التنوير بين القبيلة والمذهب

من الجهويّة الاستعمارية إلى الكونيّة الإنسانية

د. رسول محمد رسول

لقد انتهينا إلى أن التنوير هو خطاب أقلية، والأقلية يجب ألا تنطوي على بدئيات جهويّة، ولا تنطلق منها؛ فالشخص التنويري لا يمكن أن يفكِّر بمنطق القبيلة، ولا «المذهب» الديني، ولا المنحى المناطقي، كذلك لا يمكن له التفكير بمنطق جماعاتوي تعتمده هذه الجهويّات المعطِّلة للحرية الإنسانية الكونية، وفي الوقت ذاته لا يمكن له أن ينفي أنه هو ذاته الجزء الحيوي ضمن الجماعة الإنسانية عندما تكون، خصوصاً عندما تكون فوق جماعاتها الجهويّة.

أصبح واضحاً، وفي ضوء تجارب معاصرة ما زالت حيّة في كثير من مجتمعات القرن 21، أن هذه الجماعات الجماعاتوية كالأحزاب السياسية الدينية التي أصبحت مخرجات متسلِّطة في ضوء غياب قانون الدولة المدني وشيوع ثقافة الملة الجهوية في عصر الفوضى الخلاقة مثل: ملة العرق، وملة المذهب الديني، وملة المنطقة التي صارت تطرح كينونتها كمركزية في المجتمع بحيث تفوق سُلطتها سُلطة الدولة في حالة انهيار هذه الأخيرة وعلى نحو تداولي صارخ الوجود في زمن هذه الفوضى، لا سيما «الفوضى الخلاقة»، هذه السياسة التي انبرت لتعذب الشعوب المغلوب على أمرها في مطلع الألفية الثالثة، والتجارب كثيرة في الوطن العربي، خصوصاً السياسات التي انداحت في ركبها بإرادة كولونيالية جديدة مسرفة الغايات بذيئة الأهداف والنوايا.

المواطنة الكونيّة
على عكس كل ذلك، لا بد للتنويري أن يتخلّص من كل هذه العوائق والعقبات؛ بحيث يفكِّر – الشخص التنويري – بمنطق كوني الاتجاه، ويرتمي، مطمئناً، في بحر الكونية، وذلك لعمري هو «الحق» الذي يجب أن يدافع عنه كل إنسان؛ بل «يتمتع به كل إنسان بصفته إنساناً» – على حدِّ تعبير الفيلسوف الألماني كرستيان فولف (1679 – 1754) – فهذا النموذج الراقي وعندما يؤمن بأنه إنسان في المعمورة الكونية، لا بد له أن يعي أنه إنسان وليس مُجرّد كائنية بشرية تأخذها الصدفة إلى حضيرة لا يعيش فيها إلا من هم دون مرتبة ما نعده «الإنسان» بحيث يفكِّر وجوده ونظيره الإنسان في بوتقة الإنسانية جمعاء.
في القرن الثامن عشر كان دنيس ديدرو (1713 – 1784)، وهو ألماني نمساوي، كتب إلى الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم (1711 – 1776) رسالة قال فيها: «أنا فخور بأن أكون مثلك مواطناً في مدينة العالم الكبيرة». وكان هيوم في كتابه (التاريخ الطبيعي للدِّين: ص 123) قد قال: «لا شيء يمكن أن يكرّم الإنسانية أكثر من يتم اختيارها من كل أجزاء الخلق الأخرى». وفي هذا المشترك بين كل الأجزاء تكمن وتفوح منه إنسانية الإنسان، فما أحرانا بإنسانية للبشر تكون هادياً لهم ولنا في مسعانا للعيش؟
ما يتعلّق بما قاله ديدرو حول «المواطنة»، التي هي ليست عيباً في حياة المرء الحديث ولا المعاصر، كان الإنجليزي شارل مونتسكيو (1689 – 1755) قد قال يوماً: «أنا إنسان بالضرورة ولستُ فرنسياً إلا بحكُم الصدفة».
وفي ضوء ذلك، يمكن من جهتي أن أقول: «أنا إنسان بالضرورة ولستُ عراقياً إلا بحُكم الصدفة». ولا بأس ههنا من تذكُّر ما قاله الإيطالي سيزاري بيكاريا (1738 – 1794) في يوم ما عن مفهوم الحق: «إن كل كائن بشري، وباعتباره عضواً ينتمي إلى النوع البشري وليس باعتباره مواطنا من هذا البلد أو ذاك، له الحق في الحياة».
وبذلك، فإن وجود الإنسان، وقبل أي توصيف انتمائي آخر، هو المركز، وتوصيف الإنسان كمعنى جوهري نحن كنّا أخطئنا بوصفنا بشراً عندما رميناه إلى النسيان، وذلك شيء مؤسف؛ فكم نحن بحاجة إلى تذكُّر الإنسان فينا؛ بل وتفعيل دلالة ذلك في راهن عالمنا المعاصر بعد أن أدّى نسيانه – نسيان الإنسان – إلى مآس فادحة عندما تغلبت الغريزة الحيوانية الرعاعية لدينا على السلوك الإنساني في كل مناحي الحياة.
إن بناء أي منحى تنويري لا بد أن يستعيد «الإنسان» من طوائل النسيان، وتلك من مَهام الشخص التنويري الذي لا بد أن يضطلع بها في مقدِّمة وجوده كإنسان تنويري، ليتبع ذلك ضرورة الانتقال بالإنسان من كونه مُجرّد كائن بشري تسيّره الغريزة الجهويّة إلى موجود إنساني يتعالى على مجرّد وجوده الجهوي خالق المصائب ومنتج ويلاتها في الحياة والوجود.
وإذ تراني أتحدّث عن «الشخص التنويري» فأعني به أيضاً «الفيلسوف التنويري»، و«المفكِّر التنويري»، و«الفنان التنويري»، و«الناشط التنويري المدني»، وتحت أو ضمن هذه التسميات يقبع «الإنسان التنويري»، وهذا الأخير هو ذلك الموجود المتنوِّر الذي خرج بعقله الرشيد ووعيه العميق من جهويّات الغرائز ضيقة الأفق، ظلامية الفضاء، إلى فضاء الإنسانية رحيب النور فيه.

