الدولةُ ظاهرةٌ أنتجها الإنسانُ

د.عبد الجبار الرفاعي

كما أنتج الإنسانُ العائلةَ تلبيةً لضرورات فرضتْها طبيعةُ حياته على الأرض، كذلك أنتج الإنسانُ الدولةَ تلبيةً لضرورات فرضتْها طبيعةُ حياته على الأرض. بعد أن بلغَ نضجُ الإنسان الذهني وثقافتُه مرحلةً متقدّمة، وتشعّبتْ علاقاتُه الاجتماعية وتشابكتْ وتعقّدتْ، وتطوّرتْ وتنوعت وسائلُ وأنماطُ إنتاجه، وتراكمَ رأسُ ماله، وازدادتْ ثرواتُه المادية والرمزية، اخترعَ الإنسانُ وقتئذ الدولةَ، بوصفها مؤسسةً تكفل احتكارَ العنف، على وفق تفسير ماكس فيبر، وتعمل على حمايةِ الأفراد والمجتمع من الظلم والتعسّف في استعمال الحق، وتعيد تنظيمَ شبكات العلاقات الاجتماعية وحمايتَها بما يرسّخُ بنيةَ المجتمعِ وأمنه، وتسهمُ في إدارةِ الثروات، وتنميةِ الإنتاج، وتضمن التوزيعَ العادلَ للثروة، وترسمُ خططًا للتنمية الشاملة، وتبتكرُ برامجَ للتطوير.

الدولةُ ظاهرةٌ اجتماعيةٌ مركّبةٌ، إنها أهمُّ وأعمقُ وأعقدُ مؤسّسةٍ ابتكرها الإنسان، فقد احتاجتِ البشريةُ، من خلال مسيرتِها الطويلة في تاريخها، إلى آلافِ التجارب الفاشلة حتى استطاعتْ أن تبتكرَ ظاهرةَ الدولة، ولم تولد هذه الظاهرةُ ناجزةً كاملةً نهائية، بل كانت وما زالت، مثلَ أيّ ظاهرةٍ اجتماعية مشتقةً من احتياجات البشر، تتوالد وتتكيّف وتترسّخ؛ تبعًا لنمطِ الاجتماع البشري ورتبتِه في سلّم التطوّر الحضاري.
لبثتِ الدولة يُعاد إنتاجُها وتتطوّر من خلال نموِّ معارفِ البشر واتساعِها، وتنوّع تجاربِ المجتمعات، وتراكمِ الخبرات، عبر التغلب على الثغرات واكتشاف الأخطاء ، فمنذ ظهورِ الدويلات في الحضارات الأولى، مثل دولِ المدن في سومر وغيرها، تنامتِ الدولةُ وترسّختْ ببطء عموديًا وأفقيًا. ومع كلِّ مرحلةٍ تضيف خبراتُ البشر ومعارفُهم قوانين وقيم ومفاهيم جديدةً لبناء الدولة، وتحذف أخرى لم تعد قادرةً على الوفاء بمتطلبات الواقعِ ومستجداتِه. ولم يصل الإنسانُ الى بناءِ الدولةِ الحديثة إلّا بعد مضيّ آلافِ السنين، من العبورِ المتواصلِ لأشكال للدولة تفشلُ في الصمودِ أمام تطوّر العلومِ والمعارف وتنوّع خبراتِ الحياةِ وثرائها، وتقدّمها على الدوام، فلا يعود إطارُ الدول القديم يتّسع لاستيعابِ كلّ ذلك التمدّد والنمو، لذلك يبدع البشرُ في كلّ محطة نموذجَهم المتناغمَ مع إيقاع اجتماعِهم البشري، والرتبةِ التي بلغها تطوّرُهم الحضاري ونمطِ تمدّنهم، ولا يحسبون كلَّ محطة يصلون اليها خاتمةَ المطاف أو «نهايةَ التاريخ»، إنما هي حلقةٌ في مسارٍ متواصل لن يتوقف، ذلك أن مدياتِ وآفاقَ العقل البشري والخبراتِ التي تراكمها تجاربُ الإنسان لن تتوقف عند محطةٍ إلّا لتلتقطَ أنفاسَها وتعودَ للانطلاق من جديد إلى محطةٍ جديدة. في عمود الزمان يتغيرُ كلُّ شيء، لا شيء نهائيًا ما دام لا زمان نهائيًا، لا شيء أخيرًا ما دام لا زمان أخيرًا، ففي السياسةِ ليس هناك موقفٌ أخير، وفي الدولةِ ليس هناك نمطُ دولةٍ أخير. ما دام هناك مجتمع بشري يعيش على الأرض فلا نهاية للتاريخ إلّا بنهاية الانسان، وتعطّل الحياة البشرية على الأرض بشكل كامل.
