البصرة منطلق أدب الرحلات

وليد خالد الزيدي

المسعودي والسيرافي

يوثقان الروايات والمشاهدات

انطلقت موجات الرحلات التي قام بها العرب عن طريق رأس الخليج العربي(مدينة البصرة)التي تعد أهم محطات بناء علم الملاحة العربية حيث كان(سليمان التاجر) من أوائل رواد ميدان دراسة البحر والذي ذكر وصفا وافيا لرحلاته انطلاقا من منطقة تدعى سيراف على الخليج إلى بلاد الهند والصين إبان القرن الثالث الهجري ـ التاسع الميلادي، وجاء بعده شخص آخر من البصرة يدعى(ابن وهب) ليضيف تجربة أخرى في رحلة إلى الصين سنة(257)هجرية ـ (870)ميلادية.
وقد دوَّن دراسات هذين الرجلين احد أبناء البصرة بداية القرن العاشر الميلادي اسمه أبو زيد الحسن السيرافي الذي لم يكن بحارا بداية حياته إنما من ابرز الأشخاص المشغوفين بعملية البحث وإخبار أصحاب النشاط البحري لأبناء الخليج في تلك الفترة، وقام بتسجيل الروايات وتوثيق المشاهدات التي رافقت رحلات البحارة حينها.
لقد حرص المؤرخون على اعتماد روايات بحارة الخليج، كما حرص بعض الجغرافيين على مقابلة أولئك الأساتذة في علوم البحار والنقل عنهم شخصيا وتوثيق مشاهداتهم، ومن أشهر هؤلاء العلماء هو المسعودي صاحب كتاب(مروج الذهب ومعادن الجوهر) الذي يعود له الفضل في إرساء قواعد الجغرافية لكونه يقوم على المشاهدة والرحلة والتجربة الشخصية، كما كان عند العرب الأوائل إذ صنف كتابه من أشهر المؤلفات بعد زيارته بلدان الشرق كإيران وشبه جزيرة الهند وإمبراطورية بلاد الصين، فضلا عن سواحل شرق إفريقيا والسودان جنوب بلاد العرب، وكذلك مناطق إقليم بحر قزوين، بحيث ارتبطت المدارس الجغرافية العربية بشكل عام والعراقية على وجه التحديد بالتاريخ عن طريقه، حيث سجل خبرة أهل الخليج عن البحر سواء في رحلاتهم إلى شرقي إفريقيا أو الى الهند والصين، تسجيلا دقيقا لا بل انه رافقهم في عدد من رحلاتهم، لاسيما رحلات التاجر سليمان في القرن الثالث الهجري.
السيرافي والمسعودي وصفا خطوط الملاحة بين الخليج والصين وصفا دقيقا ونمت عن صدق القول ودقة المشاهدة وعمق الخبرات وفق دراسات بعلوم البحار، وقسموا المياه بين الخليج والصين إلى سبع محطات يأتي في مقدمتها الخليج ورأسه البصرة باعتباره موطنهم ومهد رحلاتهم لرفد مدرستهم الملاحية بأدب تلك الرحلات ووصف البلدان التي يمرون بها، ثم بحر اروي وهو المياه الممتدة من شواطئ السند ومناطق الملبار غربي الهند وحول أرخبيل، ثم بحر(الهر كند) ويمتد من شبه جزيرة سيلان وتدعى آنذاك سرنديب إلى خليج بنغالة، وبحر كلاه الممتد بين جزيرة ملقا(الملايو)وجزر الهند الشرقية المعروفة آنذاك باسم(الزابج)عند أبناء الخليج، وبعد ذلك يصلون إلى بحر كندريج وهو خليج سيام، ثم بحر الصنف الذي تمتد مياهه من شواطئ الهند الصينية، وأخيرا بحر صنجي (بحر الصين)وتطل عليه خانفو التي تعد أشهر موانئ الصين، وآخر محطات السفن إلى مناطق الشرق وتعرف حاليا بـ(كانتون).
وسجل المسعودي مع(محمد بن الريدوم) وهو من سيراف أيضا نشاط أبناء الخليج في شرق إفريقيا، مؤكدا انه ركب البحر وخرج في رحلات عدة مع السيرافي من مدينة صحار في بلاد عمان إلى تلك الجهات، حيث أشاد المسعودي والسيرافي بشجاعة أبناء الخليج إثناء تلك الرحلات ودأبهم على مواصلتها من دون أن يكترثوا بالأهوال والمخاطر البحرية إثناء سيرهم في تلك البحار ومتقلبات الأجواء فيها والتي اتسمت بعنفها وكثرة اضطرابها وكانت بعض سفنهم تسير بمحاذاة الشاطئ الجنوبي قاصدة عدن،بينما تنطلق أخرى على امتداد جزيرة سومطرة وأحيانا تلتقي السفن الأولى مع السفن الثانية، لتتابع كلها الرحلة على امتداد الساحل الشرقي لإفريقيا وينتهي خط الرحلة عند موقع سفالة في موزمبيق وجزيرة قنبلو وهي حاليا مدغشقر.
