الدلالات الطقسية في أعياد الأكيتو

د.فاضل السوداني

نلمـس من خلال جميع الوثائق والمكتشفات الاثارية أهميـة أعيـاد رأس السنـة البابليـة ـ الأكيتـو (الذي يمتـد إلى ما قبـل الميـلاد) ويسترجـع الإنسـان من خلالهـا زمـن الخلـق الإلهـي البدئـي الأول والذي تتلـى فيه قصيدة الخلق في أحـد أيـام الأعيـاد في ملحمـة الخلـق البابليـة الآنـوما إليتـش .

ويمكننـا ومن مقارنـة سريعـة بين طقـوس وأعيـاد أكيتـو السومريـة والبابليـة مع أعيـاد الأكيتـو في الحضـارة الآشوريـة، فاننا نلاحظ التشابـه الكبيـر، بل أحيانـا نقـلا حرفيـا لطقـوس وأعيـاد الحضـارات التي سبقـت الحضـارة الآشوريـة، فأي حضـارة تلـي سابقتهـا فإنهـا تنقـل جميـع المكونـات الثقافيـة والطقـوس الدينيـة التي كانـت تمـارس في تلـك الحضـارة، ولا تعمـد إلى إلغائهـا أو تدميرهـا.
الآشوريون نقلـوا ثقافـة البابلييـن، وكانـت لهـم نفـس المعتقـدات الدينيـة البابليـة بمـا فيهـا الآلهـة واعتبروهـا آلهتهـم. إضافـة إلى أنهـم احتفلـوا بعيـد رأس السنـة البابليـة واعتبـروه رأس سنـة آشوريـة كمـا هـو الحال في بابـل حيث تبـدأ احتفـالات الأكيتـو في اليـوم الأول من شهـر نيسـان وحتـى الثانـي عشـر منـه.
وتمـارس في هـذه الأيـام الربيعيـة الآشوريـة الكثيـر من الطقـوس والممارسـات الدينيـة والتراتيـل والأناشيـد التي تمجـد الآلهـة تـلاوة وتشخيـص بعـض جوانـب ملحمـة الخلق إينومـا إليـش التي لابـد أن يتغيـر فيهـا البطـل الذي انتصـر على قـوى الشـر من الإلـه مـردوك إلى آشـور ملـك الآشورييـن، وتمـارس ذات الطقـوس في تطهيـر الإنسـان والأماكـن المقدسـة كالمعبـد وما يصاحبهـا من تراتيـل وأناشيـد وأيضـا كما هـو في بابـل فإن الكاهـن الأكبـر هـو الذي يقـود كل هـذا. وكذلـك يُـقَـدَم الملـك أمـام الإلـه ذليـلا أي ان الكاهن الاكبر يصفع الملك ليذله ومن ثم تجريـده من جميـع شـارات ورمـوز السلطـة كالتـاج والخاتـم والصولجـان، ولكـن تعـاد لـه بعـد اعترافـه وتأكيـده على أنـه كملـك سيحـرص على خدمـة الشعـب والبـلاد. ويمكـن القـول هنـا بأن العلاقـة بين الإنسـان والآلهـة هي علاقـة خاصـة.
ومن خـلال نظـرة شاملـة للطقـوس والأساطيـروالتراتيـل الدينيـة نستطيـع أن نتوصـل إلى أن هـذه العلاقـة هي علاقـة تبادليـة أي بالرغـم من أن الإنسـان يحتـرم حقـوق خالقـه من عبـادة وطاعـة..إلخ وبالعكس .
إذن لابـد للإنسـان الرافدينـي أن يخلـق ويبـدع بمـا يخـدم نفسـه والبشريـة من خـلال قـدرة وعقـل شامل ومتنـور بمقاسـات ذلـك الزمـان ولهـذا فإن أبنـاء الرافديـن كانـوا هـم بنـاة الحضـارة الإنسانيـة. ولابـد لهذا الإنسـان أن يتقـرب إلى الإلـه ويفهـم ما خلقـه وإبدعـه متمثـلا بالطبيعـة والمعبر عنها بأعيـاد الأكيتـو الذي يعنـي في كـل الحضـارات كونـه رأس السنـة أي أنـه يرمـز إلى تجـدد الحيـاة والإنسـان كما هو في الحياة وهـذه ممارسـة مهمـة من أجـل أن يجـدد الإنسـان نشاطـه ووظيفتـه. وبالتأكيـد فإن أعيـاد الأكيتـو ترمـز إلى انتصـار الخيـر على الشـر متمثـلا بانتصـار الإلـه مـردوخ.
ومن أجـل تعميـم الخصـب يتـم الـزواج بين الملـك (رمزا للإلـه تموز ) والكاهنـة الكبـرى المقدسـة (رمـزا لعشتـار آلهـة الخصـب) لبعـث وتجـدد الحيـاة والربيـع. فهـذان الآلهـان المقدسـان في المثيولوجيـا الدينيـة الرافدينيـة همـا رمـز الخصوبـة والأنوثـة الحبلـى بخيـر متجـدد كـل عـام، ومكانـة الآلهـة عشتـار كبيـرة في هـذا المجـال ويرمـز لهـا دائمـا بكوكـب الزهـرة الأكثـر وضوحـا وبـروزا واشعاعـا في السمـاء.

