الدين والاغتراب الميتافيزيقي

د. عبد الجبار الرفاعي

صدرَ هذا الكتابُ خريفَ هذا العام، وبعد نشره بمدة قليلة أوشك على النفاد، وقد وردتني أسئلةٌ متنوّعة من قرّاء أحترمُ تفكيرَهم، أكثرُها يطلبُ المزيدَ من البيانِ والتدليلِ على الأفكار التي يتضمنها، إذ رأى بعضُهم أن شيئًا من أفكار هذا الكتاب تارةً تلتقي مع رؤى محيي الدين بنِ عربي وميراثِ التصوف الفلسفي، لكنها سرعان ما تخرجُ من جلبابه فتنقد بعضَ مقولاته، وترفض الطريقةَ الأكبرية المنسوبةَ إليه في التصوّف عندما تصنّفها رهبنةً سافرة؛ لانشغالها بتربية السالك على: العزلة، والصمت، والجوع، والسهر. وتلتقي أفكارُه تارةً أخرى مع آرراء أولئك الذين يشدّدون على أن الدينَ ليس طارئًا في حياة الإنسان، لكنها تنتقد الحضورَ الطاغي لمؤسسات الدين، وتخطي المعرفة الدينية لحدودها، ومصادرتَها للعقل والعلم والخبرة البشرية، واستحواذَها على كلّ شيء.
الفكرةُ المحوريةُ في هذا الكتاب تؤكد أن الدينَ حاجةٌ وجوديةٌ، لذلك فرض حضورَه في مراحل التاريخ المختلفة، وإن كانت درجةُ هذا الحضور ومستوياتُه متعدّدة، تبعًا لمستوى وعي الإنسان ودرجةِ تطوره الحضاري. أوحت هذه الفكرةُ للبعض بأنها تؤسّسُ لتمديدِ المساحة التي يهيمن عليها الدينُ ومؤسساتُه، واستيعابِها لكلّ شيء في حياة الفرد والجماعة. لكن أفكارَ الكتاب لا تتفق مع ذلك، لأن فصولَه كلَّها ترسم للدين مجالَه الخاص، وتعلن خارطةَ تأثيره في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان، وتشدّد على ضرورة ألا يتخطى هذه الحدود، وتطالب بتوخي الحذر من خروجه عليها، لأن لا قيمةَ لمعرفةٍ لا يعرفُ الدينُ فيها حدودَه. الدينُ لا يمكنه أن ينجزَ مهمتَه ما لم يتموضع في مجاله الخاص، وألا يتجاوز كونَه حاجةً وجودية، فلو تخطى حدودَه، واحتكر العلمَ والمعرفةَ والإدارةَ والدولةَ، يتحول إلى أداة للهدم لا للبناء، وتصعب جدًا إعادتُه إلى مجاله الخاص.
بعضُ التساؤلات التي أثارها قرّاءٌ أذكياء، لا يقبلون هذا المفهومَ للدين، بل يصرُّ عددٌ منهم على أن الدينَ كان ومازال عاملًا أساسيًا لتنويم العقل البشري، وهو المصدرُ لمختلف أشكال التخلف في مجتمعاتنا. هذه التساؤلات فتحت لي آفاقًا لاستئناف التفكير في أفكار هذا الكتاب من منظور نقدي، فوجدتُ ضرورةً لرفد الكتاب بمزيدٍ من الشرح والتحليل وترسيخ الأدلة، ما دعاني لإعادةِ ترتيب الفصول في سياق الإضافات الجديدة، والعملِ على إعادة بناء بعض الأفكار من خلال إثرائِها ببيان أوفى، وتعزيزِ القناعات بأدلة أخرى، والعملِ على ترميم ما يظهر للقرّاء من وهنٍ وثغرات، وإيضاحِ ما كان يلوح فيها من مفارقات، وإغناءِ الكتاب بثلاثة فصول جديدة، تعالج أفكارَه من مداخل أخرى، وتكشف عن خرائط صلاتها بغيرها من الأفكار التي تتحدّث لغتَها نفسَها، ورفدِ بعض فصوله بإضافات تفصّل ما هو مجمل، وتشرح ما هو مبهم، وتفصح عن الغموض الذي رآه قرّاءٌ نابهون في بعض عباراته، وتحاول أن تكشف الالتباسَ الذي يكتنف شيئًا من مصطلحاته.