تقول أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الآداب جامعة بغداد أ.د.زكية حسن إبراهيم الدليمي لـ( بين نهرين) إن المسعودي هو أبو الحسن علي بن الحسين الملقب بالمسعودي نسبة إلى الصحابي عبد الله بن مسعود وله أهمية كبيرة واثر واضح في مجالي التاريخ والجغرافية، فضلا عن علم الفلك، وقد ولد في بغداد سنة(287)للهجرة، وتوفي في مصر سنة(346)
للهجرة، وهناك مصادر تقول انه من أهل البصرة، وأخرى تؤكد انه بغدادي، حيث تنقل بين الكثير من البلدان إلى بلاد فارس والهند وسيلان والى بلاد السودان وجنوب شبه الجزيرة العربية والى بلاد الشام ثم استقر أخيرا في مصر حيث توفي هناك، وقد ألف كتبا عدة أهمها(مروج الذهب ومعادن الجوهر)الذي يتكون من أربعة أجزاء، وقدم قسما من كتابه في المجال التاريخي، والقسم الآخر في المجال الجغرافي، أما القسم التاريخي فبدأ فيه من الخليقة وقصص الأنبياء، وتحدث عن عرب الجاهلية، فضلا عن حياة الرسول محمد(ص)، بدءا من ولادته حتى وفاته ثم تحدث عن عصر الخلافة الأول.
وأضافت الدليمي إن المسعودي كان رحالة وجغرافي يعتمد المعاينة والمشاهدة واللقاءات المباشرة مع الناس، وكان حينما لم يتوصل إلى أية معلومة يستفسر من مصدرها وهم سكان المناطق الأصليين التي سافر لها، فهو رحالة جغرافي بالدرجة الأولى، فكل ما كتبه كان في كتابه كان يعتمد على المشاهدة والمعاينة بطريقة مباشرة، كما تطرق إلى ثقافة المجتمعات التي مر بها، فضلا عن عادات وتقاليد وأزياء السكان، وتناول البيئة ومصادرها، وكيف كانت تؤثر على سكان تلك المناطق، كما تطرق إلى جغرافية تلك البلدان من ارض وتضاريس وانهار وتربة ومواسم أمطار، وأقاليم هبوب الرياح وأوقاتها، فضلا عن لغات المجتمعات التي وصل إليها، من مناطق شاسعة في مشارق الأرض ومغاربها، وزار عدة مدن في بلاد الشام، وشبه الجزيرة العربية وجسد في مؤلفه عنصري
(الدقة والموضوعية)، حيث كان يشير إلى المعلومة غير المؤكدة بعبارات(قال،وقيل) وهي عبارات نسميها في بحوثنا عبارات(الظن والشك)، فكان ينسبها إلى مصادر غير معروفة أو الحكماء فنقول معلومة(من دون مصدر)، فهؤلاء هم علماء لكنهم من دون هوية، لذا يمكننا القول إن المسعودي رجل يستحق الدراسة، والثناء والبحث في شخصيته وأثره الفكري والثقافي، لكونه رحالة وجغرافي وفلكي ومؤرخ، وله دور كبير في دراسة تأثير البيئة على الإنسان، وكيف استطاع أن يستمد معلوماته عن مجتمعات تلك البلدان النائية برغم صعوبة ذلك لاختلاف لغته عن لغات سكان تلك الأصقاع، حيث كان سباقا في دراسة تأثير البيئة على الإنسان، أما السيرافي فهو احد أبناء البصرة لكنه رحالة بالدرجة الأولى وليس مؤرخ له اهتمامات بالتاريخ كالمسعودي.
وزاد في أهمية رحلات العرب حرصهم على تداول إخبارها وسالف معلوماتها وما تضمنته من إخطار الطرق الملاحية وأساليب مواجهتها واتقاء إضرارها وأشدها خطرا رياح أطلق عليها اسم(الدر دور) وأخرى (الأعاصير الدائرة)، ما أثرى علم الفلك بمفاهيم جديدة حيث حددوا مواقع النجوم ومسارات القمر، لمعرفة اتجاهات سيرهم ليلا، وقراءة خطوط رحلاتهم.
وارتبط بالفلك بما شاع عن نقل أبناء الخليج(الإبرة المغناطيسية)من الصين، وقد برهنوا ضعف كفاءتها وعدم قدرتها على تحديد أي اتجاه تحديدا صحيحا، لا تغني عن البحارة العرب استخدام الإسطرلاب لقراءة علامات السماء.
وتغلب البحارة العرب على ما واجهتهم من مخاطر فلكية بتسجيل خبراتهم خالفا عن سالف، باعتمادهم دفاتر ملاحية اشتهرت باسم (الراهنامجات)وهي كلمة فارسية تعني كتاب الطريق ثم عربوه إلى كلمة (رهماني) وظل المعنى واحدا هو(كتاب الطريق) أو ما يمكن تسميته في المصطلح الحديث باسم(المرشد الملاحي).