الحوار العالمي؛ جنوب / جنوب

عن الحوار الثقافي العالمي، في القرن الحادي والعشرين ومخاطرِهِ ..

شوقي عبد الأمير

منذ مطلع القرن المنصرم بعد الحرب العالمية الأولى وبالأخص بعد الحرب الثانية وبسبب من تأثير الدول الاستعمارية توجهت الأنظار في الدول النامية نحو الغرب للتواصل ثقافياً وحضارياً وصار الانفتاح على العالم الأوربي والأميركي على وجه التحديد هو مركز البوصلة الثقافية التي تؤشر جهة الحداثة والمعاصرة والتطور..
بالطبع ساد هذا التوجه بسبب أهمية وثقافة الانتاج الإبداعي في أوروبا والغرب حتى صارت حركة الآداب والفكر المكتوبة باللغات الأوربية كالانكليزية والفرنسية والاسبانية والإيطالية والالمانية وكذلك الفنون القادمة من تلك البلدان بوّابات التطور والحداثة طيلة القرن العشرين..
الاسباب واضحة ومفهومة فقد قاد الغرب خلال القرن المنصرم أغلب الحركات والتيارات الفكرية والإبداعية التي هيمنت على تطوّر حركة الثقافة في العالم وقد سادت هذه الصورة بمعيّة المشهد الاستعماري السياسي وهو ما أفرز حالة تناقض حاد خاصة بعد تصاعد حركات التحرر في العالم الثالث والحرب الباردة التي شكّلَتْ الملمح الأبرز للقرن الماضي بعد نهاية الحرب الثانية.
هذا التناقض الذي كان جليّاً استندَ الى صعوبة الفرز بين القيم الإنسانية العالمية في الفكر والأدب الاوروبي الغربي والتي نحن بحاجة اليها من جهة وبين الجغرافية السياسية لمصدر هذا النتاج الثقافي وارتباطه بشكل ما مع محيطه السياسي وحتى العسكري أحياناً من جهة أخرى.
وكما نعلم ظهرت تيارات نقدية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية واشتداد الحرب الباردة تحاول التأكيد على صورة التناقض هذه وتدفع بها الى الواجهة السياسيّة باعتبار أن الغرب كلٌ واحد استعماري وان جُلَّ ما يأتينا منه يَصُبّ في النتيجة لمصالحه السياسية التي تسعى الى الهيمنة والاستغلال وأكثر من هذا الى تدمير الشعوب الضعيفة ونهبها..
شكَّلتْ هذه المشاهد صورةَ القرن العشرين وخصوصيته إذا ماقورن بالقرن النهضوي الذي سبقه وهو القرن التاسع عشر ،الذي اتسم بالتنوير والثورات الكبيرة كالفرنسية.

لكننا اليوم وفي نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين نشهد ظهوراً وتأثيراً متصاعداً لثقافات كانت بعيدة عنّا مثل اليابانية والصينيّة والتركية والفارسية والأفريقية وحتى أميركا اللاتينية بشكل أكثر كثافةً.. وهكذا كثرت الترجمات والتبادلات الفكريّة والإبداعيّة مع هذه اللغات وفيما بينها بحيث صار وجودها في الساحة الثقافية لدول العالم الثالث مشهداً شبه عادي وصارت تؤثر وبقوة في عملية البناء والتطور الفكري والفني والأدبي بكل أشكاله..
أن دخول هذه الروافد العالمية المهمّة الى الساحة الثقافية يعتبر أهم الملامح التي ستتشكّلُ عبرها التيارات الإبداعية والفكرية في هذه المنطقة من العالم وبالأخص العالم العربي الذي ظل طيلة القرن العشرين «سجين» العلاقة الأحادية مع الغرب في هذه الميادين كما في السياسة والعلاقات التجارية..
في مصطلح الدراسات الستراتيجية شاع طيلة القرن العشرين مايُعرف بـ «شرق/غرب» ويقصد به الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي/الاشتراكي والغربي/الرأسمالي.. لكنه بعد انهيار المعسكر الشرقي تغيّرَ المصطلح الستراتيجي الى «شمال-جنوب»لأن الشرق والغرب أصبحا جهة ستراتيجية واحدة هي الشمال وظلت الدول الأخرى بما في ذلك دول الشرق الاقصى تدخل تحت مسمى «الجنوب» ومن هنا ولدت الدعوة في العلاقات الدولية داخل دول «الجنوب» نفسها الى هذا النوع من الانفتاح فيما بينها في كل ميادين المعرفة والاقتصاد والسياسة .هذا التطور النوعي يرسم اليوم أبعاداً جديدة لتحديات القرن الحادي والعشرين ويدفع بأهمية تطوير العلاقات بينها ثقافياً واقتصادياً وسياسياً وهو ما صار يُعرف بـ «جنوب-جنوب»

وفي ما يعنينا هنا،اي الجانب الثقافي، سيكون من المهم والضروري لتوازن التبادل الفكري والفني في زمن العولمة أن نؤكد على أهمية تطوير العلاقات «جنوب-جنوب» أي الانفتاح على ثقافات أفريقيا والصين واليابان وايران وتركيا والهند للخروج من أحادية النظرة الى الشمال/الغرب واعتباره الرافد الأوحد لتطور الثقافة الإنسانية .