الانتحــــــــــــــــــــــــار.. شهادة المرء على نفسه

عدي صليوة

في الثامن والعشرين من مارس من العام 1941 وبعد فترة قصيرة على نشوب الحرب العالمية الثانية كتبت فرجينيا وولف رسالة انتحارها وتوجّهت نحو النهر، عبأت جيوبها بما تستطيع من الحجارة لتساعدها على التَّوجُّه بثقل نحو قاع نهر (Ouse) كي لا تخرج منه الا ميتة. فكانت رسالة الانتحار التي خطّتها بحبر قاتم على الورق بقلم يصدر احتكاكاً موحشاً وجهتها إلى زوجها الذي وصفته فيها بأنَّه وهبها أكبر قدر يمكن لإنسان أن يهبه لآخر. واستهلتها بما يلي:

عزيزي..
لدي شعور مؤكد أنَّني سأصاب بالجنون من جديد، أشعر باننا لن نتجاوز أياً من تلك الاوقات العصيبة مرة أخرى ولن يكون بمقدوري أن اتخطّاها هذه المرة. بدأت أسمع أصواتاً ولم أعد قادرة على التركيز لذا سأفعل ما أظنه الافضل. لقد وهبتني أعظم قدر ممكن من السعادة لقد كنت كل مرّة كل ما يمكن أن يكونه المرء .
كتبت الصحافة عن انتحار فرجينيا وولف عناوين مبتورة وهي: أشعر أنَّني لن استطيع الاستمرار أكثر من هذا وسط هذه الاوقات العصيبة… الا أن هذا ليس ما كتبته وانما كتبت بالضبط: «لدي شعور مؤكد أنَّني سأصاب بالجنون من جديد، أشعر بأننا لن نتجاوز أياً من تلك الاوقات العصيبة مرّة أخرى» يبدو أن الصحافة وظّفت انتحارها سياسياً ولم تلتفت أو تعمدت عدم الالتفات إلى السبب الحقيقي وراء انتحارها.
عانت فيريجينيا وولف من اضطراب عقلي منذ خمسة وعشرين عاماً قبل أن تعود اليها أعراض هذه الاضطراب قبل نحو ثلاثة أسابيع من تاريخ انتحارها وقد شعرت أنَّها لن تتعافى منه هذه المرة. ككل شخص أرهقته الحرب، كانت تعاني نفس المعاناة ولكن عودة الاضطرابات النفسية والعقلية اليها لم تكن بسبب عدم قدرتها على «تحمّل» المزيد لكن ما دوّنته في رسالة انتحارها يثبت بشكل او بآخر أنَّها ستجن من جديد ولن تستطيع التعافي هذه المرّة. لكن حتى لينارد، زوجها، نشر عنواناً مضللاً يكرّر فيه نفس العبارة التي اجتزئت من العبارة الأصلية: «لم أعد احتمل» واستبدلت عبارة «تلك الاوقات العصيبة» مبدلا المعنى التي تشير إلى اعتلالها المبكر قبل خمسة وعشرين عاماً ومحيلاً إياها إلى الحرب العالمية الثانية. متآمراً مع الاعلام في تلفيق انتحار فرجينيا وولف كعمل غير وطني وجبان لا مأساة شخصية جاعلين منه باعثاً للأسى. أعادت مجلة التايمز نشر اقتباس خاطئ بعد عدة أيام في الاصدارات اللاحقة دون نقدٍ تحليلي ودون التحقُّق من حقيقته. واستمرت هجمات مماثلة في الصحافة لأكثر من عام، حتى أنَّ بعضها أطلق على بعض أعمال وولف التي نشرت بعد وفاتها.
ربما يتجاهل بعضهم بأن لفرجينيا وولف بعض الميول المثلية الا أنَّ كاتب رواية الساعات (مايكل كننجهام) أشار بوضوح إلى ذلك في مشهد يكرره في الطبقات التاريخية التي اشتغلها ببراعة في روايته صانعا منها مرايا لحياة فرجينيا وولف والسيدة دالاواي في وقت واحد.
هنا، يبقى فعل الانتحار إجراء معقد الدوافع والأسباب لدى جميع من أقدموا عليه وقد يكون لدينا الكثير من القصص التي خزنتها الذاكرة – المعقدة التكوين- عن حوادث مشابهة الا أن أياً منها لم تنجلِ أسبابها أبدا ولم يعرفها سوى مرتكبيها.
عندما أنهى همنغواي حياته بطلقة من بندقيته التي اعتاد اصطياد الحيوانات البرية بها كان قد توصل إلى قرار مهم نابع من تقييم عميق لما قد يكون عليه اذا ما استمر بحياته وبين ما قد يكون عليه اذا ما قطع هذه الحياة.
