الإسلام والغرب 1

الإسلام في فكر جان جاك روسو

يكمن السبب الجوهري في غياب المؤرخ او المؤلف الذي إهتم بالكتابة عن المنظور الخاص بالمفكر الكبير جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau ( 1712- 1778) حول الاسلام، في حقيقة ان مجموع ما كتبه روسو حول الشرق الاسلامي والشرق عموما لم يتجاوز بضع صفحات مبعثرة هي مجموع شتى ملاحظاته واشاراته التي وصلتنا في هذا المجال ايضا.
ونستطيع التأكيد من الآن على ان الاسلوب النظري البحت الذي يعتمده روسو في طرح افكاره يمنعه من الانسياق في تطويرات او سرد جانبي تاريخي. الا ان هذا الامر لا يجب ان يعني ان هذا المفكر كان على جهل خاص بعوالم الاسلام والمسلمين او انه كان يرفض تخصيص فسحة من اهتمامه وتأملاته لهما.

انما يبدو الامر بالعكس، اي انه كان على اطلاع جيد لا فقط بتاريخ الشرق القديم والشرق الاسلامي، بل كان ايضاً يتابع باهتمام بالغ الاحداث السياسية الحاصلة خلال عصره في الدولتين العثمانية والصفوية، اعتمادا في الاقل على الاخبار والروايات التي كانت تنقلها آنذاك مؤلفات التجار والرحالة المعاصرين له وكذلك الدبلوماسيين الغربيين الذين كانوا يزورون هذه الدول بين فترة واخرى وينقلون ما يستطيعون الحصول عليه من حكايات ومعلومات عما يجري من احداث وتطورات في تلك الانحاء الشرقية. وكواحد من افراد النخبة الثقافية الفرنسية المحدودة الحجم آنذاك، كان طبيعيا جدا ان يسارع روسو الى معرفة ذلك والاهتمام بتلك المعلومات لا سيما وان ميله الخاص والقوي نحو الدراسات السياسية والاجتماعية كان يدفعه تلقائيا نحو ذلك. وبالفعل فان ملاحظاته المبعثرة والضئيلة حول الشرق الاسلامي تسمح لنا بالقول كما نعتقد بانه كان يتابع بشكل عميق احوال هذا الشرق وبشكل يفوق، كما يبدو، متابعات الكثير من معاصريه.
بلاشك ان الحياة الشاقة التي عرفها روسو في طفولته خلقت لديه مبكراً، نزوعا اصيلا ضد مشاعر الانتماء الاقليمي والعرقي وكذلك ضد مشاعر الانتماء الديني الضيق التي كانت تسيطر بشكل ملموس على الاجواء الثقافية الغربية عموما وتعبر عن نفسها في الانتماء الحضاري الفرنسي الكاثوليكي، او الالماني اللوثري، او الانجليزي الكالفيني او ما شابه. فهذه الحالة من الانتماء كانت موجودة ايضا وبشكل ما في سويسرا رغم انقساماتها القومية والمذهبية. وكان يمكن، في ظروف طفولة اخرى، ان يصبح روسو كمونتسكيو مثلا او كغيره ممن ظل الاعتزاز بالانتماء الحضاري الى الغرب المسيحي مثار افتخار عميق وشعور بالتفوق كالذي كان لدى بعضهم كما تثبته كتاباتهم. الا ان جان جاك روسو شب بشكل مختلف ما سمح له بتجاوزهم.
وذلك التجاوز اخذ اتجاهين متناقضين – متكاملين في نفس الوقت لديه. تجسد الاتجاه الاول في اكتشاف قيمته الخاصة الكامنة في ذاته الملموسة كفرد انساني له خصوصيته. اما الاتجاه الثاني فتمثل في اكتشاف الثراء المطلق لانتمائه الى عالم انساني وحضاري اوسع بشكل كبير من عالمه الحضاري الغربي المسيحي. وحول العلاقة المثلى بين هذين الانتمائين من جهة وحول التحقيق الامثل لكل من هذين الانتمائين على حدة، وفي نفس الوقت، يتمحور كل الفكر الفلسفي والسياسي لجان جاك روسو. ويعبر مؤلفه الكبير «العقد الاجتماعي او مبادئ القانون السياسي» الصادر في امستردام عام 1752 عن ذلك بقوة، من خلال المكانة الاستثنائية التي خصصها لفكرة الموازنة بين الحرية الفردية وقدسيتها وبين ضرورة توافقها مع النزعة العالمية للانسان.