اكتشفتُ أن الطبعةَ الأولى للكتاب لم تكن وافيةً بما أرمي إليه في كتاباتي كلِّها، على الرغم من حرصي في كلِّ ما أكتبه على التفكيرِ معهم بصراحة، والابتعادِ عن الحديثِ بلغة زئبقية، أو الاختباءِ خلف الكلمات، والتعبيرِ بأسلوب يتيسر للجميع فهمُه بلا لبس أو غموض، والكتابةِ بلغة صافية، يفهم القرّاءُ الأفكارَ فيها بلا سوء فهم، مهما كانت مستوياتُهم.
في مجتمعٍ تقليدي، الخروجُ على الإجماع في الكتابةِ وجعٌ، ونشرُ الكاتبِ لهذا النوع من الكتابة أشدُّ وجعًا. النشرُ يسوقُ الكاتبَ إلى محكمة القرّاء رغمًا عنه، وهي محكمةٌ تتطلّب كثيرًا من الإثباتات والحجج الصريحة؛ كي ينجو فيها الكاتبُ من الأحكامِ العاجلة، وغيرِ العادلة أحيانًا على كتابته، عندما يكون مضمونُ هذه الكتابة من الصنف الذي يتطلب دقةً وتدبرًا في القراءة.
أحترم حكمةَ رجالِ فكرٍ يكتبون كثيرًا، لكنهم لا يجرؤون على النشر، على الرغم من أني طالعتُ نصوصًا لامعةً بأقلامهم، ووجدتُهم يجتهدون في كتابة أفكارٍ غير مكرّرة. قلتُ لصديقٍ أستاذٍ جامعي مكوّنٍ تكوينًا أكاديميًا رصينًا، يكتب بالإنجليزية والعربية، لكنه لا يجرؤ على نشر أكثر ما يكتب، هل ألّفتَ كتابًا: فقال تحت يدي ثمانيةُ مؤلفاتٍ ناجزة، غير أني ربما لن أنشرها. فأجبتُه: إن نشرَ أفكارٍ خارجَ المألوف يحتاج ضربًا من شجاعةٍ تصير حكمةُ الحكيم قربانًا لها، بل يحتاج مغامرةً متهورة.
كلّ يوم أزداد قناعةً بأن العالَم اليوم تغيّره العلومُ والمعارفُ ووسائلُ التواصل والتكنولوجيا الجديدة، وتغيّرُ الحروبُ ومباغتاتُ التاريخ غيرُ المتوقعة أقدارَهُ ومصائرَهُ وخرائطَهُ السياسيةَ. ومازلتُ على قناعة أيضًا بأن الكتاباتِ الجادّةَ والأفكارَ الجريئة والكلماتِ الحيةَ يمكن أن تسهم بإيقاظِ بعض العقول من سُباتها. وإن كانت الكتابةُ الورقيةُ بكيفياتِها المتوارثة، ووسائلِ تداولها وانتشارها، تنهزم كلَّ يوم أمام الكتابة الرقمية، وما تمتلكه الحروفُ الإلكترونية من إغواء، من خلال إيقاعِها المتسارع والمتدفق، ومن فعلٍ سحري يأسر وعيَ المتلقي من حيث لا يشعر، بكلماتِها البسيطة وعباراتِها الوجيزة الخاطفة.
