الحرب في السينما الاسبانية

علي الياسري

ثلاثة أفلام

ليس غريباً أن تتناول السينما موضوعة الحرب بشكل واسع، فلطالما كانت ارهاصاتها اسس متغيرات عديدة كونتها صرخات المعارك وأزيز الرصاص. متغيرات تقذف الأرض والإنسان إلى اتون واقع مرير. ومن المفارقة أن يجد البشر في الصراع الدامي منفذ أنبثاق لعالم عيش جديد، ربما لأنهم قضوا معظم وقت وجودهم على هذا الكوكب في تطوير وسائل العنف بعد أن ألهمتهم أنانيتهم لاستخدامها في فرض السطوة على الآخر.
هذا التباهي بالقوة الغاشمة كان باباً واسعاً فتحته السينما على عالم الحرب، لتخرج منه الكثير من الأفلام كبروباغندا تمثل مظاهر الافتخار بقوة المنتصر بعد ان فقد المهزوم القدرة على عكس وجهة النظر. بمقابل ذلك هناك نمط آخر من سينما الحرب يقف كثيراً عند الأسباب والنتائج وبعيداً عن صدى المدافع، من خلال الحفر بالذات الإنسانية سعياً وراء استجلاء صورة المشاعر المختلفة من أقصى الحب إلى آخر الأسى، والتمعن بالتمظهرات الفكرية التي سرعت من وتيرة الصدام، كشكل بصري من مراجعات اجتماعية لتأثيرات الغلو في الثيولوجيا والايديولوجيا على العقل الجمعي والحياة بشكل عام.
برزت السينما الاسبانية باتخاذها طريقاً خاصاً في مقاربة الحرب ومابعدها. فالتجربة القاسية لفترة الحرب الأهلية (1936-1939) وما تلاها من تداعيات منحت الصانع السينمائي سُبلاً متعددة لطرح السرد وبلورة الحدث، لتتنوع الحكايات ومعالجاتها. فبعض الأفلام ذهب إلى الخوض في تفاصيل حيثياتها ومواكبة أوضاعها كصياغة درامية مباشرة بنسق تاريخي. فيما اختارت أخرى رسم صورة سردية للنتائج والتداعيات على الفرد وتنامي معاناته النفسية والجسدية، والى اي مدى اثرت الحرب على وضعه ضمن المجتمع بالتركيز على ابراز الاحاسيس وكيف تسببت في انهيار عوالمه الفكرية وخيالاته الثورية والأحلام الضائعة في مهب ريح عاتية.
هذا التصوير المميز لأثر الحرب الهائل ومدى المعاناة والألم الإنساني اظهر لنا عديد الأفلام اخترنا ثلاثة منها تُبين اختلاف طرق التناول للموضوعة:-

Libertarias (1996)

يضع المخرج «فيسنتي اراندا» في هذا الفيلم نظرته البصرية لحقبة زاخرة من التاريخ الاسباني الحديث زمن اندلاع الحرب الأهلية الاسبانية 1936 وبالتحديد عند بواكيرها. اراندا بتجربته الحياتية والسينمائية الطويلة حيث له العديد من الأفلام التي تدور في فلك هذه الثيمة، اراد ان يسجل رؤيته عن آخر الحروب الايديولوجية، عن الجموع الثائرة توقاً الى اليوتوبيا. ينجح السيناريو في تضمين كل الاحاسيس والمواقف التي ألهبت مشاعر الناس وحفزتهم للثورة بثنايا الفيلم متتبعا الحركة الشخصية والعامة للافراد، في مقاربة سينمائية واعية لأسباب صعود الاناركية من وجهة نظر جيل أمن كليا بالافكار وسعى بجدية لتطبيقها بعد ان سحقته طويلا قيود الطبقية والاستغلال الديني، فكان رد الفعل عنيفا. كاميرا المخرج استثمرت كثيرا في الكشف عن مشاعر الشخصيات مع انتقالات لونية ذكية لتبيان حالها قبل وبعد الفعل الثوري. وما بين الرؤية الفنية ومنهج السرد التاريخي للحدث تبقى التحولات الفكرية والعاطفية ونمط الفعل للبشر المنخرط بهذا الامر وتأثيراتها الاجتماعية أكبر مصادر الفيلم أهمية وأكثر ما سعى إليه المخرج، وقد نجح كثيرا بمقاربته.

