الترجمة وقبول الآخر

ناجح المعموري

يظل الفكر النقدي متعثراً وان تحرك ببطء شديد بسبب غياب الترجمة الى العربية التي تعني القضاء على روح تبادل الخبرة والمعرفة بين الانا / والاخر ، مثلما يطلب هذا الامر الشعور بروح عالية ومتسامية لحظة الذهاب باتجاه الاخر الذي قطع شوطاً طويلاً وعميقاً واستطاع ان يكرس ثقافة وفكراً وعلماً . والنموذج الحي لمثل هذا المجال هو العتبة الاولى في تاريخ النهضة الثقافية والمعرفية لرجل التنوير رفاعة الطهطاوي، وكان رجل الدين هو الاول في تاريخ الوطن العربي الذي نقل فيه عن طريق الترجمة مفاهيم الحكيم والدستور ، والعمران، وفولتير / ومونتسكيو ، مما فتح الكثير من المنافذ في الحياة العصرية عبر الثورة الجديدة التي كان لها اثر في تنبيه الافراد والجماعات على اهمية التمتع بالحرية، لأنها تفتح اوسع المجالات امام الكائن للمساهمة بتطوير الحياة بفاعلية . لعبت الترجمة الى العربية بوقت مبكر دوراً عميقاً في ارساء اصول وتقاليد خاصة بالحوار مع الاخر، والتشجيع على اكتشاف ومعرفة التباين والاختلاف بين الشعوب، واعتقد بأن لكل شعب من شعوب الارض ــــ لنأخذ الشرق على سبيل المثال ــــــ له خصائصه الثقافية والدينية الموروثة منذ فترات التاريخ التأسيسي لعتبات حضارة سومر / واكد / والفرعونية وساهم هذا على أن تكون ملامح خاصة بهوية وطنية كبرى، مكونة من هويات ، لان القوميات والطوائف متعددة في البلدان العربية وهذا يعني بأن الهوية تشكلات ثقافية جديدة وموروثة وهي ــ الهوية ــ كما قال بول ريكور ــ ما يبقى او الشيء الثابت .
وما يبقى والشيء الثابت هو المرآة المعبرة عن حيوية اي شعب من شعوب الشرق والعالم. وكلما كانت الهوية راسخة كلما انفتحت على غيرها، من اجل التزود بما يغذيها. والذهاب نحو الحوار مع الاخر يستدعي القبول « بالحداثة الظافرة التي قال بها الان تورين والتي عرفتها اوربا في القرن الثامن عشر . وايضا في التاسع عشر. وقبل هذه الحداثة كانت فوارة في اتخاذ قرارات جريئة وشجاعة في التعامل مع الدين والاعلان عن قراءة تاريخ الكنيسة برؤية تحديثية، جعلت الحداثة من العقل معياراً متمتعاً بطاقة نقدية.
هذا لم يحصل لولا حضور الدرس الفلسفي، الذي صعد وهيمن على كثير من القناعات، التي تمثلت الماضي بوصفه تراكما فاسداً وموروثاً .

بالنسبة لنا يجب ان نذهب بوعي لتوفير ما يساعد العقل على اداء الوظائف الجوهرية المناط به في مجالات الثقافة والفن والفكر والعلوم الانسانية ، لأننا لا نستطيع التحرك نحو العلوم الاجتماعية المعنية بالدين / والثقافة / والمعرفة . وعلينا ان نؤكد بشكل صريح وشجاع ، بأن الترجمة لم تكن مثلما يجب ان تكون عليه في البلدان العربية . حيث كادت بعض البلدان تتغذى على جهود جبارة في مجال الترجمة صاغت مشروعاً قومياً للترجمة كما في مصر والذي لعب دوراً مهماً في تغذية العقل العربي ووفرت العناصر المساعدة لتكون ما اطلقت عليه بالأمن الثقافي .
ظهرت تجارب في سوريا مثلاً . وفي الامارات والعراق لكن الموقف الديني والسياسي ضيق عليهما المجال . او ذهبت باتجاه ما هو غير ضروري والتباهي بإملاء الفراغ وصدور تصريحات هنا وهناك معبرة ، عن مخاوف حول الدين والتراث ، والترجمة عنصر للفساد ولابد من وضع ضوابط ، لما يجب ان تكون عليه البرامج الخاصة بالترجمة .وعودة على الدور المميز للشيخ رفاعة الطهطاوي يلحظ الدارس بان ما انجزه جعله في طليعة دعاة فكر النهضة ، عبر ترجماته المبكرة ودراساته التنويرية . وبالمناسبة فقد تعامل معه د.رفاعة الطهطاوي بوصفه من المفكرين العلمانيين بالإضافة الى انطوان سعادة / وشبلي شميل .
