الثقافة : سؤال العراق الكبير

شوقي عبد الامير

لا يختلف اثنان في أنَّ سؤال العراق الكبير، الوطن الجامع الأمّ والحضن الأعمق هو سؤال ثقافيّ بامتياز لأسباب تجعل منه أمراً بديهيَّاً.
إنَّ الامتداد في الزمن لما يقارب سبعين قرناً تأسَّستْ عبرها الملامح الأولى لهذا الوطن، بتراكمٍ معرفيّ إبداعيّ فكريّ دينيّ متعدِّد ومتواصل حتى يومنا يشهد عليه الموزائيك الكبير من المكوِّنات العرقيَّة والدينيَّة والطائفيَّة.
لم يأتِ هذا الأمر محضَ صدفة، إنَّه المصهر الحضاريّ الأقدم الذي تبلورت في داخله أروع مبتكرات العقل الإنسانيّ إبداعاً وإيماناً، فكراً ونظاماً وقوانين، تجاوزت حدود العراق إلى الإنسانيَّة جمعاء.
هذا العراق حاضرٌ في الذاكرة الجمعيَّة والفرديَّة بكلِّ انتماءاتها، بحيث يُشكِّل الهويَّة الأعمق والملمح المشترك لكلِّ عراقيٍّ، مهما تعدَّدت المشارب والانتماءات ومهما التهبتْ ساحات الصراع ذات الطابع الطائفيّ أو العرقيّ.
هذا العراق؛ مصهر الحضارة لا يحمل هويَّةً محدَّدةً بطابع يختصُّ بمكوِّنٍ دون آخر، مهما كان حجم المكوِّن وثقله.. إنَّ الهويَّة الأوسع والقاسم المشترك الأعظم فيه هي الثقافة..
الكلُّ مُجْمِعٌ على الإيمان بالعراق، عراق الجميع لكنَّ الحاضرة السياسيَّة وتجاذباتها التي تصل حدَّ الصِّدام المسلَّح بين مكوِّنات هذا الشعب؛ من شأنها أن تُقصيَ العراقيَّ عن جذوره الثقافيَّة التي تعبر فوق كلِّ الاختلافات بحيث يتصاغر الوطن إلى كتلٍ ومجاميعَ وأحزابٍ وطوائفَ لا تختلف وحسب بل وتتقاتل..
يحدث هذا وبقوَّة منذ سقوط الدكتاتور حيث بدأت أعظم تجربة في الحياة السياسيَّة وبناء الدولة الحديثة؛ وهي الديمقراطيَّة كما لم يعرفها العراق ولا حتى دول المنطقة خاصَّةً العربيَّة منها.
إنَّ تبنِّي الديمقراطيَّة كنظام لتبادل السلطة سلميَّاً في العراق منذ سقوط الديكتاتور يُشكِّل تحديَّاً جذريَّاً لكلِّ ماضي الحياة السياسيَّة ويَعِدُ بفتح أبواب المستقبل لدولة حضاريَّة أولى من نوعها في المنطقة.
من هنا نفهم حجم وخطورة الارتدادات في جسم المجتمع العراقيّ وخارجه وهو ما انعكس عبر رهانات خارجيَّة وداخليَّة سلباً على حياة الناس من خلال تصاعد موجات العنف والصراع الداميّ الذي استهدف كيان الدولة العراقيَّة بوصفها الرائدة في سيرورة من شأنها التَّأسيس لكيانٍ سياسيِّ لا ماضي له؛ عراقيَّاً وعربيَّاً.
كان السلاح الأوَّل ــ الذي نجح إلى حدٍّ ما ـ هو عزل العراق عن عمقه الحضاريّ وامتداده الثقافيّ وحصره في تكوينات مجزَّأة متصارعة في ما بينها، إمَّا عرقيَّاً أو طائفيَّاً..
واليوم، وبعد أن أَفشلَ العراقيون بوعيهم العميق وإيمانهم بهويَّتهم الكبرى هذه السياسات، صار لزاماً علينا جميعاً العملُ على ترميم الهويَّة العراقيَّة وذلك بالاحتفاظ بكل تنويعاتها وألوانها ولا سبيل لذلك الّا في إعادة اللُّحمَة الثقافيَّة والانتصار إلى الفكر الإنسانيّ العابر للطوائف والقوميات..
لقد كانت أولى ضحايا سياسات التَّمزيق والتَّجزئة لكيان العراق هي الدولة العراقيَّة، فهي التي تعاني من أشدِّ مظاهر التَّخريب والدَّمار والتَّشويه، التي زعزعت كيانها بما نشهد عليه في كلِّ مرافقها بشكل لا تقدر معه أن تؤدي دورها في هذه المرحلة الحسَّاسة من تأريخنا المعاصر وهي الخروج من الدولة الديكتاتوريَّة إلى الدولة الديمقراطيَّة..
من هنا فإنَّ ترميم الدولة وإعادة هيبتها وصونها من كلِّ المحاولات الهادفة إلى تفتيتها هو المهمَّة الأولى للمضي في عمليَّة البناء الديمقراطيّ التي بدأت قبل عقد ونصف والتي تعاني من مشاكل ليست فقط في العنف والإرهاب إنَّما حتى في آليَّة ونظام عملها وثقلها في المجتمع..
هذه المهمَّة ليست دينيَّة ولا طائفيَّة ولا عرقيَّة ولا اقتصاديَّة ولا سياسيَّة؛ إنَّها قبل كلّ هذا مهمَّةٌ ثقافيَّةٌ مرتبطةٌ بهويَّة الوطن والأسبقيَّات التي يفترضها بناء هذه الهويَّة وصونها، هذه الرسالة الأنبل هي رسالة العراق الكبير..