الحاضر بمنجزه العلمي في ذكرى رحيله الثامنة

د. حسين القاصد

استعجل العودة الى بلده العراق ، فاستعجله القدر ، وهو المناضل المقارع للنظام الساقط، وهو قبل ذلك وبعده ، المحقق البارع والشاعر المجيد ، والباحث الجريء ، والمؤلف في كل مجالات الابداع ؛ ولعل تفرده يكمن في هذا الشأن ، والا فما علاقة شاعر واستاذ مختص بالأدب قديمه وحديثه ، ان يؤلف كتابا اسمه (جهاز المخابرات في الدولة الاسلامية ) وما علاقته بــ ( فن التمثيل عند العرب ) فضلا عن انجازاته الرصينة من مثل ( الجواهري ـ دراسة ووثائق ) وكتابه الذي أحرج المحققين وفضح جهلهم واوهامهم ( أوهام المحققين) انه محمد حسين الاعرجي ، العلامة الكبير الذي يحكي لنا عن عودته للعراق : (عُدتُ إلى العراق في يوم 19/ 9 / 2004ـ على غير توقّع منهم ـ بعد سقوط النظام الساقط؛ فأثريتُ ببيع قطعة أرض لقاء بيتٍ من أجمل بيوت العامرية، وهيّأت لي أن تُحتسب مدّة غربتي لأغراض التقاعد، وهيّأت، وهيّأت.
وكانّ كلّ هذا لم يكن عندي رغم رفاهيّتي الاقتصادية وحريّتي إلاّ باطل الأباطيل وقبض الريح) ثم سرعان ما شكا ونبض الندم في وجدانه حين لاقى ظلما لم يلاقه مبدع اخر بمكانته ومنزلته : ( وإذا كنتُ آسفاً لشيء فأنا مازلتُ آسفاً، نادماً أنّني عدتُ إلى هذا الوطن الذي أهانني في منزلتي العلمية؛ فقد عدتُ إليه وأنا أستاذٌ منذ سنة: 1989 فأعاد تعييني ـ بعد التي واللتيّا ـ مدرّساً في جامعة بغداد، على حين عيَّن المدرس المساعد الذي صار أستاذاً بقدرة « قيادة الحزب والثورة « عيّن هذا المدرس المساعد المتخصّص بتدريس « الثقافة القومية والاشتراكية» في الجامعة المستنصرية عيّنه وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي.
فعن أيّة جامعة تتحدثون، وعن أيّ بطّيخ «امبسمِر»؟!
وسلامٌ عليك أبا الحسنين يوم قلتَ:
« ليس بلدٌ أحقَّ بك من بلد، خير البلاد ما حملَك»، ورضاء الله ومغفرته لك أيّها المتنبي يوم قلتَ: « وكلُّ مكانٍ يُنبتُ العزَّ طيّبُ».
فلماذا العودة إلى الوطن؟! ولمن العودة؟ أللذل أم الإهانة؟! ، قال هذا بعد خيبة على مستوى الوظيفة والمكانة العلمية، وقال ما هو اقسى منه حين تعرض للتهجير من بيته الأثير في العامرية ليستأجر بيتا متواضعا في الشرطة الرابعة .
كان كما هو دائما، نزقا ضجرا، لكن ابتسامته لاتفارقه وسخريته اللاذعة حاضرة في كل موقف يواجهه ؛ لكن علمه ووفاءه لاساتذته بقيا في ألق وتوهج ، ولقد عرفته صديقا في اول تأبين للراحل الكبير عناد غزوان ، وقد كان يبث المتعة في طرحه وهو يتحدث عن عناد غزوان ، اذ قال ان احدى الطالبات سألته ان كان شقيق عناد غزوان ام لا ؟ لشدة الشبه بينهما ، وكان جوابه : نعم ، لكن عناد غزوان فضل ان ينتمي لاسمه الثلاثي وانا فضلت ان انتمي الى لقبي ( الاعرجي) ! .
بعد سنوات من عودته ألمّ به مرضٌ خبيث، وبعد عملية جراحية خطيرة جدا ، نجا منه، لكنه خرج وهو يشكو من نطقه ، ومن عدم مقدرة لسانه على الاستجابه لخوالجه، فكان له أن يثور على لسانه ويشكوه فكتب واحدة من اوخر قصائده :

رثاء لسان
لسانٌ لايكاد يبين عني
كأني لم أكن يوماً بلَسنِ
فلا أنا مما كان حِلٌ
ولا هو _ اذ تعثر _ صار مني
ولا أنا في محادثتي بأنسٍ
ولا أنا في محاورتي بجنِّ
لسانٌ قلمت منه الليالي
وقصّر منه جرّاحٌ بفنِ
فلا أنا بالأكول به مريئا
ولا هو بالغٌ مضغي بسنِّ
تعالى الله ما اقسى الليالي
وأشقى العمر يُبرى في مِسنِّ
فبيناً لا شبابَ سوى شبابي
اذا بي ليس وهنا مثل وهني
تلبست السنون ثياب عمري
وعرتني ، وعريي لُبسُ حَيني

« ايلول 2010»

والقصيدة من تاريخها هي قبل رحيله بثلاثة أشهر ، وقد قرأها لي رحمه الله ، فقد كنت افهمه واشرح للآخرين مايقول بعد اضطراب لسانه ؛ لقد رحل مبكرا جدا ، تاركا ثلاثة كتب كان قد اتفق مع دار نشر في ( قطر) على اصدارها ، حين تم تكريمه من الجامعة العربية ( رائدا للثقافة العربية في العراق ) ؛ لكني بعد وفاته لم أعثر سوى على كتابٍ واحد تمكنت من اصداره عن مشروع بغداد عاصمة الثقافة بمساعدة الصديق الدكتور حامد الراوي وقد كتب مقدمته صديقه العلامة الكبير د. سعيد عدنان ؛ لكنه ترك الكثير من المقالات التي يمكن ان تجمع في كتاب فضلا عن ديوان شعر يضم الجديد من شعره في الغربة وبعد عودته للعراق .
رحمك الله أبا هاشم مبدعا خسرته الثقافة العربية ، ستبكيك منصات العلم والمعرفة ، وتبكيك المكتبات كلما اعيد طبع كتاب من كتبك الثرية ، وليس لي الا ان اتركك تتلو على احبتك مقطعا من رثائك لنفسك ؛ ذلك الرثاء الذي سبق الموت بأربعة اعوام ، بل تلا العودة للعراق بأقل من عامين :

رثاءٌ قبلَ الأوان
محمد حسين الأعرجي
سأمضي ولا أدري، ولا أحدٌ يدري بأنّيَ أنفقتُ الوسيـــمَ من العُمرِ
على حُلُمٍ شابتْ سريرةُ حُسنِــه ولكنْ زعمتُ الشَّيْبَ من ألَقِ السِّحر
سأمضي، وما استقبلتُ إلاّ مـرارةً توهَّمتُها جهلاً مُباينةَ المُـــــرِّ
نعمْ، إنّني من بينِ شوكٍ، ولَسعِـهِ تيقَّنتُ أنّي قد أكونُ من الزَّهــرِ!!
تبنَّيتُ أطيـــافاً تُؤمُّ وقد رأوا
بأن يتغنَّــوا بالكوابيسِ عن أمـرِ
وإذْ عُدتُ عاد الأوّلونَ لِعُهرِهـم وهل عاهرٌ يوماً تخلّى عن العُــهر؟

بغداد 2006