الاستعارة البصرية في لوحات فان كوخ

د. فاضل السوداني

يمنحنا الفن التشكيلي الكثير من المفردات والوسائل التي تجعل من الاستعارة وسيلة غنية تدفعنا لدراسة ذاكرة اللون وأسرار اللغة البصرية التعبيرية. فمثلا عمد فان كوخ إلى استخدام «الأشياء» بمفهوم استعاري قلما نصادفه، فهو حاول ان يحول الكراسي أو الأحذية التي رسمها كاستعارات بصرية للتدليل على وجود الكائن الإنساني، وكذلك محتويات المقاهي الليلية التي يبدو الإنسان منتظرا في احدى زواياها كمن يكون تائها أو فاقدا لذاكرته فيبدو انتظاره هذا أبديا.

في لوحته «مقهى ليلي» وهو أحد المقاهي الذي يلجأ له الغرباء التائهون ينتظرون بلا هدف فيشعرون بالوحشة في مدينة غريبة لدرجة تجعلنا نفكر بأن الإنسان هذا بلا هدف ينتظرالعدم في الزمان الذي لايرحم والمكان الغريب.
اما في لوحة «مقهى في الليل» فان اللون الأصفر يفرض وجوده وكثافته، فهو يشع لدرجة الربط بينه وبين النور لأنه يقوم بتأكيد الوجود أو مكونات الحياة والتركيز على الأشياء وإظهارها ليوجدها لذاتها، وبهذا فان النور (انبثاق الخلق الذي يبدو هنا عدوا للزمن) لا ينفصل لا عن الإنسان ولا الحياة، انه يدخل معهما في فرضية الوجود على عكس الزمن الذي يفرض تآكل الموجودات والأشياء تدريجيا.
من هذا المنطلق قام كوخ بتكثيف اللون الأصفر طامحاً ان يمنحه سمات نور ملتهب كما هي المعرفة. وبالرغم من اكتظاظ فضاء اللوحة إلا أننا نشعر بالخواء الروحي ليس في داخل الإنسان فحسب بل أيضاً في الأشياء والمكان ومكوناته، فالأبواب والنوافذ الخضر مشرعة في ظلام أزرق مخضر شاحب. وما يؤكد هذا الخواء هو ان كراسي المقهى ومناضدها تشعرك بوحدتها وعزلتها وتشيؤها كما في مقدمة اللوحة، وكأن جلاسها قد غادروها تواً للذهاب الى الفردوس او الى جحيم آخر.
اما البشر في اللوحة وبالرغم من حركتهم التي توحي بأنهم أحياء ويتكلمون فيما بينهم، إلا أنهم يبدون وكأن هنالك سرا أو فاجعة ستشيع في المكان لذا فمن السهولة ان نشعر بسكونهم ووحدتهم وعزلتهم، مما يوحي وكأن هنالك قوة ما ستسلب وجودهم، ويؤكد هذا تلك العربة المنبثقة من ظلام البرزخ الكثيف في العمق، وكأنها عربة الموت التي لابد ان يطغى ضجيج حوافر خيلها على كل الأصوات الحية.
وبما أن الألوان لدى كوخ أصبح لها معادلها الإستعاري ورموزها التأويلية ـ الميتافيزيقية، لذا فان هذا السقف الأزرق الموحش الذي يهيمن على عالم اللوحة يبدو كأنه سماء الأبدية، فليس النأي السديمي للنجوم هو الذي يتلألأ فيها بل تبدو وكأنها الأمل وقد تحول الى ثريات بيض معلقة في سماء قد تبدو قريبة من الإنسان إلا أنها نائية جدا عنه. وفي عمق اللوحة المضيئ بالأزرق تتجه الفتاة ذات الرداء الأحمر نحو هوة الموت الجحيمي الذي يتكثف في ظلام دامس يعبر عن المجهول في ذاكرة الإنسان. اذن اللوحة هي استعارة بصرية وكأنها (ترتيلة حب حزينة لسكان المدينة والعالم).
في لوحة «نجوم الليل فوق رونه» سينعكس الضوء على صفحة البحيرة الهادئة بشكل مشع وكأنها توهجات نار متوحشة تتلألأ خارجة من الماء ويلغي الفنان كل ملامح موجودات اللوحة ما عدا عجوزين(رجل وامرأة ) يسيران في مقدمة اللوحة باتجاه المشاهد وكأنهما تائهان أو مغموران سعادة بعد ان تذكرا ماضيهما عندما وقفا على جرف البحيرة قبل لحظات.انها استعارة عن ثريات الماضي كمرايا تتلألأ في خريف هذين العجوزين .

