التضحية والحضارة

شوقي عبد الامير

لا يبدو أنَّ ثمة إشكالية واضحة للعيان بين التضحية والحضارة لكنَّ الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري Michel Onfray قد طرح ذلك بشكل جاد في كتابه الأخير «التَّدهور» Decadence الذي أثار زوبعة فكريَّة في مختلف الأوساط الفكريَّة والدينيَّة والسياسيَّة في فرنسا وخارجها.
يرى أونفري أنَّ مستقبل الحضارة الغربيَّة الحاليَّة، التي يطلق عليها اسم «الحضارة اليهو ـ مسيحيَّة» Judeo – Christian معتماً، لدرجة أنّهَ يقول: «إنَّ الحضارة اليهوـ مسيحيَّة» تلفظ أنفاسها الأخيرة. وهو في تصريحه الخطير هذا يعزو الأمر إلى أسباب عديدة تضمَّنها كتابه المشار إليه، وأهمها – وهو ما نحن بصدده – انعدام القدرة على التضحية لدى شعوب هذه الحضارة، حيث يلاحظ أنَّهم ليسوا مستعدين للدفاع عنها والموت من أجلها، فاذا سقطت ضحيَّة أو بضعة قتلى للدفاع عن هذه الحضارة في «جبهات الشرف» فإنَّ الاحتجاجات ومشاهد الغضب تتوالى بين الناس، بحيث يمكن أن تسقط حكوماتٍ بعينها. وهو يستخلص من هذه الظاهرة أنَّ هذه الشعوب ليست مؤمنة بقيم ومبادئ حضارتها لتدافع عنها حتى الموت.
وهنا يقارن أونفري هذه الظاهرة بما يحدث لدى أبناء الحضارة الإسلاميَّة الذين نراهم يموتون بالآلاف دفاعاً عن قيمها ومبادئها بغضِّ النظر عن تقييمنا لهذه المبادئ والأفكار التي يدافعون عنها، لكن على العكس من أبناء الحضارة اليهو ـ مسيحيَّة (الغربيَّة) يضحُّون بالآلاف دفاعاً عن مبادئهم وقيمهم، ويضيف: «أنا لا أريد أن أدافع عن تلك المبادئ، فأنا على اختلاف حادًّ معها، لكنَّني أجد في قدرتهم على الموت بأعداد هائلة من أجل مبادئ يؤمنون بها ظاهرة لحضارة تُولدُ وفي عدم استطاعة شعوب أخرى الموت من أجل مبادئها التي تؤمن بها ظاهرةً لحضارة تموت..».
هذه هي وجهةُ نظر الفيلسوف الفرنسي الذي تعرَّض إثرها لاتهامات بأنَّه يدافع عن التَّطرُّف والعنف حتى أنَّ بعضهم وصفهُ بأنَّه «داعشيّ».
ولكي نفهم أكثر ميشيل أونفري لا بدَّ من معرفة رأيه بالحضارات ونشوئها، فهو يعتقد أنَّ الحضارات كلَّها ولدت مع ظهور الأديان وتطوَّرت معها بحيث ارتبطت كلُّ حضارة بدين، وهكذا كانت الحال في الحضارات الأولى كالسومريَّة والبابليَّة والفرعونيَّة التي واكب ظهورها نشوء الأديان الوثنيَّة وانتهت بموت هذه الأديان وآخرها الحضارة اليونانيَّة التي اختفت بمجيء الحضارة الرومانيَّة، التي بدأت وثنيَّةً لكنَّها استمرت كحضارة «يهو ـ مسيحيَّة» Judeo – Christian بعد أن تنصَّر الامبراطور الروماني كونستنتين Constantine في العقد الثالث من العصر المسيحيّ واستمرت هذه الحضارة إلى يومنا هذا وهي ما يسمَّى بالحضارة الغربيَّة.
أمّا الحضارة الإسلاميَّة فهي الأخرى مرتبطة بنشوء الدين الإسلاميّ وقد تطوَّرت وسادت في مرحلة سيادته على العالم وتراجعت بتراجعه.
من هنا يجد ميشيل أونفري أنَّ شعوب الحضارة اليهو ـ مسيحيَّة ليسوا مؤمنين بقدر كافٍ بقيمهم، كما كانوا في القرون الوسطى مستعدين للموت بالآلاف لنشر الدين المسيحيّ والتَّبشير به وكما حدث في الحروب الصليبيَّة التي يدلُّ عليها عنوانُها.
إنَّ وجهة النظر هذه التي تربط بين الحضارة كوعي وفكر وعلم وتكنولوجيا وتجربة إنسانيَّة متطوّرة وبين فكرة التضحية، أي الموت، تبدو لي غير كافية لاحتواء أبعاد المشهد الحضاريّ وتناقضاته.
لا يمكننا الاكتفاء بعدم الرغبة في الموت من أجل المبدأ لاستنتاج أنَّ المبدأ غير قابل للحياة، وعلى العكس من ذلك اعتبار استعداد طائفة؛ مهما كانت كبيرة للموت من أجل أفكار ومبادئ مبرِّراً للحكم بقدرة هذه المبادئ على الحياة.
لقد عرف التأريخ الإسلاميّ والعالمي ظهور حركات انتحاريَّة مات من أجلها الآلاف كما حصل في الثورات القرمطيَّة والزنج في الإسلام وحركات التّطرُّف المسيحيّ مثل «محاكم التَّفتيش» في القرون الوسطى ولكنَّها جميعا انتهت أو تطوّرت وانصهرت في حركة التأريخ.
إنَّ السؤال الذي يطرحه ميشيل أونفري مهمٌّ وهي التفاتة فلسفيَّة لفهم الأحداث والتطوُّرات في ما يعرف اليوم بصراع الحضارات، لكنَّ جوابه يكمن فيه، ذلك لأنَّ الحضارة الغربيَّة اليوم قد عمَّقت إحساس الإنسان بالحياة حتى أصبحت هذه الحياة هي المقدَّسة التي لا يمكن ـ بسهولة – القبول بالموت حتى من أجلها.

وإنَّ الحضارة اليهو ـ مسيحيَّة عندما كانت تقدِّم آلاف الضحايا دفاعاً عن رسالتها كانت تقتل وتدمِّر وتلغي كلَّ من يقف في طريقها، وبهذا لا هي بالأمس ولا ما يحدث اليوم باسم الإسلام، يمكن أن يشكِّل قياساً أو مرجعاً في مفهوم صراع الحضارات وتطوُّرها.