سكبت المجرة من فم حلزونةٍ في جعبتها باسوورد خطير
بوسعه ايقاف النبض في خلايا المنفى الجذعية
عدت إلى اليابسة متسلقًا ظهر زرافة
وأدركت كم أنا الناجي الأخير
ارتديت ملابس قديمة وأخذت أصفِّر وأرقص
كما يفعل دراويش السيرك الهندي
انتهى بي الحال خارج الزمن-
داخل جوف ديناصور ضخم
شرعت في مقاومة عالم مخيف
يبتسم لي في الضوء
ويترصدني في الظلام
تنبهت أنه لا بد من أن أصرخ؛
لا أدري كيف جاءت الفكرة فجأة،
صرخت في المرة الأولى
نهضت ايطاليا الجميلة من بين أصابعي
صرخت ثانية، تداعت ديناصورات العالم
دفعة واحدة
أخذت أقودها ناحية جبال الأنديز
بينما أحاول اجتراح نهاية لنص تذكرت أنني أكتبه
لكن السديم كان أكبر وأفظع من أن أفيض إلى القيامة!

وصية 

بشير المصقري

أيها الحظ
خُذ خريطتك وبوصلتك
أيها الهجس
خذ القصيدة الأخيرة
أيها الوطن خذ الأحزاب والجرائد
أيها الشعر خذ نصيبك من رمادي
أيتها الجنازة خذي بيد الغياب
أيها الفقر خذ أطفالي برفق
أيتها المدينة خذي لعنة الإحباط
أيها الشاعر خذ بعضك إلى كهف يعصمك من حياة منتهية الصلاحية
وأنتِ أيتها الوصية
خذي الميراث إلى النسيان الذي يحرس المقابر.

رِهان

سيف أبوعلي

أُراهنُ على احتدامِ الفكرةِ
أنّا تلد الذكرى
أشلائي
من رحم الضوء!
هكذا…
تستلب اللحظة أنفاسي كل ربيعٍ
التسكّع بين أزقّة السطورِ،
التَيهِ خارج سياقِ الحُلمِ،
والانتشاء على أسوارِ الغفلةِ..
كُلُها رغبةٌ تقتات على وجعي كل مساء
كمثلجاتِ مشتعلةٍ من فرط اللِّذةِ
بين يديّ طفلٍ شقيّ
يلعقها بشراهتهِ المعهودة!!
أتذكر جيدا
كيف تشتاق أُحجيات جدتي
لشغفي الطفولي،
كيف اعتدت على اشتعال الفكرةِ
واحتدام دراميتها
على منعطفات التجاعيد العتيقة في محياها
وهي تحاول جاهدةً
أن تفقأ عين الكآبة المحتدمة
بين حاجبيّ!!

لا أكترث للطرقات

صلاح الورافي

لم أعد أكترث للطرقات
تتناقص خطواتي اليومية
مما يجعل المشي
مهدداً بالانقراض
رئتاي جاهزتان لترك وظيفتهما
ورأسي آيلٌ للسقوط
أصبح الوقت أعمى ويسير بعكازين
أما قلبي
فقد أصبح مولعًا بجراحه
لا طاقة لي لأفكر بالحرب
لا طاقة لي لأحزن على موت أحدهم
هذه الأمور تثقل كاهلي
وأنا لم أعد قادرًا على حمل هذه الرأس
الذي تأخر سقوطها.

اللحظات المشؤومة لميلادي

آدم الحسامي

_كآبة الغيوم البنية فوق شجر المريمرة
_غربان صغيرة متشبثة بحفيف الاغصان
(هل تنتظر ولائم يلمح لها احمرار الشفق
في الساحل الغربي،
أم لمجرد وقوفها الأزلي فوق المدينة/المقبرة)
_ معزوفات قوالب الروتي الحديدية
الخارجة من أتون مختبئها من غلاء المجازات
_الأشجار الأسطورية ذاتها تحاصر عاشقين
في بستان الكمسري
_غربان صغيرة متشبثة بحفيف الأغصان
وبرذاذ الأمواج وصرير مخاوف الأمهات
_ كذبة المول البارد تغري بالاقتراب والهروب
_ضباب الغوبة الموسمية يحجب الإطارات
المشتعلة فوق رماد شوارع المنصورة
إنه أغسطس.. الطقس وحده يحتكر الثورات
وأنا متعب حتی من فكرة استعادة:
اللحظات المشؤومة لميلادي المجيد.

