البيانو .. الصرامة الناعمة

إعداد وترجمة: حربي محسن عبد الله

يقول جون بارو في كتابه
The Artful Universe ( لقد وُجدت حضارات بلا رياضيات، حضارات بلا رسم، حضارات حُرمت من العجلة أو الكتابة، لكن لا توجد حضارة بلا موسيقى). والموسيقى تكفي لحياة بكاملها، لكن حياة بكاملها لا تكفي للموسيقى، كما يقول سيرغي رخمانينوف(1873-1943).

والبيانو سيد الآلات الموسيقية والكلمة هي اختصار للكلمة المركّبة Piano forte الإيطالية، أي إنها مؤلفة من مقطعين Piano يعني ناعم و forte يعني قوي. ويراد بالكلمة المركبة أن هذه الآلة تستطيع أن تجترح أصواتاً قوية وخافتة، حسب الرغبة (أي حسب قوة الضرب على مفاتيحها)، في الوقت الذي كانت الآلات المماثلة السابقة تعطي أصواتاً متساوية في الشدة. إن جهارة الصوت في الأورغن أو الهاربسيكورد تحددها تفاصيل بنية الآلة الداخلية. كضغط الريح أو مرونة الريشة. لكن مهما استعملت من قوة في ضغطك فإنك لا تستطيع تغيير هذه الجهارة. إن الشعور بمحدودية الأورغن والهاربيسكورد والكلافيكورد اقتضى ابتكار آلة أكثر كفاءة في التحكم بارتفاع أو خفوت الصوت.* هذه الأفكار وغيرها طرأت على أذهان هواة إيطاليين اجتمعوا في فلورنسا قبيل ختام القرن السادس عشر، وراحوا يفكرون في إحياء الدراما الكلاسيكية وفق القواعد الأغريقية التراجيدية، التي آلت إلى ابتكار الكانتاتا Cantata (وهي أغنية دينية على طريقة الإلقاء الملحّن الخطابي تصاحبها آلة منفردة) وبذلك حصل منعطف في عالم الموسيقى الغربية. وبرزت أهمية التنبير الموسيقي (أي التوكيد على بعض النغمات). ولوحظ أن الجانب العاطفي في العبارة الموسيقية يمكن التشديد عليه، كما هو الحال في البيت الشعري، وذلك من خلال التحكم بصوت النغمات. ولم يكن الأورغن ولا الهاربيسكورد قادرين على هذه الطريقة من التحكم بالصوت. كان الهارببيسكورد آلة موسيقية مهمة منذ عام 1500 حتى عام 1775 حين حلّ محله البيانو بشكل تدريجي. لكن فنتشنزو غاليلي (وهو أب غاليلو غاليلي) الذي كان أحد الأشخاص الذين حضروا اجتماعات فلورنسا، أشار إلى أن مثل هذه الآلة كانت قد وُجدت حتى قبل تاريخ اجتماعهم. من جهة أخرى كان لتحسين صناعة الآلات الكمانية في إيطاليا، وتقدم المدرسة الإيطالية في العزف على هذه الآلات دور في توجيه الاهتمام نحو تطوير الآلات المفاتيحية.
قام بارتولوميو كريستوفري بلفّ مطارق الآلة المفتاحية التي تضرب الأوتار باللباد، وكان ذلك في حدود عام 1709. ثم تلقّف غوتفريد سليرمان صانع آلات الأورغن في المانيا الفكرة وقام في عام 1726 بصنع آلتي بيانو قدمها إلى باخ الذي لم يعجب بهما، وربما آل ذلك إلى مزيد من التحسينات. وفي عام 1747 زار باخ فردريك الكبير في بوتسدام وعزف على آلة بيانو من صنع سلبرمان، لكن ابنه يوهان كريستوف باخ، وكليمنتي، لعبا دوراً في توجيه الاهتمام نحو هذه الآلة من خلال التعليمات التي وضعها كل منهما في طريقة العزف عليها. وفي عام 1773 ألف كليمنتي السوناتا الشهيرة رقم 2، التي اعتبرت أول مقطوعة موسيقية ألفت بأسلوب ملائم كليا للبيانو كآلة تختلف عن الهاربيسكورد على نحو واضح. وفي عام 1799 نشر بتهوفن أول مؤلفاته للبيانو بصفتها مستقلة عن الهاربيسكورد. بعد أن نشر سوناتاته الثماني الأولى لتعزف على الكلافسان، أي الهاربيسكورد، ولم يعد همُّ مؤلفي موسيقى الآلات المفاتيحية ينحصر في التعابير الديناميكية (القوة والخفوت) فحسب، بل اللون النغمي أيضا وإمكانات آلات الأوركسترا نفسها. ويتضح هذا في محاولة تقليد آلات كالهورن، والترومبيت، والطبل، وبعض الآلات الهوائية الخشبية. فبات بوسع البيانو اجتراح أصوات كالرعد وغيرها. ومن مزايا البيانو الأخرى أن لكل نوطة ثلاثة أوتار، ماعدا النوطات السفلى حيث يوجد لكل منها وتر قوي كالحبل يعطي صوتاً أشبه بصوت الجرس، والنوطات العليا حيث لا أهمية للرنين. لكن من أهم مزايا البيانو أن مطارقه التي تضرب الأوتار عند العزف على مفاتيحه – البيض والسود- مغلّفة باللباد، وهذا هو سر معدنية الصوت. أما إذا شاء العازف تعزيز sustain أو إطالة الصوت، فإن ذلك يتمّ باستعمال الدواسة اليمنى (عند القدم). أما إذا أراد كظم الصوت بما يورّث انطباعا بالنعومة، فإنه يستعمل الدواسة الأخرى. بكلمة أخرى إذا كان المطلوب الضرب على وتر واحد من أوتار النوطة تستعمل الدواسة (الناعمة). أما عدم استعمال الدواسة فسيعني العزف على الأوتار الثلاثة. كان هكتور برليوز يغبط فرانز لِسْت (1811-1868) وهو مؤلف وعازف بيانو هنغاري، لأنه يتعامل مع آلة جمّة الإمكانات. نعني بها البيانو. فقد قال له: « أنت تستطيع … أن تقول أنا الأوركسترا ! أنا الجوقة الغنائية! وكذلك أنا المايسترو!» وينعكس ذلك في مقدرة لِسْت على عزف أية موسيقى تقريبا على البيانو. وخير مثال على ذلك أنه حوّل السمفونية الفانتازية لبرليوز، ببنائها الأوركسترالي المذهل، إلى البيانو. وفي هذا الصدد يقول لِسْت:( برأيي أن البيانو هو الآلة الأولى في عالم الآلات، وهو يدين بذلك إلى الطاقة الهارمونية التي يتمتع بها من دون بقية الآلات.. ففي أوكتافاته السبع، بوسعه أن يعوّض عن أوركسترا بكاملها. وتكفي أصابعنا العشر لاجتراح الهارمونيات التي تصدر عن مئة عازف). ابتكر لِسْت القصيدة السمفونية، التي غدت بفضله شكلا فنيا جديدا تناوله المؤلفون اللاحقون. كما ركز اهتمامه، بعد أن أصبح راهبا في عام 1865 على المؤلفات الدينية التي أتت مؤثرة مفعمة بالخيال.