الدولةُ ظاهرةٌ حيّةٌ، تنمو وتتطورُ مفاهيمُها، ويُعاد تكوينها تبعًا لتراكم تجربتها وتنوّعها عبر الزمان، وعندما نقرأ في هذا السياق مفهومَ الجماعات الدينية للدولةِ الحديثةِ نجده مفهومًا ثابتًا مبسّطًا، يتلفع غالبًا بإنشاء وشعاراتٍ، تتكلمُ لغةَ المشاعر المكبوتة، وتوقدُ العواطفَ المختبئة، وتهرب من الأسئلة الصعبة، وتلوذ بإجابات مسطحة على الأسئلة العميقة، وتفشل في تفكيك المشكلات المعقّدة، وتُفكّر في حلول خارج فضاء التحديات الصعبة الراهنة، ولا ترى الحاضر إلّا بعين الماضي، فهي تُحيل على الدوام إلى نماذج في التاريخ، ومفاهيم وأحكام ولدت في عصور دولة الخلافة بالأمس البعيد. وتفكيرُها في الدولة لا يتخطّى حدودَ الفقه، ففي كلّ أدبيات الجماعات الدينية التي طالعتُها وجدتُ التفكيرَ في الدولة مرجعيتُه مدوّنة الفقه الواسعة، ولم أعثر في هذه الأدبيات على أية إشارة للفلسفة السياسية للفارابي وغيره مثلًا، أو الفلسفة الاجتماعية لابن خلدون، مع معرفتي سلفًا بأن المدونةَ في هذين الحقلين شحيحة، إذ لم تتطور الفلسفةُ السياسية والاجتماعيةُ وتتراكم في المجال الإسلامي، إثر عدمِ اهتمام المتقدّمين والمتأخّرين في بحثها، فقد ظلّ الفيلسوفُ في دول الإسلام منفيًا خارج الدولة، ولم يعتمد الخليفة على فهمه في تفسير ظاهرة الدولة والكشف عن نشأتها وتطوّرها، وبحثِ مشكلات السلطة، وبيانِ طبيعتها وحدودها، والإجابةِ عن أسئلتها الحرجة. واستبدله الخلفاءُ والسلاطينُ بوعّاظِ السلاطين لتسويغ سلوكهم ومواقفهم، وبعضِ الفقهاء الذين يفتون بما يوافق أهواءَ ونزواتِ السلطة ونواياها.
الذي أعنيه بالدين الذي يتعذّر معه بناءُ «دولة حديثة» هو الدين بمعناه الكلامي والفقهي، الذي ينص على التمييز بين المسلم وغير المسلم، والرجل والمرأة، والسيد والعبد. مثل هذا المفهوم للدين يتعذّر في منطقه الفقهي والكلامي اشتقاقُ المفهوم الحديث للمواطنة الذي يفرضه بناءُ «دولة حديثة»، ومفهوم المواطنة يعني أن تتساوى حقوق الكلّ بوصفهم منتمين لوطن واحد، من دون فرق بين البشر على أساس معتقدهم أو جنسهم أو لونهم أو طبقتهم.
وأظن بأن أكثرَ الإسلاميين الذين في السلطة اليوم ومن يطالبون بها، ويحلمون في بناء دولة حديثة، لم يتنبّهوا إلى أن مفهومَ «مسلم» الذي تقوم عليه الدولةُ الدينية غيرُ مفهوم «مواطن» الذي تقوم عليه الدولةُ الحديثة. مفهومُ المسلم يتحدّث لغةً وينتمي الى مجال تداولي غيرِ اللغة التي يتحدّث بها مفهومُ المواطن والمجالُ التداولي الذي يتموضع فيه. ذلك أن الدولةَ الدينيةَ تقوم على الإسلام بمعناه الكلامي والفقهي، الذي يصنّف الرعايا على وفق ديانتهم وجنسهم، ويلزم الرعيةَ بالطاعة، كما يشدّد على ذلك أكثرُ كتّاب الأحكام السلطانية، ويمنح الراعي حقوقًا وصلاحيات من دون حدود تقيّد سلطاتِه، أو تفوّض غيرَه من الرعية في محاسبته، أو تفرض رقابة عليا عليه. ولا تدخل الهويةُ الروحية والأخلاقية في تحديد هوية الدولة الدينية، ولا يحضر الإسلامُ بمعناه الروحي والأخلاقي في التجارب العملية لهذه الدول إلّا بوصفه طلاءً شكليًا.
أما الدولةُ الحديثة فهي تقوم على القوانين والحقوق والحريات الحديثة، التي تنصّ على المساواة التامة بين المواطنين، بغضّ النظر عن دينِ أيّ شخص ومعتقدِه وجنسِه، وتكفل قوانينُها المساواة بين المواطنين جميعًا. الكلُّ متساوون في الانتماء للوطن، وكلُّ من ينتمي لهذه الدولة يمتلك النصابَ ذاتَه في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص، ويتساوى مع غيره في المُواطَنة بغض النظر عن معتقده وجنسه ولونه.
