التنوير

إدريس كثير

التنوير دليل استعاري يدل على فعل مجابهة الظلمات. وأول خطوة في درب تحقيق هذه المجابهة هي الخروج من القصور والعطالة. سواء أكان ذاتياً أم موضوعياً. وشروط تجاوز هذا العجز وهذا العطب، أولها استعمال العقل من حيث هو حس نقدي وثانيها الاعتراف بقيم الإنسان وثالثها التشبث بنسبية الحقائق ومحبة الحياة والارتباط براهنية الحاضر وأهميته وإيلاء الجسد بكل ما فيه من رغبات وميول وانفعالات الأهمية القصوى.
إننا كأمة عربية إسلامية بعيدون كل البعد عن هذا المتاح للبشرية قبل أن يتساءل كانط عن معنى التنوير بقرون. نحن لا نسير في اتجاه طريق التحرر من الظلمات. بل يبدو أننا، على العكس من ذلك، سائرون تائهون القهقرى نحو ظلمات الماضي نضخّم من منجزاته ونتشبث بها.
تشبثنا بالماضي تتحكم فيه قناعات بأننا نملك الحقائق المطلقة. لكن من أين نبعت هذه القناعة؟ وكيف بتنا عنصريين وسط الأمم؟ هل حقاً نحن «خير أمة أخرجت للناس»؟
يبدو أنه بات من واجبنا التخلّي عن هذه المستبقات حيث أنه لا وجود للحقائق المطلقة البتّة. والتاريخ يؤكد ذلك. زمن الاطلاقيات ولّى واندثر. وبما أن الأجوبة النهائية في هذا المجال غير ممكنة، فلتتعدد المقاربات والمسلكيات وتتنوع سواء جاءت من الدين أو من التصوف، من الشعر، الفلسفة، والعلم.
علاقتنا بالآخر لا يمكن أن ترتهن «بالإيمان والكفر»و لا بالجهاد والسبي .. بل نحن أضعف أمة على الأرض ومن مصلحتنا البحث عن نقاط التّماس السلمي والثقافي، لأن المفاضلة بين الأمم لا معنى لها فنحن زوار كغيرنا لمدة محدودة في هذا السّفر الكوني.
انخرط العالم المتقدم في إبداع التكنولوجيا الرقمية وعولمها على العالم البشري برمته وكان انخراطنا في الشبكة برغم أنفنا وانجرفنا مع التيار منفعلين لا فاعلين، لم نحقق الانتقال بكل أشكاله السياسي والثقافي والحضاري.. في أية لحظة من تاريخنا.. تراكمت الحقب التاريخية دون أن تستنفذ أية واحدة منها مهامها وتؤتي أكلها. وإذن التاريخانية لا تصلح لتاريخنا و لا لمجتمعاتنا، كل الحقب تتعايش فينا وتندغم، متوسط وعينا هو خليط من اللاهوت والشعر الجاهلي والفروسيات والآداب السلطانية والتقليدية. حظنا من الحداثة هو ما جادت به الأمم الأخرى وما فرض علينا فرضا ومكثت مظاهرها برانية خلاسية تتمظهر في اللباس والأكل والمعمار و لم تنطبع في روحنا وماهيتها وسلوكياتنا أبد الآبدينا.
أمام وضعية كارثية كهذه نحتاج إلى اجتثاث جذري.. وندعو لتحقيق ذلك إلى ثورة ثقافية، لا نرى لها من مبدأ سوى الدولة لكن حين تتوفر على نومونكلاتورا قوية ووطنية.
يظهر أن ترتيب موازين القوى في المجتمع السياسي لم يعد يخضع للصراع السياسي كما كان فيما مضى. كل الهيئات السياسية والحزبية التي كانت تواجه إكراهات الدولة وتوجهاتها اللاوطنية بسند من القوى الشعبية والفئات المتوسطة نفذ مخزونها النضالي وتغيرت إبدالات عملها وباتت تميل إلى ممارسة السياسة من داخل المشاركة الرسمية وتحوّل السند الشعبي إلى صالح هيئات ماضوية ظلامية تستغل فقره وضائقته كما تستثمر عاطفته الدينية العفوية والفطرية …
إن عطب شعلتنا آت من هيمنة هذا الاتجاه السلفي على المجتمع السياسي والمدني الخيري، وتكلفة هذا العطل والوهن في التدبير السياسي نؤديها حاليا غاليا كعقاب لنا على إثم لم نقترفه إلا سهوا أو سنة .
الصراع على السلطة لم يبق ضد السلطة بل عاد مع السلطة، لأننا لم نعد نريد هيمنة إيديولوجية ما، ذلك أن زمن الإيديولوجيا قد ذبل وخبا، نريد فقط للمجتمع أن ينهض وينتفض ضد كسله ويشعل شمعة بدل أن يلعن الظلام.