التشيؤ في لغة الشعر

عبد الجبار السلامي

التشيؤ مفهوم فلسفي ماركسي يعني تحويل الإنسان إلى شيء، ليس له أي دور في تأكيد ذاته الإنسانية بعد أن استلبت منه قدراته العقلية وإرادته وأصبح في حالة صنمية أو سلعية، وهذا المفهوم لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، فكل المفاهيم قابلة لأن تتشيأ سواء في المعرفة العلمية أو الدينية أو الأدبية، فالمفاهيم الإنسانية تتعالق وتتشابك فيما بينها .
استناد إلى ما تقدم سنحاول توظيف ذلك المفهوم في كشف أسرار البناء اللغوي في الشعر، فلغة الشعر في هذه النقطة تماثل حياة الإنسان، فكما إنّ الإنسان تسلب إرادته ليصبح شيئاً قد تفقد لغة الشعر حيوتها لتصبح مجرد شيء، والتشيؤ في لغة الشعر له عدة مظاهر المظهر الأول: عندما يكون الشاعر خاضعا تماما لسلطة الخطاب النقدي عندها تصبح لغة الشعر مجرد تحقق لمقولات تلك السلطة، فتصبح مسلوبة الإرادة الفنية مجرد قيمة (شيء) على وفق المعيار النقدي يسد الشاعر بها عوز المستهلك الشعري، ذلك المستهلك الذي سيكون هو بدوره خاضعا لتلك السلطة النقدية، فلن يرضيه كمستهلك شعري إلا تلك اللغة التي تشيئت بفعل تلك السلطة .
مثال ذلك ما نجده في الخطاب النقدي القديم الذي وضع حقولا معجمية ودلالية لكل غرض شعري فقرروا لغة معينة للمدح وأخرى للهجاء وللغزل ووضعوا لها قيمة جمالية، وبذلك أصبح الشعر سلعة لغوية تتحدد قيمتها ضمن تلك المقولات، عندها تفقد اللغة حياتها وتصبح مجرد شيء ليس له قيمة ذاتية بل قيمته تتحدد على وفق معيار سلطة النقد .
المظهر الثاني: هو الخضوع اللاواعي لسلطة النمط الشعري السابق، فما يختاره الشاعر من قراءات في مرحلة التأسيس الأولى ستبنى في منطقة لا وعيه نسقا يجذب إليه نصوصه فتتشيأ مواطن كثيرة من لغته، وهذا أحد مظاهر التناص، لكنه تناص لا يقوم بتشريب النصوص وتحويلها فهو في هذا الحالة يكون حيّا غير متشيء،( التشيؤ التناصي) يكون عندما يفرض النص الغائب على اللاوعي الشعري لغته عندها لن تمتلك اللغة حياتها بل تكون مجرد تكرار منمط شيء يتسلل عبر اللاوعي؛ لذلك سنجد في كل مرحلة شعرية مفردات وتراكيب لغوية تصبح بمثابة الموضة يكررها الشعراء ظانين أن الشعرية تتحقق في تلك المفردات والتراكيب، وهي في الحقيقة تصبح بذلك التكرار مجرد أشياء لا قيمة لها سوى التقليد واجترار موضة الحدث الشعري الراهن .
المظهر الثالث: ويكون التشيؤ عندما تخضع اللغة لمقتضيات الضغط الشكلي، لتصبح رقعا صوتية تسد العوز الشكلي للوزن أو القافية، فهي في هذه الحالة ليست لغة حية، وإنما مجرد شيء وكتلة بناء جوفاء، سيضحي الشاعر عندها بالمعنى مقابل الصوت، ويضحي بالكثير من ألون الصورة الشعرية من أجل الانضغاط في إطارها الشكلي .
المظهر الرابع: يتحقق في مرحلة يقع الشاعر فيها ما بين العجز الفني وضرورة الانجاز، فعندما لا يستسلم الشاعر لحالة العقم الفني المؤقت ويكون راغبا في إنجاز النص في تلك اللحظة، سيقوم بترميم النص ببنيات لغوية خاوية تسد رغبة الإنجاز وتسلب حياة اللغة لتتحول من لغة حية فاعلة إلى شيء أو أدوات جامدة يحشو بها الشاعر المساحة الناقصة .
من الصعب على الشاعر أن يخلص نصه من التشيؤ فهو متجذر في عمق قنوات العملية الإبداعية، فلا ينجو منه إلاّ شاعر يمارس الكتابة فوق سلطة النقد والمرجعيات الثقافية وسلطة النصوص الغائبة وسلطة الشكل وهذا يتطلب طقسا ظاهراتيا لايطيقيه إلا القلة من الشعراء .