مشكلةُ من يريد أن يبني دولةً حديثة في بلادنا أنه يفكّرُ داخلَ أسوار التراث والمعتقدات الدينية والهويات العرقية، بينما الدولةُ الحديثةُ لا تبتني على التراث والمعتقدات الدينية والهويات العرقية، وانما تبتني على المواطنة التي يُحدّدُ نصابَها الدستورُ، أي «المواطنة الدستورية» بمصطلح هابرماس.
إن الإنسانَ الذي هو موضوع دولة المسلمين أمس هو الإنسان بوصفه مسلمًا، بالمعنى الكلامي والفقهي، أما الإنسان الذي هو موضوع الدولة الحديثة فهو الإنسان بوصفه مواطنًا في الفكر السياسي الحديث. الانسانُ بوصفه مسلمًا هو الذي كان يحدّدُ هويةَ الدولة، ويتحكّم توصيفُ هويته بتوصيف هويتها، فكلّ تشريع وقرار وموقف يُتخذ في إطار توصيف مسلم ينبغي أن يكونَ معيارُه الانتماءَ للإسلام، وكلّ ما لا ينتمي للإسلام يُفترض ألا يكون مكوّنًا لماهية هذه الدولة. والإنسانُ بوصفه مواطنًا هو الذي يحدّد هويةَ الدولة اليوم، ويتحكّمُ توصيفُ هويته بتوصيف هويتها، فكلّ تشريع وقرار وموقف يُتخذ في إطار توصيف مواطن ينبغي أن يكونَ معيارُه الانتماءَ للوطن، وكلّ ما لا ينتمي للوطن بوصفه وطنًا يُفترض ألا يكون مكوّنًا لماهية الدولة الحديثة.
الفرق بين نمط الوعي في مرحلة ما قبل الدولة الحديثة، ونمط الوعي في مرحلة الدولة الحديثة: ان العقل اليوم هو عقل علمي، والعقل العلمي لم يعد خائفًا من أسرار الطبيعة، أي ان الانسان صار يقرأ كل شيء في الطبيعة بالعقل وحده من دون حاجة الى السماء، لأنه أدرك ان أسرار الطبيعة مودعة في قوانينها، وهكذا ادرك ان اسرار تدبير حياة الانسان في الارض مودعة في تفكيره وقدرته على صياغة القوانين والقيم التي تنظم حياته، وما تمنحه خبراته وتجاربه واكتشافاته لأفضل الوسائل في بناء الدولة، وأنجح النظم لإدارتها، وأحدث التنظيمات لبناء المؤسسات المجتمعية المتنوعة.
أما العقل غير العلمي القديم فيعتقد أن أسرار الطبيعة ألغاز مودعة حلولها في السماء، لذلك يشعر بالعجز عن تفسير أية ظاهرة فيحيل تفسيرها للسماء، كما يشعر بالعجز عن حل الكثير من المشاكل التي تواجهه في حياته الفردية والمجتمعية على الارض فيحيل حلها للسماء. قبل عصر العلم كانت أكثر قوانين الطبيعة تبدو للإنسان ألغازًا، لذلك كان عبدًا خاضعًا للطبيعة، بينما صار اليوم هو المستعبد للطبيعة والمُسخّر لقوانينها.
كان الدين، الى ما قبل الدولة الحديثة، مكونًا أساسيًا لهوية الدولة ومنبعًا لمشروعية السلطة، بمعنى ان السلطة والدولة والمشروعية كان مصدرها السماء، أما في الدولة الحديثة فمصدرها الأرض. السلطة والدولة والمشروعية في الدولة الحديثة مستمدة من الإنسان، لأنه هو من أنتج هذه الدولة، ووضع كل نظمها قوانينها وبرامجها، وهو من يتولى تنفيذها وتقويمها وتصويبها.
الدين أقدم من الدولة، ظهر الدينُ مع ظهور الإنسان العاقل على الأرض، لكن لم تظهر الدولة مع ظهور ذلك الإنسان. الدولة ظاهرة بشرية قديمة، وأول دولة هي دولة المدينة، حيثما تكون دولة تكون مدينة، وليس بالضرورة حيثما تكون مدينة تكون دولة.
الدينُ الذي يرثه الإنسانُ من أبويه وعائلته ومحيطه، يصيرُ عنصرًا فاعلًا في التربية والتنشئة العائلية والمجتمعية، ويكون أحدَ العناصر المكونة للذات، ويدخل كأحد أهم مكونات الهوية المجتمعية للإنسان. ولا يمكن افتراضُ تلاشي أثر الدين بوصفه عنصرًا مكوّنًا للذات في فهم الإنسان، وغياب تأثيره في مواقفه، لأنه غالبًا ما يترك أثرًا، وإن كان لاواعيًا، في بناء رؤية الإنسان للعالم، وطريقة فهمه للنصوص، ويتدخل في اختياراته واتخاذه مختلف المواقف في حياته. وذلك ما نراه عندما نفكّك فهم الناس ونحلّل مواقفهم، إذ نلمح ضربًا من التأثير من الترسبات العميقة للدين في التفكير والقرارات والمواقف التي يتبناها أكثر السياسيين في بلادنا.