وسائلُ التواصل والنشر الإلكتروني خلقتْ عالمها الخاص، عالَما يتفوّقُ في حضوره على الواقع الذي نعيش فيه. في هذا العالَم الجديد يُعادُ بناءُ صلة الإنسانِ بالإنسان، والأشياءِ، والمعرفةِ، والحقيقةِ، والذاكرةِ، والزمانِ والمكانِ، والماضي والحاضرِ والمستقبل، على نحو يتبدّل فيه تعريفُ مفاهيم ظلت راسخةً في الثقافات البشرية لزمن طويل، وتحدث ولاداتٌ جديدةٌ لمصاديق العدالة والحرية والأمن والسلام وغيرِها من القيم الكونية، فالأمنُ المعلوماتي اليوم مثلًا هو مصداقٌ جديدٌ للأمن. كذلك يتبدّل تعريفُ مفاهيم اجتماعية واقتصادية وثقافية على وفق منطق العالم الرقمي، فالملكيةُ مثلًا تنتقل من امتلاك الأشياء المادية في نمط الإنتاج الماضي إلى امتلاك الأفكار في نمط إنتاج المعرفة، ويتبدّل تعريفُ رأس المال، فينتقل من رأسِ المال المادي المتمثلِ في أصول ثابتة إلى رأسِ مالٍ معرفي يتمثل في؛ تعليم، ومعلومات، وأفكار، ومهارات، وبرامج، وابتكار، وذكاء صناعي.
إعادةُ بناء صلات الإنسان بما حوله تنتهي إلى إعادةِ إنتاج نمطِ وجودِه في العالَم. نمطُ الوجود هذا يدعونا إلى أن نعرفَ الديناميكيةَ التي يتغيّرُ على وفقها العالَمُ، وكيف أن تحولاتِ الواقع لم تعدْ محكومةً بما كنا نعرفه من معادلات وعوامل تقليدية يتغيّر العالَمُ تبعًا لها.
ويأتي هذا الكتابُ رديفًا لشقيقيه السابقين: «الدين والظمأ الأنطولوجي»، و «الدين والنزعة الإنسانية»، وهو يتوخى غايةَ الكتابين نفسَها، وما تنشده موضوعاتُهما من إعادةِ قراءة النصوص الدينية في سياق الواقع اليوم، واكتشافِ متطلبات الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للمتدين، في عالَم يتسارع إيقاعُ التحوّل فيه. اللغةُ المشتركة التي تتحدّثها هذه الثلاثية هي «لاهوت الرحمة»، من أجل تخفيفِ وطأة «لاهوت السيف» الذي اشتدت قبضتُه على ماضينا أمس، ومازالت آثارُه فاعلةً في حياتنا حتى اليوم.
لقد كانت الفروسيةُ أعظمَ القيم وأشدَّها رسوخًا في حياة الفرد والقبيلة في الجزيرة العربية. لذلك تسيّدَ منطقُ الحرب عصرَ الفتوحات بعد البعثة الشريفة، وتشبّعت به الققيمُ الدينية والحياةُ الاجتماعية والثقافية، ووقع التفكيرُ الديني في الإسلام في أسره، فتغلّب «لاهوتُ السيف» على «لاهوت الرحمة»، على الرغم من الحضورِ المهيمنِ للرحمةِ الإلهية في القرآن الكريم، وضرورة اعتمادها إطارًا مرجعيًا لتفسيره، إذ نرى بوضوحٍ أن معانيَ القرآن تنشد الرحمة، لكن أهملها معظمُ المفسّرين، فتغلّبتْ في تاريخِ الإسلام لغةُ العنف على لغةِ الرحمة، وأهدر كثيرٌ من مفسري القرآنِ والفقهاءِ كلَّ هذا الرصيدِ الدلالي المكثَّف للرحمة، وصارت فاعليةُ دلالةِ آيةِ السيف في القرآن هي الحاكمة. وآيةُ السيف هي الآية الخامسة من سورة التوبة «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُممُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ». ومع أن كلمةَ السيف لم ترد في القرآن، لكنّ المفسّرين سمّوا هذه الآيةَ بهذا الاسم. والغريب أن أكثرَ المفسّرين المشهورين ادعى أنها ناسخةٌ لكثيرٍ من الآيات التي تدعو للسلم والعفو والصفح والغفران والرحمة.
هذا الكتابُ يهدف إلى إيقاظِ الضمير الديني وتنبيهِه الى كثافةِ حضور الرحمة في القرآن، وقوةِ دلالتها بشكل لافت، وهو ما يلتقيه القارئُ في فصله الأول، الذي جاء بعنوان: «الرحمةُ الإلهية مفتاحُ فهمِ القرآن».