التجمعات الثقافيَّة على قدم واحدة

قاسم سعودي

يشهد الوسط الثقافي بين فترة وأخرى، ظهور بعض التجمعات الأدبية ذات الطابعي الفردي المرتجل، التي تفتقد بشكل ما إلى الرؤية الثقافية الرصينة، ممارسة أدوارها بشكل غير مدروس، ومن أهم مظاهرها توزيع الشهادات التقديرية والبذخ الإعلامي والهدايا والدروع المجانية لجميع المشاركين في مهرجاناتها وندواتها وفعالياتها ذات العين الواحدة، وربما تشكّل هذه الظاهرة العربية والعراقية رهاناً واضحاً على ضعف المعايير الإبداعية في النسيج الثقافي، الذي يتطلب أن يعلن عن نفسه ويتحدّى الأزمات المجتمعية والسياسية والاقتصادية التي تكون زاداً خصباً لمثل هذه المظاهر التي لا تدوم طويلاً، فهل تشكّل هذه التجمعات خطرا على المشهد الثقافي أم إنها ممرات ضرورية لتعزيز فاعلية الأدب والثقافة والفنون ..؟ وكيف يمكن احتواؤها والتفاعل معها بشكل مثمر، جريدة «بين نهرين» تفتح سؤال التجمعات الثقافية التي تغزو المشهد الثقافي بشكل كبير فكانت هذه النافذة.

صلاح حسن السيلاوي – شاعر وإعلامي-

يمثل المشهد الثقافي منطقة غواية لكثير من الشرائح الاجتماعية فهو يتّصف بوسطية يدعمها التاريخ والحاضر والمستقبل، فالتاريخ جعل للمشتغلين بالكلمة شأناً فيه شيء من القداسة يستشفها من تدوين ما جاء به الانبياء وما يريده الكهنة عبر الأزمان الماضية، فضلا عن سلطة الحكام والملوك والسلاطين الذين كانوا يقربون أهل الكتابة لحاجتهم لتدوين بطولاتهم وقوانينهم وأحلامهم.
ومن هذا كلّه بدأ ينشأ مشهد معرفي يمتزج فيه المهتمون بكتابة الأديان وطقوسها مع أمثالهم من كتّاب ملاحم الملوك وما يحيطها. وهذه الأسس برأيي هي التي كانت وراء انفتاح هذا المشهد واتساعه على مفاهيم الحياة، حتى أصبح شبيهاً بحكومة الظل التي لا تحكم ولكنّها تمتلك كل إمكانيات الحكم المعرفية، كونها تمثل مختبراً للكشف عن حقائق متعددة. وهذا ما يجعل هذا المشهد هدفاً من قبل صنّاع الدروع والشهادات التقديرية الذين لا يملكون لدخول هذا المجال سواها من أدوات. أجد أن على المؤسسات الثقافية؛ كاتحاد أدباء العراق أو وزارة الثقافة والإعلام الثقافي أن تعري هذه الظاهرة التي باتت واحدة من علامات المجانية المستشرية في حياتنا الثقافية.

أنمار رحمة الله – قاص –

من المفترض أن ننظر إلى هذه التجمعات وجوائزها وشهادتها التقديرية ودروعها المجانية من زاويتي نظر، الأولى زاوية المؤسسة الثقافية المركزية، أو لنقل التجمع الثقافي المتّفق عليه نوعاً لا كماً، كيف ينظر الكاتب والمثقف إلى مثل هذه التجمعات ومِنحِها. والزاوية الأخرى هي زاوية نظر حاشية ومريدي هذه التجمعات ومن يموّلها ويؤسس لها ويعضدها. سنرى أنّ الزاوية الأولى هي المركز الثقافي التقليدي، والزاوية الأخرى هي الهامش الذي صار يتحرّش بالمركز محاولا نزع سلطة وهيمنة البث الفكري والثقافي من مركزيته، لجعله متاحاً للجميع من عامة الناس، وهي بلا شك واحدة من مخرجات ما بعد الحداثة، في تهميش المركز وتمركز المهمّش، لا أريد الجزم أن مثل هذه الحالات هي حالات نافعة، لأنها قائمة على الارتجال وعدم الرؤية والاستشراف والبعد عن مشروع التنمية الثقافية وتأصيلها، من خلال جوائز غير رصينة الرأي الحكمي، وتكريمات في غير محلها.. كما ولا أريد الحكم على مبادراتها بالضرر، لأنها في النهاية شبيهة بسباقات الماراثون، الهدف منها المشاركة في السباق لا الفوز. المُشارك في مثل هذه التجمعات يبحث عن كينونة تمثله ثقافياً من دون اللجوء إلى منطقة المركز الثقافي الذي يتخوّف مثل هذا المشارك البسيط من نرجسيتها وعلوها في الغالب، لذا تراه قد ابتدع مركزيات ثقافية توائم مستواه، وتجتذب في النهاية من هم على شاكلته من طلاب وطبقة متوسطة من عامة الناس.. أن تحمل كتاباً من دون أن تقرأه أو لنقل تتباهى به، أفضل من حمل شيء آخر. الاحتكاك بالجو الثقافي – وإن كان على هذه الشاكلة – قد يعطي لوناً أفضل للوحة المجتمع.

سلام جليل -شاعر –
الثقافة ومنها الأدب هو جهد فردي، وعي لا تشكّله الجماعة في انطلاقته الأولى، أو سأقول: قفزته الأولى، إنما الجماعة أو التجمع وغيرها من المسمّيات تظهر بفعل تقارب الرؤى والتقاء المشاريع الأدبية. لنطرح السؤال بشكل آخر: إن غابت الرؤية أو تضبّبتْ ما الهدف من إنشاء تجمع أدبي .. ؟ لا أريد وضع إجابة نهائية، وليس بمقدور أحد وضعها في ظل تداخل المفاهيم، ولكنَّ هناك أهدافا خارج جسد المعرفة ذاتها تنمو – و قد يكون التشبيه ليس ملائماً – كزوائد لحمية تبحث عن الضوء فتسعى للمال والشهرة وما هو مناقض للجمال والسبب كما أظن يتركّز في انهيار البنى العامة لأي دولة، حيث ينتقل الأفراد المنتجونَ فيها إلى مناطق اشتغال أخرى ليصبح الأدب في هذه الحالة تعويضاً لخسارة سابقة غير معزّزة بالموهبة، وهذا الإشكال لا يمكن تجاوزه أدبياً، فقد يكون إشكال النظام المؤسساتي أو إشكال المعرفة كونها تحتوي مساحات جذب مبالغ بها .