الختان

محمد خضير

تنويه:

يُجَنُّ الناس من ثلاث صدمات قوية: الحبّ والحرب والكتابة.. يفقدون عقولهم حين يصدمهم إنسان أو حيوان أو كلمة.. وقد تتفرع من هذه الصدمات رجّاتٌ أقل وطأة وتدميراً للعقل.
الجموع السائرة بلا اتجاه، أو المحجوزة خلف الجدران أو تحت الأرض، الهائمة في المقابر، وفي زوايا المكتبات: ثمة نور يقود العقلَ الراجح الى مثواها.
أزاهيرُ الحبّ الذابلة، أساطير العذاب والتحول الإنساني، عظام المعارك، المطر الأسود، مقابر العجلات، الأحذية والشارات وزمزميات الماء الجافة، الكلمات المرتجفة على الشفاه: علامات على طريق الجنون المطروقة بظهور منحنية.
كتابٌ مفتوح على مصراعيه، تنتزع الريح أوراقه، ملقى تحت أقدام تمثال: صورة لا تبارح ذاكرة المجنون الذي قرأ مصيرَه المكتوب سلفاً بلغة الغابة أو بلغة أكثر غموضاً منها.
مئاتُ الصور، الرموز، ممّا فاتَ مؤرخي الجنون، تعترض السبيل لتأويلٍ مقبول لا ردّ لحججه ومصادره. النقصُ والاختلال في خطط اجتذاب العقل لمصيدة الجنون، الخوفُ من اختراق الحاجز الضبابي وكشف ألغازه: تمارين العقل الشفاهية. الكتابة حليفة العقل السويّ، عدوّ الشفاهية المجنونة.
الجنونُ خرافة زمنٍ شفاهيّ يطوّق المربعَ السكاني المائج مثل كورة زنابير: لدغاتٌ ساخنة، شظيّات مستقرة في الدماغ. سفاهات معقولة.
أروي هنا قصة فتاةٍ تسكن عائلتُها جادّة بالعشّار تسمّى بدربونة المجانين، متفرعة من درابين الوسواس القهري، الهذيان التشرديّ، الفقر الاجتماعي.
ما كان لراوٍ أن يتيه مثلها، لو لم يكن وحيداً، غريب النسَب، محبوس اللسان.
******