الفوضى الخلاقة
في المجتمعات التي طالتها سياسات «الفوضى الخلاقة»، فاحشة الصيت تدميرية الهوى، كالعراق بعد انهيار نظامه السياسي في سنة 2003، أصبح هذا البلد العربي العملاق، في تأريخه ومنجزه الحضاري، مسرحاً لتلك الرؤية السياسية الفوضوية، الرؤية التي كانت قد وردت في بعض أدبيات الماسونية (Freemasonry) من ذي قبل، وتمّت عملية بث الروح فيها من جديد لإحيائها في سنة 2005 ضمن استراتيجية «الشرق الأوسط الجديد»، وهو الإحياء الذي كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأته قبل هذا التأريخ في معرض تحضيراتها لغزو العراق، فأحالت الوطن العراقي إلى مسرح يغزوه القتل المجاني والتدمير المنظم، وتفكيك الدولة العراقية، وشبرقة المجتمع الوطني، وإحياء التصادم الجهوي داخل المجتمع في أقذر أشكاله سوءً مثل إحياء النزعات العرقية والمذهبية – الدينية والمناطقية والطائفية، وإشاعة الجريمة المنظَّمة في المجتمع، والترويج للفساد المالي، وشبرقة المنظومة الأخلاقية للشخصية العراقية، وتفتيت بنية الضمير لدى الفرد العراقي، وغير ذلك مما رآه كل العالم بأم عينيه منذ نيسان/ أبريل 2003، والخراب لا زال يتواصل حتى كتابة هذه الكلمات.
واتضح من ذلك، وبعد أن استمرّت فاعلية هكذا رؤية عدمية، أن الدولة العراقية، وكذلك المجتمع العراقي، والإنسان العراقي، قد تعرّضوا إلى عملية تجريد الدولة من إنسانيتها، وتجريد المجتمع من إنسانيته، وتجريد الإنسان ذاته من إنسانيته، فأصبحت الدولة والمجتمع والإنسان غارقة في بشرية غرائزية رعاعية استحسنت الاقتتال والتدمير والسرقة والنصب والاحتيال والكذب اليومي إلى غير ذلك من صور الأخلاق الاستهلاكية السيئة.
ورأينا في خلال خمس عشرة سنة وأكثر – حتى كتابة هذا المنشور – أن فوضى التدمير طالت كل مفاصل بنية هذه الثلاثية؛ الدولة والمجتمع والإنسان، من دون تمييز حتى أصبح أمام المثقف والمفكِّر والفيلسوف والفنان والناشط المدني انتشال الأنطولوجيا العراقية من مستنقع غريزتها الفوضوية، وتحرير المجتمع من غريزته الأخلاقوية التدميرية، وتخليص الإنسان من غريزته البشرية الهائجة بإحياء «الإنسان الإنساني» في كل مفاصل هذه الأنطولوجيا برمتها، المادية والمعنوية، لتصبح لدينا دولة إنسان، ومجتمع إنسان، وإنسان إنسان.
إنها المَهمة التي لا بد أن يضطلع بتحقيقها «الإنسان التنويري» الذي ندعو إليه في إحلال دولة الثورة الشاملة على الفوضى التي أصبحت لا خلّاقة في التجارب العراقية والسورية والليبية واليمنية. هذا الإنسان التنويري الذي لا بد أن ينتقل من جهويّات الخراب والتبعية للسياسات الإمبريالية الجديدة بوصفها جهة كولونيالية، وتكريسات البشرانوية الغرائزية – بشراونوية: بشرية متطرِّفة – التي تطبّل لها هذه المرجعيات التدميرية التي تتضاد مع كل ما هو تنويري يتفوّق به الإنسان على بشريته الغرائزية ورعاعيته ليحقق العدل والحرية والمساواة في الحياة.
جاءت فلسفة «الفوضى الخلاقة» بوازع كوني في عصر متعولم ها نحن نعيشه في ثبوره وصوره الإهلاكية، إنه عصر كونية إمبريالية منطقها ومؤداها كولونيالية متجدِّدة هدفها افتراس إنسانية الإنسان بإعلاء صوت الغرائزاوية – أقصد: غريزية متطرفة – فيها، وتسويقها على أنها حقيقة يعمل بها ذيول هذه السياسة بالعالم العربي، وهي السياسة التي يطبقها العراق بعد التغيير من دون رغبة المجتمع بها فتأخذ منحى القسر عبر تحويل دفة الاقتصاد إلى يوميات مفروضة على الشعب ضاجّة بلغة الاستثمار والخصخصة واقتصاديات السوق التي لم يستسيغها الشعب العراقي الذي رمته الكولونيالية الأمريكية في أتون حروب تدميرية عدّة، وسوّقت له أعتى مجرمي الإرهاب بكل أشكال الإسلامويّات المتطرِّفة.
إن مَهمة المثقف التنويري تكمن، من بين ما تكمن، بتخليص الكونية الإنسية من تبعات فهم الإمبريالية العالمية والكولونيالية الجديدة للكونية بوصفها تبعية الهامش للمركز، والكبير للصغير، والقوي للضعيف. إن الكونية التي لا بد أن يضطلع الشخص التنويري بها هي الكونية المتحرِّرة من كل فوضى التبعية المجحفة لمعنى الإنسان كإنسان.