أقلّية

حكيم مجلي

أنا أقلية داخل ذاتي
أنصب إصبعا في الخفاء
وأمارس حوله طقوسي الغريبة عني
أتحلق حول نار متوهمة
وأرقص مثيرًا وهجها
بوقع خطاي
أردد أهازيج
لاتعرفها الجينات
وأقلد حركات الضب
بدائيًا
أبدأ بتلقيني
تأتأة المطر
ومواء السراديب الحزينة
وصفير الأحجيات
في الليالي المقمرة
أطارد العراء
كي يأوي لبيته
خلف الأفق
ويترك متسعًا من الوقت
أمام ظلي
ليجمع أشجاره الطليقة
ويسيّجني
بغابة من العظام
والخشب.

حائط 

خالد الفاشي

مجرد حائط مليء بالثقوب
خلفته القذائف شاهدا في مدخل المدينة المنكوبة
يحكي للعابرين فصول معركة لا أنداد فيها
حائط وحيد
عاطل عن الظل
ينتظر لحظة سقوطه ليتحرر من أحزانه
ويواري سوأته في التراب.
هكذا أنا في غيابك.

لغات 

محمد يحيى عبد المغني

أستخدم أكثر من لغة حية
لقتل اليوم الواحد:
الفصحى للكتابة،
الخرساء للتفكير،
المحلية للحديث،
السوقية لتوجيه الشتائم
وإنجليزية إم بي سي تو
لتحميل الأفلام
وكلامك الشهي
لتغذية صمتي.

سينام الفقراء

محمد السندي

سينام الفقراء
المطر يحبهم
يلتهمهم بفرح
وسائدهم محشوة
بالأحلام
وحده المطر..
فانوس أمنيات
حين يتفتح الأطفال
وتخضر قلوب المتعبين
السيارات قوارب صيد
الأقدام مجاديف
حماقاتنا تجوب الشوارع
وتخلق من الطين
كهيئة الحب وأكثر!

فنتازيا

عبد الغني المخلافي

العصفورُ الذي وقعَ
في القفصِ
لا يكفُ عن
إطلاقِ الغناء
***
بك يتوهج الحلمُ
وينطوي المدى
عند اشتهائي
***
أتذكرك
لتخضّرَ روحي
وتكتّسِي كلُ المساحاتِ
المجدبة بالعشب
***
مقطوعٌ أنا..
لا صديقَ أثرثرُ إليه
لا حبيبةَ يربطني
بها موعد
لا قصيدةَ تُعِيدُني
إلى فنتازيّتي
***
شعوري
بمواجعِ القلبِ
لا يمكن اختصاره
في جرّةِ قلم
***
كلّما ذهبتُ
إلى الوطنِ
أعودُ بقلبٍ نازف
وعلى فمي مرارة
***
يالقسوةَ العيشِ
عندما يستحيلُ
المرءُ إلى آلة
***
ثمّةَ محطّات
لم تخطر في بال
وانعطافات لا تتوقع
السيرَ فوق سِكَكِها.

عقاب

بسام المسعودي

ذات ليلـــــة
عاقبت خطواتي بالركض
بلا توقف…
أجري خلــفها بحذاء
تنال من المسافة
لا أعلـــــم
لِمَ أجري،
وإلــــى أين سأصل
الوقت يشير إلى
قبل العقــــــاب،
واللحظـــــة تمام الليل
الشـــــرس،
وأنـــــــــا
بــلا مثوىً لأنام دون
ركـــــــض،
كــــل ما شعرت به
هبــــــوب ريح غافلة
عن النوافـــذ،
ريـــــــــح
نبيهة لــرجل ترك
الليل ينام وحيدًا
ثم قــــــــام
يعاقب خطواته
بالركــــــض خلفها.

الشعراء الهواة

محمد الحربي

صار لدينا الكثير لنكتبه
نحن الشعراء الهواة
أثخنتنا الحروب بالمجازات
الغربة بالألحان
والجنائز بالمراثي!

