الترجمة.. أو الصدى المُخْلِص

وليد فرحان

بدأت الحياة اللغويَّة المتعدِّدة كما تذكر حكاية أسطورة بابل بعد أن أمرت الآلهة بمعاقبة من فكّر من البشر ببناء برج بابل العالي وتشتيتهم عبر «بلبلة» ألسنتهم وتحطيم رغبتهم بالقوّة والسيطرة وتحويلها الى مصدر شقاق وخلاف، في النهاية عطّل الخلاف اللغويّ حياتهم وجعلها صعبة وحتّم عليهم البحث عن وسيلة للتفاهم، نجحت الآلهة واهتدى البشر أخيراً إلى الترجمة، يسمّي بول ريكور «أسطورة بابل» تلك وبدء «الخليقة» اللغويَّة ببداية القطيعة، قطيعة مع فهم واحد وثقافة لغويَّة واحدة ومشتركات انتهت بلغات شتى.

سوق الترجمة اتّسعت في بلاد بابل؛ موطن الأسطورة الرافدينيَّة القديمة، مع انفتاح دور النشر على مدّ سوق الكتب بأحدث إصدارات الترجمة، ومع تزايد عدد المترجمين وتنامي الرغبة لدى القرّاء بقراءة مغايرة؛ نصّاً ومضموناً عبر المترجمات والنصوص الأجنبية ازدادت أعداد المطبوعات والمادة الثقافية في تنامٍ، غير أنَّ اتساع مهنة الترجمة – ناشرين ومترجمين ـ لم ينهِ محنتها، بقيت مساحة الحريَّة التي يبحث عنها المترجم والناشر نزرة اذا ما قيست بمساحة الحريَّة التي كُتِبَت فيها تلك النصوص في بلدانها، يقول بلال محسن مدير دار «سطور» لـ «بين نهرين» عن الخطوط الحمراء التي تحيط بعمله: «لا توجد مساحة كافية في عالمنا العربي لاختيار ترجمة إصدار معيّن، لا سيما الكتب التي تكون عناوينها حسَّاسة وصادمة للقارئ العربي»، وعن طريقة تقييم الأعمال وتقديمها للترجمة تحدَّث محسن عن أنَّ الغالب في قضية الاختيار يقع على عاتق المترجم، هو من يتابع ويقترح على دور النشر مجموعة من العناوين مع تقرير لكلّ كتاب ومن ثم يُدرس الموضوع من قبل المختصّين بدور النشر للاختيار، محسن وفي تعداده للجنس الشائع من الترجمات أكد أنَّ الرواية تتصدَّر اهتمامات القارئ وهي الأكثر مبيعاً، ولم يخفِ رغبته وبحثه الدائم عن أسماء غير معروفة والرهان عليها والمجازفة في طباعة كتبها، لكنَّ هذا لا يمنع أنَّ دور النشر تفكّر ببراغماتية وتطبع الكتب لتبيعها لا لكي تكدسها على رفوفها.
صفاء خلف، صاحب دار ومكتبة «شهريار» يرى أنَّ القيود الموجودة لم تأتِ من قوانين بل جاءت من التقاليد الاجتماعيَّة والدينيَّة الحاكمة، حتى إن كانت الكتب المترجمة صادرة خارج العراق وتختلف ثقافتها وخطابها عن ثقافتنا، خلف حمّل الناشرين مسؤولية البحث في سوق الكتب الجديدة وسدّ النقص النوعي في المكتبة العربية، مرجعاً الفضل إلى المترجمين في متابعة الإصدارات الحديثة الرائجة عالمياً، صاحب دار «شهريار» أكد أن مكتبته تبحث وضمن توجهاتها عن الجانب النقدي لا سيما مدارس ما بعد الحداثة، يقول عن اختيارات الدار من الترجمات: «غالباً ما نبحث عن عناوين ضمن هذه التوجّهات بعيداً عن اسم الكاتب، وإذا لم نجد كتباً بهذا الموضوع تتلاءم مع توجّهنا، نقوم بجمع دراسات بشأن موضوع معيّن لعدّة كتّاب أو لكاتب واحد من عدّة كتب، ونقوم بتحريرها ومن ثمّ ترجمتها، وفي هذا أصدرنا العديد من الكتب التي كان لها إقبال كبير من قبل القرّاء».