أودِعتْ أخيراً في مستشفى الأمراض العقلية بعد ضياع طويل لم تُشفَ من لوثته وفنونه الغريبة، حيث اتصل بها محرر مجلة شهيرة كان يحقق في عزلة نزلاء المستشفى عن العالم الخارجي. عثر عليها في قسم النساء، وانتزع منها تفاصيلَ مشتتة غارقة في رأسها المصعوق، ليؤلف منها قصة الغربة العقلية التي استغرقت بضعة أيام، كما ظنّت في وعيها المحبوس: «غرقوا صباح الأمس. غافلوا أمّهم فجراً وخرجوا للسباحة في النهر». ولم تُضِف توضيحاً لما قد يكون سبباً لتخلي العائلة عنها، بعد حبسها في ضريح وليّ صالح.
بدَت في الصورة التي نشرتها المجلة مع نصّ التحقيق الصحفي هادئة، ترتدي ثوباً صيفياً قصير الأكمام، شعرُها المرتب جميل، مرفوعٌ مثل تاج على رأسها. مضت على إيداعها سنة كاملة، كما أوضحت إدارة المستشفى، لكنها لا تتذكر أحداً من عائلتها، بينما أفصحت عن علاقتها برجل أشارت إليه باسم «الغواص». سألها الصحفي إن كان الغواص أباها، فلم تُحِر جواباً، وعادت الى غرقها في مياه صورةٍ طغت على ذاكرتها. قالت إنها تحتاج نقوداً. ولما سألها الصحفي عن الغرض الذي ستنفق النقود من أجله، عادت الى صمتها المنيع على التفسير. بدت مختلفة عن مجموعة النساء المجنونات في قسمها، الشعثاوات، الضاحكات والتائهات معاً. ثم تبعها الصحفي إلى ركنها في المستشفى، فواجهه جدار كامل من الرسوم التي هيمن عليها موضوعٌ واحد لم يتغير أو ينحرف الى وجهة غير تلك الغائرة في أمسها المجهول. أمام هذا المحور المرسوم بإصرار جنونيّ، اختلق الصحفيُّ قصة تحقيقهِ المنشور تحت عنوان «وضعوها خلف الجدران ليقنعوا أنفسهم بأنهم أعقل منها».
كانت موهبتها في الرسم قد تفتّحت خلال الدراسة في معهد الفنون فأبعدتها عن أي اهتمام، سوى ذلك الرسم الموهوم بتفاصيله وألوانه، تضعه أينما احتواها مكان. لطّخت جدران البيت، ثم أبواب الجادة الضيقة، وفسحة الضريح القديم الذي حُجِرت فيه مدة، ولم يبق إلا جسدها فوشمت كلَّ عضو فيه برسمها الجنوني. كان الرسم قد تضخم في رأسها حتى عمَّ فضاء العشّار بأكمله، وكانت السلطة الوحيدة التي منعتها من الهيمنة الكاملة على ذلك الفضاء، تتمثل في «المختار» المتنفذ في شؤون عائلات الجادة؛ فقد لاحقها وانتزعها من نزهتها اليومية ليحجرها في الضريح الضيق، حيث اجتمعت بحقيقة الرسم الذي لم تدرك كنهه من قبل.
في ليالي حبسها كان يزورها الشخص الذي ساعدها على تحريرها من سلسلة الضريح، الغواص الذي انتشل ثلاثة من إخوتها الصغار، بعد ثلاثة أيام من غرقهم في نهر العشّار. كانت مهنة الغواص الأخرى ختان الأطفال، وهو يظهر في رسوم الفتاة يحمل في يده شكّة أسماك، قالت إنها شكّة قلفات الأطفال الذين ختنَهم في حفل جماعي داخل ضريح الوليّ الصالح، صبيحة عيد الأضحى. يظهر الخاتن في الرسم ماشياً على جسر يمتد الى مسافة في النهر، تتبعه جوقة موسيقى الختان، وفي ذيل المجموعة تمشي الفتاة محلولة الشعر. قالت الفتاة للصحفيّ الذي حقّق معها في المستشفى: «أردتُ منعه من رمي الشكّة في النهر». قهقه الصحفيّ في سرّه، إلا أن الفتاة تابعت: «صرختُ به أن يسلّمني ذكور إخوتي الذين غرقوا بعد أيام من ختانهم». أوّلَ الصحفيُّ رسوم الفتاة: بهوس إنتاج نسخةٍ أنثوية من لوحة مونش «الصرخة» وهذا ما لم يفهمه محتجزوها في الضريح ثم في المصحّ العقلي. التبست عليهم شخصية الغواص/ الخاتن، ونسبَها مختارُ العشّار لخَبَلٍ عائليّ وراثيّ؛ بينما ذهب الأطباء في تفسيرهم الرسوم مذهباً فرويدياً يستبدل الأسماك بالقُلَف، دلالة على كبت طفولي عميق ومدمر لتوازن الرغبة الجنسية.
في ليالي الحبس في الضريح، كانت رغبتها الوحيدة الحصول على نقود تبتاع بها ألواناً كي تستكمل رسمها ذا الموضوع الغاطس تحت جسر النهر. واجهت المختار بطلبها فصاح بها: «نحن من نحتاج فلوساً لنعيد صُبغ الضريح الذي لطّختِ جدرانه بصوركِ السخيفة، أيتها المجنونة». ثم دعا حدّاداً ليقيّدها للجدار بسلسلة. أما الغواص الذي فكّ قيدها، فقد خاطبتْه أوهامُها كي ينقذ إخوتها الصغار الذين لم يشفوا تماماً من جروح الختان. توسلت اليه: «أعِد إليهم قُلفهم أيها العمّ الطيب. إنهم يحتاجون ذكورا كاملة».
ربما زأر الخاتن/ الغواص في وجهها، قبل أن يحرّر معصميها: «سأطلقك يا فتاتي. سأجعلك حرة. لا ينبغي لفتاة جميلة مثلك أن تُحبَس تحت قبة هذا الضريح. إنه مكان لا يجلب إلا الكوابيس».
راقبت الفتاةُ الرجل المنقذ يفصم حلقة القيد بمقصّ الختان الحاد، ثم يحيط خصرها ويرفعها لترقد على أريكة فُرِشت بفراش مطرّز بأشكال لم تميزها في ظلمة الضريح، وظنّتها قلفات تتفتح كزهرات حُمر.
عندما زارها المختار في الصباح، ألحفَت في طلب النقود: «ألوان؟ مرة أخرى ألوان، ابنة المخابيل؟». نظرت اليه بوجل، وتوسلت: «لن أرسم بعد اليوم غير الأزهار. لن أرسم شيئاً غيرها». استفسر المختار: «لماذا الأزهار؟». قالت متصاغرة: «أزهار استخرجَها الغواص من تحت الجسر» ثم كشفت عن ساقيها.
غادرها المختار مشمئزاً، وقد بترَ الرعبُ ذيول كلماته التي ألقاها في وجه الفتاة المحبوسة. لم تكمِل عملها في تلطيخ الضريح، إنما نُقِلت على وجه السرعة الى ذلك المأوى الكبير، في الأطراف البعيدة التي لا عودة منها.