الحرية للحياة ..

ضياف البرّاق

عذابٌ يوميّ في بلاد صارت تعشق العذاب وتُمجِّده. قبل قليل، خامرني أملٌ ما. قبل، أيضًا، خامرني يأسٌ ما. العذاب مستمر؟ نعَم، مستمر ما دمنا لا نفكِّر جيدًا، مستمر ما دمنا نتكلم أكثر مما نقرأ، مستمر ما دمنا نكره بعضنا بعضًا ونرفض الأفكار الجديدة. نسرف في الكلام عن المستقبل، وعيوننا مشدودة بقوة إلى الوراء. نتكلم كثيرًا، الجميع يُردِّد نفس الكلام، لكننا، في كلامنا، كله أو بعضه، لا نتساءل، لا نبحث، وعندما يأتي دور الفعل، لا نفعل. يا لبؤس الكلام!
الكلام الذي يخلو من المعنى، هو، دائمًا، مِهنةُ العاجزين، والفاشلين. حتى أنا، وبصراحة، أحب الكلام دومًا، أتكلم كثيرًا، ولا أفعل إلّا نادرًا. هناك من يتكلم في جهة، ويسير في جهة. وهناك من لا يتكلَّم أبدًا؛ رُبّما لأنه قد مات؛ ورُبّما…
عندما لا يُتاح لك أن تحلم كما تريد أنت. عندما لا يُتاح لك أن تتكلم كما تريد أنت. وعندما لا يُتاح لك أن تكون شيئًا، أي شيء. كل هذا يحدث الآن، وبالأصح يحدث يوميًا. يحدث أن تموت منذُ الولادة، حتى آخر يوم من عمرك. كذلك، يحدث أن يُساء فهمي في معظم الحالات، وهذا هو أشد العذاب. ماذا تبقّى من الحرية؟ ماذا تبقّى من العدالة؟.. الحرية للحياة، أولًا وقبل كل شيء.
«أنت ما بينك وبين الحب دنيا»، السيدة العظيمة، أم كلثوم، تساعدني على الحياة، ها هي تأخذني إلى عوالم خضراء ملأى بالنقاء والدفء. هذه الأغنية الساخنة، اللذيذة، تعذّبني، تعذبني حتى التلاشي. الفن مثل الصلاة، يبعث الحياة من موتها، أو يجعلها ليّنة، كما يسمو بالروح، ويداوي الجروح..
كلما تقدّم العالَم، وتطوَّر أكثر؛ ضاقتِ الحياة، واتّسع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. لماذا؟
ممنوع التدخين: عِبارة تحذيريّة، مزعجة، منتشرة بكثرة في معظم مناطق المستشفى، مكتوبة بالخط الأحمر العريض على كل الجدران، والمداخل، وباللغة الإنجليزية أيضًا، إنها عبارة ظالمة إلى أقصى حد. صادفتُها أولًا في المدخل الرئيسي، شعرتُ بالرعب.. وعندما ولجتُ نحو الداخل، شيئًا فشيئًا، وجدتُ الأطباء، والمساعدين، يدخنون، يدخنون هنا، هناك، في ساحة الطوارئ، في غرف المعاينة..إنهم يدخنون بحماس ومرح شديدين. الحرية صحة، تحيا الحرية.
عندما أفقد القدرة على الكتابة أو على الحلم، أموت على نحو مليء بالعذاب. أموت، أيضًا، عندما أعجز عن معرفة نفسي أو عندما أكره الآخر أو لا أقيم له أي وزن. مع الكتابة، أشعر بارتياح كبير، أشعر بالانتصار إزاء عبثيّة الحياة. الكتابة حياة أخرى، حياة خاصة بالمعذبين، والعظماء. نفس الشعور الذي يخامرني أثناء الكتابة، يخامرني، كذلك، عندما أمارس التسكُّع تحت قطرات المطر. لا شيء يطربني، ويمنحني الأمل، سوى الكتابة، والمطر. الحرب سلبتني كل المعاني الجميلة الأخرى!
زوج جارتي، محلل سياسي عملاق، لمع اسمه منذُ بداية الحرب، وتتمطّط شهرته كل يوم، رغم أنه لا يهتم بما يدور في الواقع ولا يملك الضمير الحيّ. هذا السياسي «الشريف»، يتطلع دومًا نحو الدولار، يتحرك مع القوي، يتخلى عن الورد، ويكذب كما يتنفّس. وأعرف مثقفًا «نظيفًا»، من نفس الحارة طبعًا، مهتم برصد كل الخطوات الشريفة، وملاحقة الكلمات النبيلة، إنه يمارس التجارة السوداء، يمارسها على نحو منحط عميق، ويربح على الدوام (يربح ماذا؟). صحيح، الحياة حلوة، حلوة عند هؤلاء «التجّار». الشرفاء قليلون دومًا، والقليل هو الكثير.
بلاد محظوظة جدًا، ملأى بالسجون، بالمتاهات، ملأى بالشياطين، بالتعساء، وملأى بالصبر والجمال. هذه البلاد لن تنكسر، لن تموت، ما دام هناك من يعشقها ويؤمن بها. هذه البلاد الجريحة، والمثقلة بالمآسي، لا تعرف سوى العلو والانتصار. لستُ شوفونيًّا، فالعالم كله بلادي، كله وطني. هكذا، رغم كل هذا الخوف الوجيع، ما زلتُ أركض بين اليأس والأمل، بين الحياة والموت. ما زلتُ أهتف: إما حرية كاملة أو لا شيء.