La Lengua de las Mariposas (1999)

لايذهب المخرج خوسيه لويس كويردا الى تداعيات الحرب الأهلية مباشرة ليخوض في وحلها الايديولوجي والفكري بل يختار ان يكتشف الحياة وما ستؤول له الامور بعيني الطفل مونشو النقية. ومثل فراشة تنتقل من زهرة الى اخرى بدأ الصبي يرتشف رحيق المعلومة برؤية علمية مُحببة غرسها فيه معلمه الحكيم في المدرسة. حيث يمكن للطفولة ان تقدم لوحة متكاملة لصورة الحياة ونمط العيش وشكل الصراعات، كما ان باستطاعتها التعظيم من اهمية الاكتشاف للحقائق وللخيال بذات الوقت حتى وان كانت محرجة او صادمة، لان تجلياتها السلوكية وتحرياتها البريئة ترسمها حدود البساطة والعمق في السؤال. وفق السيناريو الذي اعده رافائيل ازكونا لثلاثة قصص كتبها الروائي مانويل ريفاس تحت عنوان (ماذا تريد يا حبي) يلعب الكشف الانساني للعيش دورا محوريا في الحكاية، ليخرج لنا فيلم رائع استخدم رمزيات الطبيعة والكائنات في رسم معالم العلاقات وتعقيدات الحياة بلحظة فارقة وقاسية في التاريخ الاسباني سياسيا وانسانيا. في فيلم (لسان الفراشات) يستعرض المخرج التوجهات الفكرية والسياسية وأشكال التواصل العاطفي بين الناس ضمن نطاق قرية صغيرة تعيش على وقع المتغيرات التي تُحدثها الحرب في المدن الكبرى لنرى في نهاية المطاف كيف يخضع الانسان لقسوتها بلحظة معينة ليسلك طريق البراغماتية كسبيل نجاة عند الانهيار، والتي تسحق تحت وطأتها تلك البراءة النادرة التي تغلف الطفولة فتضيع للابد.

De tu ventana a la mia 2011

يسرد فيلم (من نافذتك لنافذتي) ثلاث حكايات لثلاث نساء بأوقات مختلفة تمتد بخط زمني من عشرينات القرن العشرين ثم لأربعيناته وصولا لمنتصف عقد السبعينات لحظة موت حاكم أسبانيا الجنرال فرانكو، اساسها الحب وهامشها متغير الحياة الاكبر السياسة والحرب، لتخلف ورائها رجال تزرعهم اللحظة في رحلة بلا عودة تاركين خلفهم عند النساء بذرة عاطفة وبقايا روح وأماني. المخرجة باولا اورتيز نجحت في اولى تجاربها السينمائية ان تلفت الانظار اليها بالتماسك الذي اظهره النص في سرد الحدث المتوازي بين الشخصيات الثلاث بالتركيز على التوغل عاطفيا في ذوات الشخصيات وأستعراض لحظات الفرح والانكسار ومن خلال انتقالات مونتاجية سلسة او كثافة الحوارات وقوتها والاهم قدرتها على التعبير بصريا بدفق تكويني ذكي يتلمس ملامح لونية لافتة. اورتيز التي اردفت فيلمها هذا بفيلم اخر اقتبسته من مسرحية (عرس الدم) للشاعر لوركا حققت فيه ايضا النجاح، تجمع بين العمل الاكاديمي في مجال السينما كأستاذة بجامعة برشلونة ورغبتها في صناعة افلام جيدة فيها الكثير من الصنعة الجيدة. العالم الانثوي الذي رصدته المخرجة بفيلمها لايقف عند سرد المعاناة والالم المحيط بشخصياتها النسائية بل يضع مساقط ضوء على رد الفعل وعدم الاستسلام وقوة الارادة. فما تفعله فيهن المحن لايجعلهن يتخلين عن الاماني والاحلام والحب، فهناك في ارواحهن الكثير من الامل.