الجميع يعرف بخصوص إيلي

الوليد خالد

كان المخرج الايراني أصغر فرهادي موجوداً في إحدى قرى اسبانيا وشاهد ملصقات على الجدران واعمدة الكهرباء لصورة فتاة مفقودة منذ أيام، من هنا كانت بداية الفكرة لفيلم (الجميع يعلم)، الفيلم الذي تم تصويره بالكامل في اسبانيا، تبدأ احداثه عندما تنتقل «لورا» من الأرجنتين حيث تعيش مع زوجها وأولادها، الى مسقط رأسها في مدينة صغيرة في اسبانيا لحضور حفل زواج اختها، وخلال وجودها هناك للاحتفال مع عائلتها تلتقي بحبيبها السابق «أليخاندرو»، لكن أحداث الفيلم تبدأ بالتغيير عندما تختطف ابنتها المراهقة ومن خلال هذه الحادثة يتغيَّر المسار الدرامي للفيلم وتفتح أبواب الماضي وتنكشف اسرار عائلية وشخصية كانت طَي الكتمان لسنوات طويلة.
قد تبدو هذه القصص (حتى للمهتمين بالسينما) أنَّها قصص عادية عابرة، لا تصلح لأن تكون فيلما مهما يفتتح به مهرجانا ضخما مثل (كان)! ولكن ولأنَّه فرهادي/ الذي يعرف تحويل الحكايا العادية والقصص العابرة الى مادة غنية تعرض على الشاشة الكبيرة/ وهنا أزعم بأنه الذي يعرف إحالة القصص العادية للسينما في ايران والمنطقة ولا غرابة بذلك لأنَّه تلميذ المعلم الكبير الراحل كيارستمي، يضاف له المخرج الفذّ (نوري جيلان)، دخل أصغر فرهادي هذا التحدي، تحدي أن تتناول قصة عادية حالها كحال العشرات من القصص التي نسمعها يوميا لتحولها الى فيلم سينمائي ومن بطولة أسماء مهمة كخافيير بارديم.
من جملة التحديات/برأيي/ التي قبلها فرهادي في فيلم (الجميع يعرف) هو العمل في بيئة لا تشبه بيئة أعماله السابقة وهنا أعني (ايران) من ناحية نوعية الجغرافيا ومستوى الامكانيات الفنية والأدوات التقنية والتعامل مع الممثل الاجنبي(غير الايراني)، حتى وان قال المخرج نفسه في مؤتمر صحفي عقب عرض الفيلم في مهرجان كان 2018؛ انه اسبانيا في مناطق تصوير الفيلم قد تتشابه مع طبيعة ايران من ناحية الجغرافيا وبعض الامور الحياتية.
لكن في النهاية يبقى تحديا برأيي نجح فرهادي فيه، وبالعودة الى نوع الحكاية (العادية) التي حوَّلها الى فيلم، فنجد أن فيلمه (about elly) ما هو الا حكاية عادية ايضا ولاختفاء فتاة إيضا!، في سفرة سياحية عادية وهذا ما دفعني الى أن أجزم بأن فرهادي هو الوحيد في المنطقة (مع نوري جيلان) الذي باستطاعته تحويل القصص العابرة الى فن سابع مع الاحتفاظ بقيمة جمالية رائعة.