إنَّ محاولة فهم دوافع الانتحار تتطلّب فهما لتفاصيل القرار وعلى ماذا بني وهل انه قرار أم إنه اتخذ بناءً على هلوسات كما يمكن أن يذهب الشك في حادثة انتحار فرجينيا وولف كما ذكرت في رسالتها الأخيرة إلى زوجها «. بدأت أسمع أصواتاً ولم أعد قادرة على التركيز لذا سأفعل ما أظنه الافضل»؛ الافضل من وجهة نظر فرجينيا وولف هو إنهاء حياتها باقل قدر ممكن من الضوضاء. الانحدار نحو أعماق نهر (Ouse) والتوقف عن الاستماع لتلك الاصوات وفقدان التركيز.
هناك اتهام غير معلن للبعض ممن يعتنقن الحركات النسوية المناصرة للمرأة (الفينمينزم) بميولهن المثلية وقد كانت بشكل او بآخر ممن يميلون إلى تشجيع هذه الحركات رغم أنها لم تكن تلاقي آذاناً صاغية في ذلك الوقت من السطوة الذكورية في بريطانيا وقد يكون هذا هو السبب الاهم في تنامي نشاطها حين نجحت حركة (سوفرجت) في كسب معركتها ضد مجلس العموم البريطاني في انتزاع قرار ينصّ على حق المرأة في التصويت لأوّل مرة في تاريخ بريطانيا.
الا أن أحداً لا يستطيع الجزم بأن سبب إقدام فرجينيا وولف على الانتحار هو غياب الحرية اللازمة في المجتمع الانجليزي على قيام العلاقة المثلية في العلن او حتى توفر الجو الملائم ولو بشكل ضئيل لقيامها خصوصا في ظل السطوة الدينية التي كانت لا تزال تفرض وجودها بشكل ملحوظ، سوى بعض ما أشار اليه كاتب رواية الساعات الذي نوه اليه بشكل فني متقن في طرحه للمراحل التاريخية التي أسّس عليها روايته في مشاهد ثلاثة لا غير، مشهد واحد لكل مرحلة، المرحلة الاخيرة وهي التي تمثّل المرحلة المعاصرة حيث إنَّ العلاقة المثلية واضحة ومقبولة لدى المجتمع. وربما هذه هي الاشارة الاوضح التي يمكن أن تؤخذ بنظر الاعتبار هنا. ومن ناحية أخرى علاقتها المتينة مع زوجها التي اعترفت بها في رسالة انتحارها وأنَّه وهبها كل ما يمكن الحصول عليه من السعادة.
إذن فالمسألة تمتاز بالتعقيد اللازم لكي يغمر ظروف انتحارها بالضبابية الكافية، إذ ليس الشجاعة وحدها هي ما يتطلبه الامر للإقدام على الانتحار، بل ربما لا يتطلّب الامر شجاعة على الإطلاق بقدر ما يتطلب ظروفاً ودوافع منطقية وموضوعية تشكّل المفاضلة بين إنهاء الحياة خياراً أكثر ترجيحا من الاستمرار بها. بعض هذه الدوافع والظروف نفسية ربما وبعضها الآخر لا يعرفه سوى المنتحر نفسه أو يعتقد أنَّه يعرفه.
إنَّ حادثة الانتحار، رغم مرور الزمن عليها، مقلقة لسببين: الاول هو أنَّه في جذوره شهادة ودليل على ذلك الحيوان المفترس من الاكتئاب القاسي القادر على افتراس واستهلاك أعظم العقول الانسانية بشكل خاص. رغم أنَّه يوضح مدى الاستجابة الشديدة لضعف الفهم الذي قوبل به وتم تناوله لهذا الحادث.
أما السبب الثاني فهو تعاطي الصحافة لخبر انتحارها على نحو بشع. إنَّ الشيء الوحيد الاكثر بغضا من الناحية الاخلاقية هو الحكم على النضال الشخصي ضمن نطاق العالم الداخلي للفرد المبدع ومطالبته بفعل ذلك علناً خصوصا ومطالبته بالظهور على عكس ما هو عليه لا سيما أن الانتحار هو فعل محرم أخلاقياً ودينياً باعتباره من التابوهات ويتطلب القدر العالي من الوعي لفهم أنَّها كانت على حق حين اختارت الانتحار.
بعد كل هذا، فان ما موثق بشكل جيد أن فرجينيا وولف كانت مثلية وعلاقتها مع فينيسا بيل، شقيقتها كان يشوبها الاضطراب بشكل ما.
تبقى هذه لمن لا يعرف أن لفرجينيا وولف علاقات غرامية مع فيتا ساكفيل- ويست التي قالت لها بوضوح في إحدى رسائلها: اتركي زوجك وتعالي لنعيش معاً.