فلو تتبعنـا أهميـة أعيـاد الأكيتـو وكذلـك تاريـخ الاحتفـال بـه لاكتشفنـا بأنـه قديـم منـذ الحضـارة السومريـة وبالتالـي فإن جميـع الحضـارات التي تلـت احتفلـت بـه ومارستـه كعيـد وطنـي. فتسميـة السومريـة الأولـى هـي «أكيتـي» وتعنـي استنـزال المطـر وكمـا يؤكـد الباحـث حبيـب بأن « الاحتفـالات في بدايتهـا كانـت خريفيـة» وكذلـك فإن الكثيـر من الباحثيـن العراقييـن والأجانـب أكـدوا على أن احتفـال أكيتـو يمثـل إحـدى المناسبتيـن (أكيتـو وزاكمـوك) وكان وسـط وجنـوب العـراق يحتفلـون بـه منـذ عهـد أريـدو 5.300 قبـل الميـلاد وكان لـه مكانـة خاصـة حيـث يحتفـل بـه في كيـش وأور وأوروك، وكانـت أور ممثلـة بالإلـه نانـار ـ إله القمـر ـ إلـه الحكمـة، تلعـب دورا مهمـا وخـاصة في عهـد أور الثالثـة.
وكـان الاحتفـال الخـاص بزاكمـوك يتـم في الاعتـدال الخريفـي الذي تجمـع فيه التمـور، والذي هـو بدايـة رأس السنـة وتتركـز الطقـوس في هـذا العيـد حـول قدسيـة النخلـة، ومن هنـا مازالـت النخلـة مقدسـة عنـد العراقييـن حتى يومنـا هـذا، فالكثيـر منهـم يـزرع نخلتـه في داره.

وفي كـل الأحـوال فإن هـذا العيـد هـو عيـد عراقـي بكـل طقوسـه بالرغـم من تبنيـه والاحتفـال بـه من قبـل أقـوام وشعـوب أخرى عاشـت في وادي الرافديـن. ومن الواضـح أن الآشورييـن ربطـوا ــ ظواهـر الطبيعيـة والاحتفـال بهـا كتجسيـد لقـدرة الألهـة على خلقهـا هي ومكوناتهـا الأخـرى ــ بالغايـات والأهـداف الاجتماعيـة والاقتصاديـة والسياسيـة في المجتمـع. وتكمـن أهميـة هـذا الربـط بيـن الظواهـر الطبيعيـة والغايـات الحياتيـة اليوميـة في طبيعـة إيمـان هـذه الشعـوب بالتطـور الإنسانـي العـام. حيـث أن السومرييـن والبابلييـن والآشورييـن مثـلا استطاعـوا من خـلال هـذا الربـط أن يضمنـوا التأثـر والحفـاظ على النـوع البشـري عن طريـق العـود الـدوري أو عن طريـق ما يسميـه الفيلسـوف الألمانـي نيتشـه بالعـود الأبـدي.
وشملـت المثيولوجيـا السومريـة والبابليـة شتـى المظاهـر الكونيـة والطبيعيـة وتناولـت المحـاور الأساسيـة لاهتمـام الإنسـان وقلقـه الطبيعـي في علاقتـه بالطبيعـة والخيـر والشـر والألهـة وقـد تجسـد هـذا من خـلال أسطـورة إنومـا إليـش التي تعتبـر من الأدب السومـري ـ البابلـي وقـد خلقـت هـذه المثيولوجيـا القديمـة التصـور عن الإنسـان وحياتـه وموتـه وما بعـد موتـه أيضـا. ومـع الحضـارات الأخـرى اكتمـل التصـور عن ما بعـد المـوت والحيـاة الأبديـة.

وقـد حتمـت طبيعـة العلاقـة بين الإنسـان وآلهتـه، التدقيـق بالمظاهـر والتحولات الطبيعيـة على اعتبـارها من إبـداع الآلهـة ودفعتـه إلى الربـط بين تطوراتهـا وفصولهـا السنويـة مع تصوراتـه المثيولوجيـة وما بعـد المـوت، وخاصـة تحـولات الانبعـاث والمـوت التي تحـدث في الطبيعيـة، فمـوت الطبيعيـة شتـاء وانبعاثهـا ربيعـا من جديـد والصـراع بين الخيـر والشـر والحـب والتـزاوج والولـه والشبـق كما في أسطـورة عشتـار وتمـوز. كـل هـذا دفـع الإنسـان لخلـق تصوراتـه عن الحيـاة والموت والانبعاث في الحيـاة الأبديـة (ما بعـد المـوت).
وقلـق المعرفـة هـذا جعـل الإنسـان البابلي يركـز في تصوراتـه المثيولوجيـة عن تمثـل الآلهـة وقدرتهـا عن الخلـق، وأن يـرى الكثيـر من الصفـات الآلهيـة ـ الإنسانيـة وكذلـك الجانب الإنساني عنـد (الإلـه ـ الإنسـان) وعنـد (الإنسـان ـ الإلـه) أي أنـه يـرى الصفـات الإنسانيـة في الآلهـة وصفـات إلهيـة في الانسان. وكـان هـذا الامر راسخـا في تطـور تكوينـه العقلـي والخيالـي، وبالتالـي دفعـه هـذا إلى تقليـد الآلهـة في قدرتهـا الإبداعيـة.
وبالتأكيـد فإن احتفـالات أعيـاد أكيتـو فيهـا الكثيـر من القيـم الفلسفيـة والدينيـة ويمكننـا أن نستنتـج بأن الأسطـورة والمثيولوجيـا لهـا سحرهـا الخـاص فهي تنتقـل مع الريـح بين مختلـف الحضـارات ومختلف الأزمنـة، بمعنـى أنهـا تتميـز بقـدرة وسرعـة التأثيـر في معتقـدات ومثيولوجيـا الشعـوب والحضـارات الأخـرى مع الاحتفـاظ بالهويـة والإضافـات التي تضـاف على مثيولوجيـا الحضـارات السابقـة.