صار لدينا الكثير لنكتبه
نحن الشعراء الهواة
خذلانات الأحبة علمتنا
وطعنات الأصدقاء
كنايات النزوح والطفر واستعارات الأرغفة
وحتى أشلاء الأطفال الذين أدمنّا رؤيتهم يلعبون
قبل مطر القذائف…

صار لدينا الكثير لنكتبه
نحن الشعراء الهواة
عن منازلنا المهشمة
ووحشتنا في زحمة الأزقة
وعن انتظاراتنا التي جفت وصيرتنا حفاة…
صار لدينا الكثير لنكتبه
وفقط نحتاج قيمة حبر وأوراق
ولا يهمنا أبدًا أمر وجبة ثانية لأطفالنا
أو إيجار غرفة صغيرة تنقذنا من برد النزوح واللغة!.

صار لدينا الكثير لنكتبه أيها المثقفون
وقريبًا جدًا سنختفي
وتبقون وحدكم في القمة!.

يمسد شعر النهار

محمود الظهري

الفكرة التي كانت عشبة ثم صارت لؤلؤة ثم صارت نجمة
نزفت كل ضوئها في كُريات القصيدة..
النص مجرة ضوئية
الفكرة لا تنسى نفسها ولا تتنكر لأحد
الأعشاب تسري إلى البحر
اللآلئ تصعد إلى السماء
النجمات تعرج في النص
النص لا ينسى أصله ولا يتنكر للفكرة
النص يحرر العشبة
يُقلق المجموعة الشمسية
تقول زهرة عباد الشمس التي كفرت:
إن الشمس كانت زهرة مثلها..
العشبة التي تخون الفكرة لا تصبح لؤلؤة
اللؤلؤة التي تبقى في الماء لا تصبح نجمة
النجمة التي لا تنزف ضوءها في شريان النص لن تصبح مجرة..
النص غالبًا لا يكون هنا
يكون هناك
يمسد شعر النهار الصغير الذي سيجيء غدًا.

التنزُّه عارياً

عبد الله السييلي

من يقولُ إن التنزه عاريًا ليس لذيذًا؟
الملكةُ فقط تقول: «لتحمي العرش من عبث الأطفال»!
إنّها المرَّة الأولى التي أصبحُ فيها «نبيًا للماضي»
هيَ المرَّةُ الأولى التي أصبحُ فيها «ساذجًا»، وأمارسُ الحبّ مع النجوم!
صديقي أيضًا خدعتهُ المغارة،
وأصبح منذ الأمسِ عاريًا للأبد
اتخذَ النكران مدفأة،
فدفعَ ملابسهُ ثمنًا ليمضي..
هوَ لا يموتُ إذ يريد،
ولا هوَ يموتُ حين لا يريد!
فأنا لم أعد مئذنة لتصلي لهُ،
وهو لم يعد نقيًا لأغسلهُ من الدنس..
فأنا يونسٌ آخر التقمه الحوت ونبذه الأبد!

لا وقت لي للحزن 

لارا الظراسي

لا وقت لي للحزن
حتى الحزن الذي يخافه الناس
يهشونه بالتعاويذ والأذكار
يستحضرون التمتمات لمواجهته
لا وقت لي أن أتعرف عليه أكثر
أن أسقط في حباله الطويلة
وأن أخاف
أنا امرأة بلا حزن.. بلا قلب.. بلا ذاكرة
امرأة جاءت هكذا بمواصفات عالية الخيبة
أن تكون شجرة
ولا يعرف أحد كيف يستظل بها
أن يكون لها مزاجها الخاص جدًا
واشتراطاتها الكثيرة
واتفاقياتها التي لا تنتهي
أن تطلب منك أن تقول لها نكتة مقابل أن ترويها بك
هذه معادلة ظالمة
وأن تطلب منك قبلة مقابل هجرها
شجرة تقنعك أنها قادرة على الطيران
على الالتفاف وحدها دون حركة
شجرة تجبرك على غسل يديك جيدًا قبل أن تبحث عنها
شجرة تضع عينيها في عينيك بجحود
شجرة لا تفكر مرتين بالرحيل إذا ملّت منك
إذا قلت لها ذات مساء إنها عادية
شجرة تفكر دائمًا بالحرب
بالكرّ الهائج والفرّ الجبان
شجرة لا تعرف كيف تقول إنها: تشتاق.