التحولات الفكرية والتأهيل الروحي

فيلم الصلاة

عاصم عادل

جمالية السينما وجوهرها باضاءتها نحو بقعة ما نعيشها وتتغلغل في ذواتنا وتجاربنا وتوظيفها فنيا، وتركها للمشاهد وتأويلاته ومشاهداته، لتطل علينا هنا السينما الفرنسية بفيلم جسد التحولات الفكرية والتأهيل الروحي للانسان وسط ما يعانيه ويتعرض له.. لتخلق منه صراعا أزليا بين ايمان الانسان ويقينه وشكه.. وكيفية النجاة بالايمان بما يريد ويهدف اليه.

فالبطل شاب في بداية العشرينات يدعى توماس (انثوني باجون) يذهب الى دار كاثوليكي يقع في اعالي جبال الالب الفرنسية لغرض العلاج من ادمانه المخدرات. وجمالية المشهد الاول ورمزية الصراع النفسي وهو في سيارة وامام طريق واحد يسير باتجاهه مع تعدد اتجاهات وطرق اخرى كانت امامه ايضا واصراره على ما هو ماض اليه،.. يستقبله المقيم على الدار «ماركو أليكس بريندمول» ويوضح له القواعد القاسية والصارمة للدار.وانه لا شيء سينقذه هنا سوى ارادته وقدرته على الصلاة والصداقة والصدق وانه محرر تماما من اي حكم مسبقٍ عليه من الآخرين، فالكل هنا كانوا كذلك.. فالفيلم فيه تأهيل لروح الانسان وارادته كما ان دعوته جوهرها ان الخلاص في ايمانك بفكرة او بما تريد دون اي تزييف او كذب ويرافق «توماس» احد افراد الدار ليلاً ونهاراً ويسمى بالملاك الحارس الذي قام باداء دوره الممثل «داميان شابيل.»
كما ان ما قدمه «د.جاكوب هيرش» وأكاديميون اخرون في جامعة تورنتو الكندية من (ورقة بحث) حول دراسة أثر الايمان على النشاط العصبي في القشرة الحزامية الأمامية للدماغ وهي المسؤولة عن الوظائف العقلانية والمعرفية مثل اتخاذ القرار والتحكم في المشاعر وشعور القلق والتوتر…الخ.
وما يفترضه «هيرش» أن الدين حسب وصفه كدواء مخفف للقلق ويزيل أي شعور بالضلال والشك ويعطي الهدوء النفسي والسكينة الداخلية كونه يمنح المرء هدفاً لحياته ودليلاً لكيفية النجاة.. كان متمثلا تماما في الفيلم الفرنسي « الصلاة» عن طريق الاغاني والطقوس الدينية الجماعية الموحدة للشبان وتأثير العقل الجمعي في الدار.
فالايمان بالأشياء ينبع من الداخل ويلامس كل الحواس وهو ايضاً نقطة تحول في المنظومة الفكرية والروحية للانسان فالاستمرار بالكذب على النفس والاخرين لا يجعل منه حقيقة. ولعل اعظم واقوى صراع يخوضه الانسان في الحياة هو الصراع مع الذات والاعتراف بنتيجة هذا الصراع والوصول الى الطمأنينة من ناحية الشك.
مشاهد الفيلم تحاكي وتركز على الحياة اليومية والطريقة التي سيختبر بها «توماس» الايمان وتحولاته الفكرية وقصة الحب التي عاشها مع سيبيل (لويز جرينبرج) وهو تصرف ذكي من المخرج «سيدريك خان» فهو لم يقع في منزلق التعرض للدين على الرغم من عنوان الفيلم «الصلاة» وقصة البطل، واستبدل ذلك بنقل ما اراد توصيله من خلال الصورة بدلاً من الحوارات القليلة في الفيلم,كما انه يتعمد المخرج بعدم اعطاء اي اوليات ومشاهد عن ماضي واهل البطل توماس ليؤكد بذلك انه توماس وجميع من في الدار هم واحد والمهم ما هم عليه الان من توحد في العلاج والارادة كما انه اختار جنسيات مختلفة لشخصيات زملاء البطل المدمنين ليشير لهوية الادمان …العالمية.. اضافة الى مجازفته لاختيار بطل هو البطولة المطلقة له اضافة لباقي الممثلين .
وتتباين حركة الكاميرا بشكل موظّف بين لقطاتها الطويلة للمكان والبيئة الجبلية القاسية والجامدة وتغيرها مع الفصول والمتوسطة التي ركزت على علاقات شخصيات الفيلم والتأثير المتبادل فيما بينها واللقطات القريبة التي أجاد فيها المخرج«سيدريك خان» اذ تملك التأثير السايكولوجي على المتلقي من خلال التركيز على الملامح والاداء التعبيري بالحركات والايماءات ومنها مشهد الاعترافات ومشهد «توماس» مع الأخت ميريام «هانا شيجولا» الذي جعلني استذكر رسالة الام تيريزا لمستشارها الروحي القس «مايكل فان ديربيت» عام 1979 (أن الصمت والفراغ يملأن حياتي حيث أنظر ولا أرى واصغي ولا اسمع) وهذه الرسالة اثارت جدلاً كبيراً حينما ظهرت للعلن بعد وفاتها في كتاب يجمع رسائلها لزملائها ورؤسائها على مدى 66 عاما من حياتها.
كما وظف المخرج «سيدريك خان» اللقطات والموسيقى التصويرية والشخوص لإخراج فكرته الجديدة في السينما الفرنسية ويعرف عن هذا المخرج ان افلامه بلا رفاهية ويسمح للمشاهد التعمق في القصص التي يقترحها وهو مهتم بشخصيات فقدان الهوية في افلامه.
شارك المخرج سيدريك خان في كتابة السيناريو «صمويل دوكس» فاني بوردينو, وهو يصنف كفيلم دراما، أما عن الجوائز فقد فاز الممثل الشاب انثوني باجون بجائزة افضل ممثل في مهرجان برلين الدولي للأفلام عام 2018 والفيلم مرشح في المنافسة على جائزة Delluc 2018 وتم اختياره في مهرجان 2019 Télérama .
الفيلم اثار تساؤلات متعددة لعل ابرزها هل أراد المخرج أن يبين من خلال بطله أن تأثير أمنا حواء باقٍ منذ الأزل فينا نحن ابناء لذة التفاحة؟