وجان جاك روسو مولود في عائلة فرنسية بروتستانتية شردها الاضطهاد الكاثوليكي الى سويسرا. وكان هذا اول اضطهاد فتح روسو عينه عليه. الاضطهاد الآخر الذي احس به روسو منذ فترة صباه جاء من الفقر الذي عانت عائلته منه. فتلك العائلة المتوسطة الاوضاع المالية عند ولادته سرعان ما فقدت ما لديها من مال وانتقلت للاقامة في الاحياء الفقيرة من جنيف، وهناك مع ابناء الفقراء عاش روسو مكتشفا اكثر فاكثر بؤسهم مع مرور الزمن نظرا لان صورة الاوساط الغنية التي كانت تنتمي اليها عائلته لفترة ليست بالبعيدة ظلت عالقة بذهنه وستظل ترافقه لاحقا عندما راحت شهرته الادبية والفكرية تتصاعد.
هذه بكلمة الاسس التي جعلت روسو يقطع واعيا او لا واعيا كل علاقة له مع مفهوم تفوقية الحضارة الغربية المسيحية ويشكك بل ويهاجم اسياد تلك الحضارة سواء الملوك منهم او السلطة الاقصادية او السلطة الدينية وخصوصا الاخيرة. فهذه السلطات وجدها متحالفة ومتحدة معا ضد المجتمع. وان تفوق الغرب لا يعني لديه في التحليل النهائي سوى الاعتراف بتفوق هؤلاء الاسياد الذين يسحقون العمال الفقراء والفلاحين المعدمين في فرنسا وسويسرا. ومن هنا كانت دعوته الى العودة الى حالة الطبيعة الاولى، اي حالة العدالة والمساواة الطبيعية بين جميع بني الانسان رافضا فكرة الحق بالوصاية او ضرورة وصاية اي انسان على انسان آخر واي شعب على شعب اخر. فالاعتراف بحرية الافراد لا قيمة له بدون ان يقترن باعتراف آخر ضروري هو المساواة المطلقة بين الافراد وايضا فان الاعتراف بحرية هذا الشعب او ذاك تكون مجرد كلمة جوفاء ما لم تقترن نظريا وعمليا بالاعتراف بالمساواة المطلقة بين الشعوب.
من هذه المنطلقات كان طبيعيا اذن ان يحاول جان جاك روسو بذل جهد كبير لفهم الحضارات والاديان والشعوب الاخرى على الرغم من الصعوبات الكبيرة التي واجهها للحصول في فرنسا واوربا على مصادر موضوعية حول هذه الاديان والحضارات والشعوب في الغرب الذي كان انذاك لايمتلك عن الشرق والقارات الاخرى سوى صورة مجزوءة وناقصة ومشوهة لاسباب ثقافية ودينية وتاريخية سبق ذكرها. وذلك الفهم فرضته النزعة الانسانية الشمولية لدى جان جاك روسو على صعيد الحلم او الدعوة الى عالم انساني عادل تحكمه الحرية والمساواة. وتفرضه من جانب اخر على الصعيد العملي توجهاته الفكرية حيث كان يريد في كتاباته الفلسفية والسياسية والاجتماعية لا سيما في “العقد الاجتماعي“ ان يقدم نظرية تقوم على الاستفادة من التجارب التاريخية الانسانية المختلفة.
وبالطبع ان اهتمامه ذاك بالحضارات والشعوب غير الغربية ذهب اول ما ذهب نحو الحضارات والشعوب المعروفة اكثر من غيرها في الغرب انذاك. وكانت نوعان: تمثل الاول بالعوالم الحضارية القديمة التي قامت في اوربا وفي المناطق المجاورة لها. وفي مقدمة هذا النصف يقف العالم الاغريقي الكلاسيكي وحضارته اللامعة ثم العالم الروماني بمراحله ومعطياته المختلفة. فهذان العالمان الاوربيان يحتلان – لا سيما الاول – موقعا مهما في معرفة وثقافة روسو يليهما عوالم جنوب المتوسط والشرق الاوسط كالفينيقيين والبابليين واليهود وغيرهم الذين يحتلون عموما موقعا عابرا او ثانويا مقارنة مع الاوائل اي الاغريق والرومان. اما الصنف الثاني فتمثل بالحضارات غير الاوربية التي تطورت زمنيا بعد المسيحية او كانت موجودة بعد في عصر روسو ذاته. وكاد العالم الاسلامي ان يكون العالم الوحيد الذي اهتم به روسو. حيث نجد ان ذكر الصين والهند وغيرها من العوالم الحية خارج اوربا اقل حضورا في كتاباته لبعد تاثيرهما وعلاقاتهما المباشرة مع اوربا آنئذ من جهة ولضعف وشحة معلومات الثقافة الغربية اجمالا حولهما من جهة اخرى على العكس من الاسلام الذي امتلك حضارة اثرت باعتراف جميع مفكري الغرب في اخراج اوربا من ظلام القرون الوسطى وكانت مصدرا اساسيا انتهلت منه الحضارة الغربية الحديثة واخذت منه الكثير من مقومات تطورها ويمتلك ايضا عالما سياسيا وحضاريا متميزا ظل قائما وصامداً بوجه القوة الغربية الصاعدة وهذا العالم السياسي الحضاري كان يتجسد في امبراطوريات او دول ظلت اوربا الغربية تخشى قوتها العسكرية حتى في عام ولادة روسو كالامبراطورية العثمانية بوجه خاص.