الأكيتو:عيد الربيع والسنة الجديدة في بيادر العراق

عبد السلام صبحي

أبهجنا معالي وزير الثقافة والسياحة والاثار العراقية الدكتور عبد الأمير الحمداني بخبرٍ مفرحٍ مفاده اعلان الدولة العراقية عيد الأكيتو يوماً وطنياً ، هذه المناسبة التاريخية المهمة المرتبطة بقدوم موسم الربيع والسنة البابلية الجديدة في بلاد النهرين. والتي نأمل أن يتم التعريف بها إعلامياً بما تستحقه من اهتمام، كجزء من حملة إحياء التراث الثقافي المغيب للبلاد من قبل الحكومات المتعاقبة، ليرسخ في ذاكرة أجيال المستقبل بمسماه الأصيل.
إن أقدم إشارة كتابية للأكيتو عُثر عليها في مدينة أور السومرية ( أوريم- مدينة إله القمر ننار ) في النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد. دلالة على ارتباط هذا العيد بشكلٍ وثيق بدورة القمر.
أما آخر إشارة إليه فكانت إباّن العصر الفرثي في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد.

«إينانّا، ابنةُ القمرِ البِكر، سيدةُ المساء، أغنِّي لكِ»…
إذن في السادس من نيسان من هذه السنة وبعد ما يقرب من اثنين وعشرين قرناً من الانقطاع،أقر( عيد الأكيتو ) يوماً عراقياً، مُذكِراً بعقيدة أهلِه القدماء وموحداً لأحفادِهم على اختلاف مللهم ونحلهم، ومؤسساً لأعياد البلاد الوطنية الراسخة والأصيلة بعيداً عن مآسي الانقلابات العسكرية والعمليات السياسية المريبة.
إن العلامة المسمارية للكلمة (أكيتو- أكيتي – أكيتوم) لها دلالات متعلقة بطقس مقدس يشير إلى ( تقريب الماء من الأرض ) أي انه ارتبط ربما بممارسات استسقاء أقدم منه، إذ كان الاحتفال بالعيد إبان العصور السومرية يقام في العراء، خارج أسوار المدن وبالقرب من الأنهار حيث حقول الآلهة، تطورت الفكرة لاحقاً في العصور البابلية والآشورية، وتم تشييد مبنىٍ خاصٍ له يدعى (بيت الأكيتو)، وهوالمكان الذي تجري فيه احتفالات الزواج المقدس وتُقديم النذور والذبائح، ووجدت أدلة عليه في ارجاء حواضر العراق القديم مثل أور– أوروك – نيبور – أدب – أومّا – آشور.
لقد أهدى رواد الحضارة من العراقيين الأوائل، الفكرة الأصلية لعيدهم هذا إلى أمم العالم القديم والقوميات التابعة، من آسيا الوسطى إلى فارس والأناضول، وتم تحويرها توقيتاً وتفصيلاً وتسميةً، لتناسب ثقافات تلك الشعوب وأساطيرها ومواسم أعيادها كالنوروز الفارسي مثلاً وجذوره التي ترقى بالأصل إلى العصرالاخميني إثر دخول قورش بلاد بابل في 539 قبل الميلاد، حيث لم يرد في سجلات الفُرس التاريخية أي ذكر لهذا العيد قبل ذلك التاريخ حتى احتكاكهم بالشعب البابلي، أما (النوروزاو اليوم الجديد ) المختص بالبطل الأسطوري الفارسي «جمشيد» فقد ذُكِر لأول مره في ملحمة الفردوسي الشهيرة ( الشاهنامه ) عام 1000 ميلادية،
العراق هو هبة النهرين العظيمين دجلة والفرات، وكان أحد أولى الِبقاع التي حصل فيها الانقلاب من حياة الصيد والترحال إلى الزراعة والاستقرار، لذا فإن كل ما تعلق بالزرع والماء والنماء آنذاك، أعُتبِر مناسبةً لتقديم الشكر للآلهة بتوقيتات مختلفةٍ حتى يومنا هذا، وعيد الأكيتو قد يكون أقدمها بل وأهمها، فهو يتكرر مرتين بالسنة لارتباطه بدورة الزراعة واستمرار الحياة المتأثرة بدورها بالقمر، فحركتِه السنوية بحسب عقيدتهم تضمن للطبيعة توازنها من جهة اعتدال الطقس وتساوي ساعات الليل والنهار، الاحتفال الأول كان يجري في الربيع حيث أول ظهور للقمر من نهاية شهر آذار إلى منتصفِ شهر نيسان في تقويمنا الحالي ( آدارو – نيشانو بالبابلية )، وذلك تزامناً مع بدء ذوبان الثلوج في أعالي جبال العراق وامتلاء نهري دجلة والفرات وروافدهما بالماء ( بركة إله المياه العذِبة والخلق إنكي السومري وهو إيّا بالأكدية ومنه حِيّا بالعربية)،. فيتهيأ الزرّاع لحصاد الشعير وتلقيح النخيل وولادة الخراف الجديدة وجز الأصواف، تتغلغل هذه التفاصيل في جوهر الفكر الأسطوري العراقي، فيستحيل موسم الربيع إلى مهرجان وجودي ترتدي فيه الأرض حلتها القشيبة احتفاء بعودة الإله الراعي دُموزي (تموز) إلى الحياة من جديد بعد مكوثه في العالم السفلي خلال فصل الشتاء، ومن ثُم إشهار اقترانهِ بالإلهة إينانّا (عشتار) فيما يّعرف بالزواج المقدّس، وقد تطور هذا العيد من احتفال زراعي – طقسي إبان العصور السومرية الكلاسيكية في الألف الثالث قبل الميلاد إلى احتفال وطنيٍّ- سياسي بالسنة الجديدة خلال العصورالبابلية والآشورية في الألف الأول قبل الميلاد وكان يستمر لاثني عشر يوماً، حيثُ يتم خلاله التجديد السنوي لحكم الملك بمباركة إله البلاد القومي(مردوخ) له وللأرض وغلتها وأهلِها، ومن ضمن طقوسه تلاوة قصة الخلق البابلية ( إينوما ايليش – حينما في العُلى ) من قبل الكهنة.
أما احتفال الأكيتو الثاني فكان يجري في الخريف حيث موسم بذار الحنطة والشعير في نهاية شهر أيلول إلى منتصف تشرين الأول في تقويمنا الحالي ( أولولو – تشريتو بالبابلية) .
إن تجدد دورة الحياة السنوية كانت شريعة ثابتة في الفكر العراقي القديم، يتغلب فيها النظام المُمَثل بالإله مردوخ (مهندس البناء الكوني )على الفوضى الممثلة بتيامات ( الإلهة البدئية) والتي يتجدد تهديدها لدورة الحياة كل سنة، ليستمر الصراع مع مردوخ، الذي ينتصر بالنهاية ويشطر جسدها إلى أرض وسماء ويقوم بفصلهما من سُرة الأرض في بابل، ومن جوهر هذه الفكرة استقت العقائد اللاحقة فكرة انبعاث الخلق الكوني من هيولى العماء.

