الديمقراطيةُ ليستْ محايدةً

عبد الجبار الرفاعي

فرضت «قوةُ الواقعِ» على من كانوا ينادون بتطبيقِ المدونةِ الفقهية عند تأسيس دولتهم الدينية التنازلَ بالتدريج عن أهم شعاراتهم الأساسية. وأعني بـ «قوةِ الواقع» شيوع ثقافة الحقوق والحريات في مجتمعات عالَم الإسلام اليوم، اثر غزارة ما يتدفقُ من الفضائياتِ ووسائلِ الإتصال والاعلام المتنوعة. لذلك لم تعدْ الدعوةُ لتطبيقِ الشريعة وإقامةِ الحدود حاضرةً في أحاديث وكتابات الجماعات الدينية، فقد تعاطتْ هذه الجماعاتُ معها بمنطقٍ ذرائعي بعد شيوع ثقافة الحريات والحقوق، إذ فرضتْ «قوةُ الواقع» عليها أن تُؤجّل أو تُترك الدعوةَ لتطبيق الحدود والتعزيرات المعروفة في المدونة الفقهية، كقطع اليد والرجم والجلد وغيرها، بل لم نقرأْ أو نسمعْ من معظم الإسلاميين في السلطة منذ سنوات حديثًا يردّد شعارَ تطبيق الشريعة في مؤسّسات الدولة والمجتمع. مع ان هذا الشعارَ كان وما زال أهمَّ مبرّر في أدبياتهم لإقامة الدولة الدينية، والهدفَ المحوري لتأسيسِ هذه الجماعات وانخراطِها في العمل السياسي وصراعِها المزمن على السلطة والثروة.
لكن بموازاة هذا الموقف اللافت لا نعثر على ما يؤشر لتحوّل فكري تعكسه مراجعاتٌ نقديةٌ لمؤلفات كتّابهم، أو رؤيةٍ نظرية تحدّد الأسسَ الأولية لخارطة طريق بناء دولة حديثة خارج أحكام الفقه ومقولات علم الكلام القديم، أو وثيقةٍ فكرية تعلن انتقالَهم إلى محطة أخرى تتصالح مع أصوات الحريات والحقوق التي أرغمتهم على الصمت، وفرضتْ عليهم نسيانَ حدِّ الرجمِ والجلد وقطعِ يد السارق وغيرِ ذلك من الحدود والتعزيرات.
ميزةُ الدولة الحديثة أنها دولةُ متخصصين وخبراء في مجالات العلوم والمعارف البشرية المختلفة. يتعذّر بناءُ أية دولة حديثة من دون هؤلاء المتخصّصين والخبراء، وإن عدمَ الاكتراث بالعلوم والمعارف البشرية، وتجاهلَ أهمية الخبراء المتخصّصين في بناء الدولة، هو بمثابة من يريد تأسيسَ مستشفى بلا أطباء. الموقفُ الارتيابي من المعارف والعلوم الحديثة، تشبّع به الكثيرُ من أدبيات الجماعات الدينية، وعلى الرغم من اختلاف أشكال وأساليب تعبيرها عنه، فإنها تشترك في حالة سوء الظن من أية معرفةٍ في مجال العلوم السياسية والحقوقِ والحرياتِ لم ينتجها مسلمون، على الرغم من كونيتها واشتراك كل البشر فيها.
واحدةٌ من الثغرات التي يُمنى بها التفكيرُ الديني في الإسلام اليوم كثرةُ المتحدّثين والكتّاب باسم الدين، رغم أن معظمهم من غير الخبراء، فكثيرون منهم لم يتعلّموا في الحوزاتِ والحواضر والمدارس والجامعات ومعاهد التعليم المتخصّصة بالدراسات الدينية، ولم يكتسبوا تكوينًا تراثيًا يستوعبون فيه معارفَ الدين. مضافًا إلى أن هؤلاء المتحدّثين والكتّاب «غير الخبراء بالدين»، هم أيضًا لم يتكوّنوا تكوينًا حديثًا في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، ومع ذلك نجدهم يُفتون بما لا يعلمون في مختلف الوقائع، ويتحدّثون بما لا يعرفون، ويكتبون ما لا يفقهون.