التَّناص الجمالي
في فيلم أصغر فرهادي (الجميع يعرف) ينتقل الشَّك بشكل محسوس للمتلقي، ويدخل في (حيرة لذيذة) حول شخوص الفيلم، أيُّهم أقرب للخير من الشر، من كان سبباً في اختفاء الفتاة؟، تماما مثل ما حصل في فيلم فرهادي الذي أشرت اليه (about elly)، فالمتلقي لا يقطع خيطاً من خيوط الشك التي يربطها بكلّ شخوص الفيلم! ولا يعطي فرهادي فرصة لمشاهدي أعماله أن يجزموا بأن هذه الشخصية هي من تمثل الشر او تلك الشخصية التي يقبع بداخلها الخير وهذا ما أسميه (بالحيرة اللذيذة)!
في (الجميع يعرف) قصَّة حبّ غابرة وقديمة، تطفو الى السطح من جديد، حب يظنُّ بعض المعنيين فيه أن الجميع لا يعرف به!، لكن وبحديث عابر نكتشف أن تلك العلاقة الغرامية الساحقة هي حديث البلدة وأن الجميع يعرف!، ولنا أن نتخيَّل شعور أن يعرف الجميع بأجمل وأعمق سرّ لدينا!.
الحبّ الذي يكون سببا للربح او حتى للخسارة أحيانا، الحب الذي يدفعنا للتصرف على غير طبيعتنا حين يكون ضربا من الجنون والهيام، هو ما دفع الخاطفين لخطف فتاة يافعة، مرتكزين على سببين؛ الاول أن الجميع يعرف بحب خافيير بارديم لحبيبته المتزوجة وابنتها المخطوفة والسبب الثاني هو ان الفتاة المخطوفة هي ابنة خافيير بارديم بالحقيقة، جاءت عن طريق علاقة غير شرعية!
الشك الذي يسري في عروق المتلقي الذي يشاهد (الجميع يعرف) هو ذاته الشك الي يراودنا حين نشاهد شخوص فيلم فرهادي الاخر (about elly)، وهذا ما قاله ايضا فرهادي في مقابلة مع برنامج (سينما بديلة) على البي بي سي، قال: إن الشخوص في فيلم (انفصال) الحائز على جائزة الاوسكار، هم خليط من الشر والخير، هم تداخل بين المفهومين، فلا يمكن للمشاهد بأن يختار أحد ابطال الفيلم على انه يمثل الجانب الجيد او السيّئ، لأن كل شيء نسبي في الحياة وهذا ما أريد تمريره للمشاهد في فيلم (انفصال) وبقية الافلام.

دلالة الطين والماء والعائلة
في لقطة عابرة وبكادر ثابت بلا حركة، يضع أمامنا فرهادي صورة لحذاء شابة من عائلة الزوجة الكبيرة، حذاء مغطى بالطين، يشير الى طريق طيني غير معبد، في أطراف البلدة ربما، وهنا دلالة الحذاء بوصفه إشارة لخطوات كلّ شخص باتجاه أفعاله يضاف اليها رمزية الطين الذي جئنا منه.
العائلة التي قد تكون سببا في القوة او الضعف هو اشتغال فرهادي في (الجميع يعرف)، وهذا ما كان ثيمة فرهادي أيضا في فيلم (بخصوص ايلي)، ولم يبتعد عن الحقيقة، فضعف المجتمع او قوته يأتيان من وحدة صغيرة تسمَّى (العائلة)، وهذه إشارة قد تبدو بسيطة لكنَّها بمدلول (انثربولوجي) منطقي.
في آخر مشاهد فيلم (الجميع يعرف) يظهر في الكادر (وبخارج التركيز) عمالٌ للنظافة يرشون الماء على الشوارع ويغسلونها، وهي دلالة رائعة على أن بإمكان الماء أن يغسل الحكايا القديمة لتذهب عبر السواقي لباقي الأزقة التي لا تعرف تلك الحكايا او ربما تتلاشى في مصبّ ما وتنتهي، يضاف لذلك دلالة الماء على دلالة الطين الذي علق بالأحذية، فما الحياة الا طين وماء او ربما الماء الذي زاد الطين بلة!
يُحسب لفرهادي عدم إيقاع المشاهد في حفرة (الخلط) بين شخوص الفيلم الكثيرة بأسمائها الغريبة، كان هذا عبر بناء درامي هادئ أعطى فيه لكل شخصية مساحة كافية لأن تعلق بذاكرة المتلقي ويحفظ ليس اسمها فحسب، بل حتى عملها ومكان إقامتها في البلدة الصغيرة.

فرصة تمرير الرسالة
هذه هي المرة الاولى التي يصوّر فيها المخرج فرهادي فيلما بلغة أجنبية غير إيرانية وفي خارج إيران، في هذه التجربة السينمائية التي تعتبر الثامنة في تاريخ المخرج الذي سبق ان تنافس مرتين على السعفة الذهبية لمهرجان كان عن فيلمين وهما The Salesman العام 2016 الذي فاز عنه فرهادي بجائزة أفضل سيناريو وفيلم The Past عام 2013، فرهادي حضر مع طاقم الفيلم المؤتمر الصحفي عقب انتهاء عرضه للصحافة واستغل فرصته ايضا بأن يمرِّر رسالة قد يفهمها البعض بأنها سياسية أكثر منها فنية؛ فوجّه فرهادي رسالة للمسؤولين في الحكومة الإيرانية مطالبا بالسماح لزميله المخرج الإيراني جعفر باناهي بالسفر الى فرنسا لحضور مهرجان كان، وانه من غير العدل ان يكون فيلم باناهي مشاركا في المهرجان ولن يتواجد مخرجه لحضور عرضه الاول عالميا.