اختلاف ثقافتين لا لغتين
مع واحدة من أقدم مشكلات الترجمة التي نبَّه عليها الجاحظ (ت 255 هـ) في كتابه الحيوان [ج 1/ 76] بقوله:»ولا بدَّ للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيها سواء وغاية»، تكون مسؤولية التَّرجُمان مزدوجة في تقدير اللغتين حقّ قدرهما وإمكانياته يجب الّا تقتصر على اللغة التي ينقل عنها، وتبدو الظنون المتفائلة بتوسُّع حركة الترجمة مرتبطة بانحسار عدد من المشكلات، قد تكون المشكلة اللغويَّة أهونها، د.هيثم الزبيدي أوضح أنَّ حركة الترجمة في العراق «متعثرة جدّاً بل لا تكاد تكون لدينا حركة ترجميَّة تذكر»، الزبيدي يقارن هذه الحركة بما موجود في مصر وغيرها من البلدان العربية، إذ يعتقد أنَّ «هناك زخماً ترجميَّاً ملحوظاً والفضل لمؤسسات ترعاها الدولة التي توفر المال والدعم الفني وتستقطب المترجمين ليعملوا فيها كالمركز القومي للترجمة في مصر، ومشروع «كلمة» في الإمارات ومركز دراسات الوحدة العربيَّة في لبنان وكذلك المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت الذي تصدر عنه سلسلة عالم المعرفة، لكن للأسف الشديد لا نرى مشروعاً مماثلاً في العراق»، وردَّاً على سؤال عن خيارات الترجمة ولماذا تصرّ دور النشر على النشر لأسماء مهمة في العالم الغربي وكذلك لمترجمين معروفين أيضا؟ قال: إنَّ هذا الأمر طبيعي اذ لا تُقدِم دور النشر الرصينة على نشر كتاب أو ترجمة كتاب لشخص غير معروف وذلك حرصاً منها على أموالها التي تنفق او تستثمر في نشر الكتاب»، الزبيدي أشار في حديثه لـ «بين نهرين» الى المشكلة اللغويَّة وظهور عدد كبير من المترجمين الحاليين بضعف واضح في قواعد الإملاء والتصريف والاشتقاقات اللغويَّة والمرادفات وغيرها من إمكانيات الترجمة؟ وأكد أنَّ «هذه واحدة من أبرز مشكلات الترجمة، وسببها عدم التمكّن من اللغة الأمّ للمترجم بذريعة عدم دراستها أكاديمياً على المستوى الجامعي والتركيز على اللغة الأجنبيَّة».
وينظر المترجم الشاب المجتبى الوائلي، الذي أصدر كتابين مترجمين من قبل، إلى قضيَّة اللغة بطريقة مغايرة، فالمشكلة من وجهة نظره تتعلّق باختلاف ثقافتين لا لغتين فحسب، لكنَّ المعنى المقصود في النهاية يمثّل هدفاً أسمى للمترجم، فالانكليزية أو أي لغة أخرى منقول عنها تحمل «العديد من التعبيرات المجازيَّة او الأمثلة غير المفهومة بالنسبة لنا، وهذا يملي على المترجم توضيح تلك التعبيرات والأمثلة بطرق مختلفة تحافظ على المعنى المقصود من قبل المؤلف»، ويضيف:» أنا دائماً ما أحاول الحفاظ على المعنى المقصود من قبل المؤلف، ولكنِّي لست مجبراً على الحفاظ على نصِّه حرفياً ناقلاً إياه للعربيَّة، لاختلاف أدوات كلّ لغة»، وبخصوص اعتقاد عدد من المترجمين أنَّ اللغة الانكليزيّة أو أي لغة أخرى مترجم عنها هي العامل الرئيس في الترجمة بيّن أنَّ قصور المترجمين «في اللغة العربية وأدواتها، يمكن أن يتمَّ تجاوزه بتوفِّر المصحّحين اللغوييّن، أو المحررين» الذين تفتقر دور النشر العربيَّة لهم، لكنَّه يقرّ بتردّد رأس المال في اقتحام سوق الترجمة باعتبار هامش الربح القليل المحفّز له على الاستثمار في هذا المجال واقتصار المجازفة على عدد من دور النشر التي أفتتحت لدعم مشاريع تنويريَّة فقط، من حكومات أو مؤسسات خيريَّة بحسب تعبيره.

ماذا نقرأ؟
كلُّ ترجمة تحمل في داخلها ما يشبه الصدى المُخْلِص، يقال ذلك في معرض الحديث عن تشابه كبير بين النص في لغته الأولى واللغة الأخرى التي ينقل إليها، عوامل عديدة تهيّئ للقارئ الأرضيَّة المناسبة لاختياراته من الترجمات، يفهم القارئ أنَّ النصَّ الجديد صورة طبق الأصل عن نص آخر خلق في بيئة لغويَّة وثقافيَّة ثانية لكنَّه ليس هو تماماً، تَرَكَ ـ النصّ ـ في تلك اللغة مجازاته وكناياته والتعبيرات الشعبية وخلفيتها الانثروبولوجية وأفق التعبير وولد في مكان جديد لم يختره.
كيف يختار القارئ كتاباً جديداً مترجماً إذن؟ هل يذهب وراء الشائع والمشهور؟ هل يعتمد على قراءات الأصدقاء واكتشافاتهم؟ ماذا عن اسم المؤلف أو المترجم ودار النشر واختياراتها؟
حسن مازن، باحث ومترجم في المشروع العراقي للترجمة، يقول:» لم أقرأ كتاباً مترجماً منذ عدة سنوات، منذ اشتغالي بالترجمة بصورة طوعيَّة بدأت انتبه الى أنَّ الكتب المترجمة عادة ما تغيّر المعنى (بدون قصد وبسلامة نية في أغلب الأحيان)، بالحقيقة بدأت أرى أن قراءة كتاب مُترجم هو قراءة لفهم المُترجم للكتاب الأصلي»، لكنَّ اسم المؤلف مثلما يرى مازن يحفِّزه على اقتناء الكتب وقراءتها كما يقتني الكتب التي يترجمها أصدقاؤه، لا لشيء إلا لكون المترجم صديقاً له.
بينما يذهب د. عبد الخالق حسن إلى أنَّ القراءة لا تحتاج إلى ندب أو تذكير، كلُّ كتاب يمثل له «فاكهة نادرة سقطت من شجرة سماوية»، حسن تغريه الكتب المترجمة لأنَّها تمثل عقلاً وثقافةً مختلفين، لذلك لا يقيّد خياراته في القراءة ما دام هناك تنافس معرفي وثقافي واقتصادي يستثمر في سوق الكتاب ويحاول نقل الأفضل بحسب وصفه، ولا تشكِّل دار النشر لدى حسن أهميَّة كبيرة فلا يقصر انتقاءه للكتب على دار بعينها رغم اعترافه بأنَّ هناك دوراً مهمة تنقل وتترجم باحتراف.