ولعبت كل هذه الاسماء عبر الاطلاع المباشر على ما انتجه عقل الاخر ودعت الى تبني ما يساعد على تطوير الحياة المجتمعية . وكان لهؤلاء فعل جبار في رفد الحياة الثقافية، التي غذاها طه حسين وعلي عبد الرزاق وعباس العقاد واشار د. محمد عمارة بأن الطهطاوي لعب اهم الادوار في ترجمة ما يساعد على تطوير مجالات المجتمع والتربية والعلوم الانسانية .
الاطلاع على مشروع البعثات العلمية في عهد محمد علي تم في عهدي عباس الاول وسعيد، تبين الضبط والتوجه للاختبارات الضرورية المطلوبة لأنشاء مجتمع جديد، تتوفر فيه العلوم مثلما مثل مجال الرسم والمعمار. والترجمة الشاملة لمختلف العلوم والفنون والاداء وهي اذن بعثة ــ كما قال محمد عمارة ــ تستهدف اعداد وتأهيل الطلبة للإسهام في بناء الدولة ، واستدعاء الحضارة، لا ان يكونوا مجرد « عساكر» في « الجيش» الوطني الذي قام بمصر يومئذ للمرة الاولى منذ عصر الفراعنة الاقدمين .
****************
نقل الاستاذ محمد عمارة عن الاستاذ صالح مهدي تعبيراً ملفتاً للنظر : وهو ان هذه المدرسة قد كانت « جامعة» بالمعنى الدقيق لكلمة « الجامعة» ويتحدث هو عن الطهطاوي فيقول : انه كان يسوس هذه المدرسة المجتمعة بغاية الدقة ؟
سنحاول الاشارة للدور البارز الذي لعبه رفاعة نتيجة لما حصل عليه من معارف وعلوم وطاقة ممتازة جداً على الترجمة للعربية ليمثل بها نوعاً من العلاقة مع الاخر . وفي عام 1841 ، انشأ رفاعة ( قسم الترجمة ) كمجمع متخصص في الترجمة وقسمه الى اربعة اقسام :
1. قسم ترجمة الرياضيات 2. وقسم لترجمة العلوم الطبية والطبيعية 3. قسم الترجمة العلوم الاجتماعية 4. قسم للترجمة التركية.
انشأ رفاعة قسم الترجمة عام 1841 وتشعر الجامعات العربية اليوم بحاجتها الى انشائه من جديد فيوصل مؤتمرها الثاني / القاهرة 1973 م : بأنشاء ديوان للترجمة يتابع نقل الكتب والبحوث الاجنبية الى العربية .
كان رفاعة يحلم بأنشاء جامعة مصرية مماثلة لمدرسة اللغات الشرقية بباريس.
ولا غرابة اذا عرفنا بأن اول وظيفة لرفاعة هي مترجم بمدرسة الطب . فكان اول مصري يعين في مثل هذا العمل . اذا كان القائمون بأمور الترجمة في مصر من قبله مترجمون من المغاربة والسوريين والارمن وكانوا ينقلون عن المدرسين الاجانب الذين يتحدثون ويحاضرون بلغاتهم الاوربية الى التلاميذ ، الذين لا يعرفون سوى العربية .
ولان ما انجزه رفاعة الطهطاوي كاف لتخليد ذكره في الحياة ، لأنه تعلم من التراث الملحمي للشرق وخصوصاً جلجامش بأن الخلود هو التحقق المادي الذي يعمر الحياة .
لذلك تحدث رفاعة الطهطاوي في كتابه «المرشد الامين « عن خلود الانسان باثاره النافعة وذكراه الطيبة وسيرته الحسنة لذا كان قد غرس خلال نصف قرن في تربة هذا الوطن وعقل هذه الامة ووجدانها ــ ما يضمن الخلود لهذه الامة ، فضلاً عن خلود هذا الابن البار بها والوفي لتراثها ، الفاتح بجيشه الثقافي امام حاضرها ومستقبلها اعظم الفتوحات .
من يمتلك خبرة التدوين وتوظيف امكاناته كمؤرخ ، هو الذي دائماً ما يمرر ما يريد من خلال الحكايات التي يضفي عليها نوعاً من الغرابة واللامعقول وتطغي على زمان ومكان ، ومهما كان موضوعياً وواعياً للمنهج الذي تعلمه اثناء ممارسته لتدوينات التاريخ ، فانه يظل كامناً ،ومتستراً بتفاصيل الوقائع التي افادته بها الوثائق العديدة المتوفرة عن زمان ومكان ولأنه صاحب سلطة ، متأتية اليه من خبرته الطويلة ، فانه يتبدى حاضراً ، ولكن بسرية ، يلوذ بالوثائق ويتلاعب بها من اجل ان يقول ما يريد قوله بوضوح او تكتم.