طقس يوم الأكيتو
في يومِ رأسِ السنةِ الجديدة، يومُ الطقوس، يتجمّع ذوو الرؤوس السود ( شعبُ سومرَ ) في القصر، المنزلُ الذي يُرشِدُ الأرضَ. الملكُ يَبني عَرشاً لملكةِ القصرِ، يجلسُ إلى جانبها على العرش، ومن أجلِ رعايةِ الشعبِ في جميعِ الأراضي، يتمُّ مراقبةُ اليومِ الأول من الشهرِ الأولِ في السنةِ الجديدة. وفي يومِ اختفاءِ القمر، يُجرى الاحتفالُ المقدّس والنواميسُ الإلهية. يومُ رأس السنةِ، يومُ الطقوس، يتمُّ تحديدُهُ بدقّة، فالملكُ يدعو الناسَ لدخولِ القاعةِ العظيمة، الشعبُ يجلبُ النذورَ والطعامَ والأواني، يحرقونَ البخورَ وصمغَ العرعرِ، ويؤدون طقوسَ الاغتسال، يجمعونَ البخور زكيَّ الرائحة. الملكُ يحتضنُ عروسَهُ الحبيبة، دموزي يحتضنُ إينانا.
إينانا، تجلسُ على العرشِ الملكي، تَشعُّ مثلَ ضوءِ النهار. الملكُ مثلَ شمسٍ، يُضيءُ بشكلٍ مشرقٍ بجانبِها، يجلبُ الوفرةَ والخصبَ والكثرةَ والنماء. الموسيقيون يعزفون للملكة، يعزفون الآلاتِ الصاخبة التي تغرِقُ العاصفة الجنوبية. يعزفون الاتَ أليغار العذبة، مَفخَرةُ القصر. يعزفون الآلاتِ الوترية التي تَجلُبُ الفرح للناس جميعَهُم. ينشدون الأغاني لإينانّا ليفرَحَ قلبُها. الملكُ يَرفعُ يدَهُ آمراً بالطعام والشراب، دموزي يرفعُ يده آمراً بتناول الطعام والشراب، إنَّهُ يجمَعُ شعبَ سومر. البهجةُ تَنتشرُ في البلاد، القلوبُ تَتراقص فرحاً، القصرُ مضيءٌ، الملكُ فرحٌ. في المكانِ النظيف النقي يحتفلون بإينانّا ويتغنون. إنَّها زينةُ الجموع، إنَّها فرحُ سومر..! الناسُ يقضونَ اليومَ، رأسُ السنةِ الجديدة، في سعادةٍ غامرة. الملكُ يقفُ أمام الجموعِ بفرحٍ كبير. يشيدُ بإينانّا، ويمدحُ الآلهة والجموع:
الكاهنةُ المقدّسة التي خُلِقَتْ معَ السماواتِ والأرض، إينانّا، ابنةُ القمرِ البكر، سيدةُ الصباح والمساء..! أُغنِّي لكِ»..

صورة (1)
إناء الوركاء النذري – يرقى إلى أواخر الألف الرابع قبل الميلاد ويوجز ربما أقدم نسخة لقصة خلق تلاها أبناء النهرين على البشرية ـ القطعة الفخارية تبدو وكأنها احتفالية مقدسة، تسجل في صفوف متراتبة بدقة، منذ أول انبثاق لفكرة معجزة الخلق من الماء في أسفل الاناء، صعوداً باتجاه طبقة الزرع والسنابل في الحقول، تليها الحيوانات، ثم البشر الذين يحملون النذور لتنتهي بالالهة في الأعلى ومشهد لملك ( كاهن) يواجه إينانا آلهة الخصب وسيدة النواميس

صورة ( 2 )
لوح نذري – يرقى إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد من معبد في خفاجي ( ديالى) ويظهر فيه طقوس الاحتفال بالأعياد.، في الصف الأعلى من اليمين الملك ( الكاهن ) جلوسا قبالة زوجته، والصف الوسطي لحاملي النذور والقرابين، والصف الأخير لجوق عازفي الالات الموسيقية.

المصادر
١- الأعياد في حضارة بلاد وادي الرافدين، د. راجحة خضر عباس التميمي
2 – أكيتو عيد الربيع والسنة الجديدة، د.عبد الأمير الحمداني
3 – عقائد الحياة والخصب في الحضارة العراقية القديمة، د.نائل حنون