أذكر هنا مثالًا لذلك في كتابات وأحاديث من يشدّد على ضرورة دمج الديمقراطية بالدين، فقد تكرّر كلامٌ مبسّط يصفُ الديمقراطيةَ بأنها مجرّد ظرف وآلية، يمكن الاستعانةُ بها لوضع كلّ مظروف تتطلّبه الحياةُ اليوم بداخلها، وإلباسُها لأيّ ديانةٍ أو مُعتقَد أو أيديولوجيا. وكأنها بمثابة الأوعية الفارغة التي يمكننا أن نستعملها لشرب الماء، فيما يستعملها غيرُنا لشرب الخمر. وهذا ضربٌ من الفهم ينطوي على الكثير من التبسيط، ذلك أن الديمقراطيةَ ترتكز على رؤيةٍ للعالَم وللإنسان مشتقةٍ من فلسفة تقدّم تفسيرًا يقوم على مركزيةِ الإنسان في الوجود مقابل مركزيةِ الله، وتقدّم فهماً في إطار رؤيتها هذه للشخص البشري ولحقوقِه وحرياته، وهي رؤيةٌ تختلف كليـاً عن رؤيةِ العالَم في علمِ الكلام أو الفقه في تراث الإسلام (1) . فمثلًا لا يتطابق مفهومُ الحقوق لدينا بالضرورة مع كل ما تتضمنه الحقوقُ بالمفهوم الحديث، لأن مدلولَه في نصوصنا وتراثنا الديني أخلاقي، مثل: حقوق الوالدين والأرحام والجيران والمؤمنين والمسلمين، وغيرها. وهي غير الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية الحديثة التي يشرحها الفكر السياسي الحديث وينصّ عليها الميثاقُ العالمي لحقوق الإنسان، وتُمنح للإنسان بوصفه إنسانًا، بلا أيّ قيد أو شرط يخصّص إنسانيتَه ويطبعها بمعنى اعتقادي أو ديني أو عرقي، أي تُمنح له من حيث هو إنسان، وليس بوصفه منتميًا إلى معتقد أو جنس أو عرق أو جماعة.
ليس في عالمنا ما هو آلياتٌ وأوعيةٌ محايدة، حتى التكنولوجيا ليست محايدة، ذلك أن التكنولوجيا تحدّد نمطَ حضورنا في العالم، وتخلق لنا الكيفيةَ التي يتحقّق فيها وجودُنا على وفق تفسير الفيلسوف مارتن هايدغر. التكنولوجيا ليست آلاتٍ وأشياءَ مادية صمّاء ميتة، التكنولوجيا تمتلك لغتَها التي تحكي رؤيتَها البديلة للعالَم، ومنظومةَ القيم التي يفرضها الطورُ الوجودي الذي تعدُ به، لذلك تفضي استعارةُ التكنولوجيا إلى تصدّعِ البنى التقليدية، وتهشيمِها لاحقًا. تكنولوجيا المعلومات مثلًا، تحقّقَت من خلالها كيفيةُ حضورٍ مختلفة لنا اليوم في العالَم. الإنسان مثلما يبتكر التكنولوجيا ويصنعها، هي أيضًا تعيد ابتكارَ حضوره في العالَم، وتصنع له نمطَ حياته الجديد؛ المشتقَّ منها، والمحاكي لها.
وهذا النمطُ الجديدُ للحياة أضحى فيه الإنسانُ في صيرورة أبدية، لا تكفّ عن التحوّل، ولا تتوانى عن العبور، ولا تتوقف في محطة إلّا لتلتقط أنفاسَها فتواصل الرحيل. لم يعد الإنسانُ كما عرفته أكثرُ الفلسفات القديمة؛ كائنًا عاقلًا يلبث حيث هو، لا يكون جزءًا من شيء أو يكون جزءاً لشيء، بل صار الإنسانُ في المفهوم الحديث كأنه جزءٌ من كلّ، هو محصلةٌ لما حوله، أي إنه في «حالة المابين»، كأن الإنسانَ مسافرٌ أبدي، لا ينفكّ عن الترحال، لا يمكث بمحلٍّ إلّا ليغادرَه الى محلٍّ غيره، تبعًا لنمطِ الوجود السيّار المتحرّك لكلّ ما هو حوله، فكلّ ما حوله يسير به، ويسير معه.
إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي، يتلقّي مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه، من دون أن يغادرَ موطنَه. إنه يعيش جغرافيا جديدة، تضاريسُها هلاميةٌ، حدودُها واهيةٌ، أمكنتُها متداخلةٌ، ثقافتُها ملوّنةٌ، هويتُها تركيبيةٌ. شكلُ حياته هو الأشدُّ غرابة منذ فجر التاريخ.

هوامش

تنبه السيد الشهيد محمد باقر الصدر إلى هذا التضادّ بين الرؤية للعالَم في الديمقراطية الرأسمالية ورؤية العالَم في مدونتي علمِ الكلام والفقه في تراث الإسلام. وتعدّ مرافعة الصدر من أغنى وأعمق هذه المرافعات، فقد تحدّث بوضوح عن ذلك التضادّ في: الجزء الأول من اقتصادنا، والجزء الأول من المدرسة الإسلامية المعنون: «الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية»، والأساس الرابع من نصّه الأثير المعروف بـ «الأسس، أو أسس الدولة الإسلامية»، الذي كتبه نهاية العقد الخامس من القرن العشرين، فشرح في هذا الأساس أنواعَ الدول، وصنّفها على ثلاثة أنواع: النوع الأول يتمثّل في: «الدولة القائمة على قاعدة فكرية مضادّة للإسلام، كالدولة الشيوعية، والدولة الديمقراطية الرأسمالية، فالقاعدة الفكرية الرئيسة للدولة الشيوعية تناقض الإسلام تمامًا، وكذلك القاعدة الفكرية الرئيسة للدولة الديمقراطية الرأسمالية، فإنها وإن لم تمس الحياة والكون بصورة محدّدة، إلّا أنها تناقض نظرةَ الإسلام إلى المجتمع وتنظيم الحياة، فهي أيضًا قائمةٌ على قاعدة فكرية مضادّة للإسلام. وهذه الدولة كافرة، لأنها لا تقوم على القاعدة الفكرية للإسلام. وهي بسبب تبنّيها لقاعدة فكرية مناقضة للإسلام تعد كل إمكاناتها للتبشير بتلك القاعدة ومحاربة كل ما يناقضها بما في ذلك الإسلام بعقيدته وأفكاره وتشريعه. وحكم الإسلام في حق هذه الدولة أنه يجب على المسلمين أن يقضوا عليها وأن ينقذوا الإسلام من خطرها إذا تمكنوا من ذلك بمختلف الطرق والأساليب التبشيرية والجهادية، لأن الإسلام في هذه الدولة حتى بصفته عقيدة موضع للهجوم وموضع للخطر، فتكون الحالة معها حالة جهاد لحماية بيضة الإسلام، غير أن وجوب جهاد هذا العدو لا يعني بطبيعة الحال القيام بأعمال تعرّض العاملين للخطر من دون نتيجة إيجابية». ثم تحدّث عن النوع الثاني للدول، وهو: «الدولة التي لا تمتلك لنفسها قاعدة فكرية معيّنة، كما هو شأن الحكومات القائمة على أساس إرادة حاكم وهواه، أو المسخّرة لإرادة أمة أخرى ومصالحها…». والنوع الثالث: «الدولة الإسلامية: وهي الدولة التي تقوم على أساس الإسلام وتستمد منه تشريعاتها، بمعنى أنها تعتمد الإسلام مصدرها التشريعي، وتعتمد المفاهيم الإسلامية منظارها الذي تنظر فيه إلى الكون والحياة والمجتمع…».
نُشر نص: «الأسس، أو أسس الدولة الإسلامية» للمرة الأولى نشرة محدودة التداول للتثقيف الداخلي في حزب الدعوة الإسلامية. ونشره عام 1989 محمد الحسيني في ملاحق كتابه: الإمام الشهيد محمد باقر الصدر، ص 336 – 357.