هذا محور مهم وجوهري واعتقد ضرورة التعامل معه من قبل المنظمات والمؤسسات الثقافية بوصفه مشروعاً وجزءاً من استراتيجية ثقافية ومعرفية .
كما اعتقد بأنه فاعل في الهوية والعلاقة الثنائية مع الاخر . مثلما لهذا المشروع عناصر تكرس القبول بالأخر والتجاور واياه انه احدى حيويات الشعوب الحيّة واليقظة .
وعند الحديث عن الترجمة للعربية يستدعي بالضرورة استذكار الماضي كتاريخ ثقافة ومعرفة وهنا تتضح حيوية التاريخ بوصفه سرداً مرناً وطيعاً ينطوي على كشوفات بالغة الاهمية . بحيث يتبدّى عن طاقة مخيالية مهمة تجعل من العلاقة مع الاخر ركنا فاعلاً في حياة الجماعة .
وللترجمة مركز مهم في فضاء التواصل واقتراح حوار من نوع يوظف العلوم الانسانية والفكر الفلسفي ، لأنها معاً محفزة لذلك وفتحت نوافذ ضرورية لتصويب بعض الاراء الخاصة بالترجمة .
دعت الفلسفة الى عدم المغالاة كثيراً في ضبط النسق النصيّ ، او تكريس التحول المنضبط وفتحت الفلسفة مجالاً جديداً ، وثقت للقبول بالترجمة التي باستطاعتها نقل نسبة ولو بسيطة من النص الاصلي .
وانا اعتقد بأن ما حصل في زمن الخليفة المأمون قد ذهب بهذا الاتجاه او بشكل دقيق امتلاك الحرية. ولم يكن تسمية مشروع المأمون المبكر في التاريخ القديم ــ بالحكمة ــ لان هذا يعني ــ صوفيا ــ الهة الحكمة والفلسفة الاغريقية . والعقل وهذا كاف للتدليل على ذلك ،
بمعنى انفتاح باب واسع على التثاقف وانتقال الافكار ومجرة الرموز كما قال محمد نور الدين افاية الذين ذهب بجرأة وشجاعة الى ان المتخيل العربي ، هو الذي دفع باتجاه اثارة الاسئلة حول العلاقة بالآخر . كذلك ركز على الاخر كثيراً مع كشوف لا مجال للإشارة لها حول الاعتراف به او العمل على تهميشه .
نشط المجال التحليلي الفلسفي في مجال الترجمة لحفر في الثنائية الدينية بسبب الصليبية وتمركز الصور النمطية المسيحية عن الاسلام .
اكد المفكر محمد نور الدين افاية على الرموز وما تؤدية من دور كبير في العلاقة الثنائية بين الانا / والاخر وركز على الدور العاطفي القومي والديني والدخول بحروب قصيرة وطويلة من اجل ذاكرة الرموز .
في هذه الفعالية لابد من ضرورات استدعاء التجارب الريادية في هذا المجال للتعامل معه بوصفه انموذجاً فريداً للماضي واعني الشيخ رفاعة الطهطاوي .
نجاح الترجمة كمشروع ثقافي له عديد من الوظائف ، لها علاقة بالتعرف على الاخر وتوظيف ما يصلح لنا من ثقافة وعلوم انسانية وتطبيقية .
اتساع هذا المشروع لابد وان يتجاور مع لغة سهلة ويسيرة ومنبسطة تتخلص من المحسنات البديعية وهذا ما دعا اليه رفاعة واشار له محمد عبده . هذا يعني الدعوة لاصلاح اللغة العربية ، اشار د. محمد عبده الى الدور البارز الذي لعبه رفاعة نتيجة لما حصل عليه من معارف وعلوم وقدرة ممتازة على الترجمة ليمثل عبرها على العلاقة الممتازة مع الاخر . وفي عام 1841 انشأ رفاعة ( فلم الترجمة ) كمجمع متخصص في الترجمة وقسمه الى اربعة اقسام :
2. قسم ترجمة الرياضيات / 2. وقسم لترجمة العلوم الطبية والطبيعية 3. قسم الترجمة العلوم الاجتماعية 4. قسم للترجمة التركية . كان رفاعة يحلم بأنشاء جامعة مصرية مماثلة لمدرسة اللغات الشرقية بباريس .
واسمحوا لي ان انقل هذا الرأي عن كتابه « المرشد الامين» عن خلود الانسان بأثاره النافعة وذكراه الطيبة وسيرته الحسنة كان قد غرس خلالها نصف قرن في تربة هذا الوطن وعقل هذه الامة ووجدانها ــ ما يضمن الخلود لهذه الامة ، فضلاً عن خلود هذا الابن البار بها والوفي لتراثها ، الفاتح بجيشه الثقافي امام حاضرها ومستقبلها اعظم الفتوحات .