ذاكرة الأشياء كاستعارة بصرية متوهجة

كذلك فان الأشياء كالأثاث ومزهريات عباد الشمس الوحشي والأحذية والكراسي التي تبدو أشياء جامدة، كانت ذات علاقة حميمية واستعارة بصرية في فن فان كوخ. ومن خلال هذا يمنحها استقلاليتها فتمتلك حركتها وإيقاعها ومعناها الجديد.
ففي لوحة «كرسي» بول غوغان الذي رسمه كوخ إكراما لصديقه وابتهاجا بحياتهما المشتركة التي عاشاها لفترة قصيرة في البيت الأصفر في مدينة آرلس جنوب فرنسا، يمكن ان نلاحظ سمة من الاحتفالية والهدوء الذي استشعره كوخ عند انتقال غوغان للعيش معه، وقد عبر الفنان عنه من خلال هارمونيا اللوحة وطغيان اللون الأخضر الذي يوحي بالأمل. وغبطة الموضوع هذا تشعرك بحنين الفنان للصداقة التي تشع بنورها من شمعة معلقة في خلفية الفضاء الأخضر، ومضاعفة هذا التأكيد بشمعة أخرى على الكرسي وبجانبها كتابين، إنها المعرفة غير المحدودة والوعي المكثف اللذان يخلصان العقل من محدوديته البائسة ويخلصان الروح كذلك من سجن جسدها. ويكون هذا الامر أكثر تجليا عندما يوضعان على قاعدة كرسي خضراء توحي بأحلام تمناها فان كوخ كثيرا وأرادها ان تكون بمثابة الحصانة الداخلية ضد ضيقه وتذمره وقرفه من الحياة وخشونة الواقع، انها استعارة بصرية عن حميمة الصداقة التي تشع بالمعرفة، انها نورالعقل والاكتشاف الذي يحمي الإنسان.
ويمكن كذلك اكتشاف التعبير عن تشيؤ الإنسان من خلال التعبير عن حاجاته وتحولاتها كأستعارة بصرية، فالفنان يعبر عن الكائن البشري من خلال حذائه ومزهرياته أو حاجياته اليومية التي يستخدمها لكنه يمنحها بعدها الميتافيزيكي الذي يحررها من واقعيتها. ونظرة مقارنة للوحة كرسي فان كوخ الشهيرة ولوحة كرسي غوغان نكتشف الفروق السايكولوجية والإستعارية وايقاع التعامل مع الحياة والغموض والتعقيد من جانب، والبساطة والتفاؤل من جانب آخر .
اما لوحة (الحذاء ) الشهيرة فان الفنان وضع فيها كل إمكانياته التقنية وتجاربه في اللون وتماسك الموضوع، فهو حذاء متفرد في خصوصيته وبعده الإستعاري عن بؤس الإنسان، إلا أنه مرسوم بإتقان وجمالية عالية لدرجة يمكن مقارنتها مع أية لوحة أخرى عن حياة جامدة رسمها فنان من عصر النهضة يتقن صنعته. لكن هذه اللوحة كانت تثير غضب طبقة المجتمع المسيطر لأنها تؤشر عن البؤس المصيري، فهم لم يتعودوا أن يعلقوا في صالوناتهم لوحة لحذاء بائس ( كطبيعة جامدة ) وكاستعارة .
إضافة إلى لوحة «الكرسي» ولوحة «غرفة النوم» الشهيرة ولوحاته الأخرى، اراد فان كوخ من خلالها التعبير إستعارياً عن وجود الإنسان وأشيائه التي تعكس الحالة الاجتماعية والنفسية له وفي ذات الوقت تمتلك اسطوريتها ومثيولوجيتها المطلقة، وهذا ما يفرض العلاقة الهذيانية والهمس الوجودي بين إمكانيات التأويل للشيء كإستعارة وتعبيرية الفنان التي تجعلها جزءا من وسائله الإبداعية ليعبر من خلالها عن سمو وسقوط الإنسان في مرحلة معينة. لكن يظل كرسي فان كوخ وسريره الخشبي والحذاء يقلقوننا كوجود إستعاري وكأشياء لها اسطوريتها المطلقة في الفن البصري.