الراوية الجديدة وأسئلة الهروب الماكر من التاريخ

علي حسن الفواز

حين تحدّث ميخائيل باختين عن أدبية الرواية، فإنه كان يسعى للحديث عن وجهٍ آخر لوظيفتها الاجتماعية، وحتى الايديولوجية، وهذا ما جعله من أكثر نقاد فلسفة اللغة والادب مواجهة لأطروحات الشكليين الذين وضعوا اللغة في سياق التصريف الجمالي، وفي عزل هذا الجمال عن الانسان والمعنى، وعن الافكار التي يستعملها الانسان في علاقته التواصلية، أو في علاقته العملياتية.
هذا التأطير النقدي يفتح لنا أفقا للحديث عن هوس الرواية العربية الجديدة بالتمثيل الشكلي، وبنزعة التجريب التي كثيرا ما تتحول إلى لعب لغوي، وإلى تهويمات لاعلاقة لها بالتقانة الخطابية للرواية، لا سيما وأنّ الرواية العربية تطرح -الآن- نفسها كبديل تمثيلي عن التاريخ والايديولوجيا، واحسب أنّ المنزع الحواري عند باختين هو تأكيد، ليس لتأصيل فكرة البوليفونية، أي تعددية الاصوات، بل لتنوع الأفكار التي تقترحها تلك الاصوات، حيث تكون رواية (المونوفونية) جزءا من لعبة التمركز السردي، أو استعادة صورة البطل الحكواتي المهيمن في رؤيته للعالم، أو للافكار ذاتها.
وبقطع النظر عن طبيعة هذه المغالاة، وخصوصية العناية بـ (بنية الكتابة) في الرواية بوصفها سردية صغرى، فإن اهمالها ايضا سيجعل الرواية (الموضوعاتية) رواية (القضايا الكبرى) وكأنها استدعاء عشوائي لتناصات الحكايات، وللطبيعة الصاخبة للافكار المتعالية، والتي يمكن اخضاعها إلى توصيف ما يشبه (السردية الكبرى)
مابين الاولى والثانية تتبدى مظاهر الافراط في كتابة تلك الرواية، ولجوء الكتّاب، ومن مشارب مختلفة للافراط في كتابتها، ففي العراق مثلا تقول الاحصاءات بأن اكثر من 1000 رواية صدرت من عام 2003 وإلى الان، وهو رقم غرائبي، يكشف عن عقد في الكتابة، ورثاثة في دور النشر، وفي مرجعياتها النقدية والتحريرية، وحتى (الرقابية) بالمعنى الفني لهذه التسمية.
كما أنّ تضخم هذه الظاهرة يشمل العديد من البلدان العربية، والتي يقابلها اتساعٌ غير مسبوق لظاهرة الجوائز المحلية والقومية، والتي تحتفي بالرواية اجناسياً وموضوعيا، وبما يمنح الروائي الفائز(امتيازات) تليق بالنجوم الذين تستغرقهم عوالم الدعوات والسفرات والاضواء.

موت الرواية الكبرى

هذا الموت الافتراضي يعني ولادة رواية أخرى، تحوز على تداولية، وعلى تلقٍ مقبول، وعلى حقوق طبع، وعلى مشاركة واسعة في معارض الكتاب التي تحولت إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية، وحتى (سياسية) في المدن العربية.
ولادة الرواية الجديدة تعكس واقعا جديدا، يؤشر سلسلة من (الغيابات) التي تخصّ الكاريزمات الكبرى، وتفكك الأدلجات الكبرى التي كانت تحمي كتّابها، وتروّج لهم، وكأنهم جزء من فاعليات الخطاب الذي تمتلكه، ومن الهيمنة التي حاول غرامشي تبريرها كوجهٍ لهيمنة (الكتلة التاريخية) وللاطروحات الماركسية التي لا تفصل اللغة عن حمولتها الايديولوجية، ولا عن فلسفتها وعن المضامين التي تحايث الواقع، والتي تسعى لفرض شروطها عليه.
روايتنا العربية – في الاغلب- هي تمثيل للتفكك الكبير في سرديتنا القومية المهيمنة، مثلما تعكس تشوشا في النظر إلى قضايانا الكبرى، وإلى طبيعة التحولات العاصفة التي تمخّض عنها (الربيع العربي الدامي) والفاجع، والذي اسهم في تشويش مفاهيم عقلنة التحول الاجتماعي والسياسي، وفي قصر النظر في التعاطي مع قيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي، ومع أطروحات الحداثة واسئلتها.

الهروب الثقافي إلى الرواية

تضخم الظاهرة الروائية يقابله تردٍ واضح في مقاربات النقد الادبي، وفي تشوش لاطروحات النقد الثقافي مع انماط الكتابة الروائية، بوصف أن هذا النقد لم يتبلور بعد -رغم تأسيسات الغذامي- كفعل اجرائي في معالجة تقانات الكتابة، وفي مقاربة تحققاتها الفنية والاسلوبية، وهو ما جعله (نصا مطرودا) أو محاولة في استدعاء ما هو سياقي وتقليدي، أو نزعة غير مكتملة الادوات لمواجهة الاتجاهات الشكلانية التي تضخمت تاريخيا، مقابل فقرها العلموي والاكاديمي.
الهروب إلى الرواية يبدو وكأنه هروب إلى مواجهة التاريخ أو إلى تمرد عليه، وربما الشكّ به، والعبث به عبر عديد المقاربات السردية، والتي كانت تؤسس مشغلها واسئلتها وشكوكها على اساس ايديولجي وعصوبي، وهذا ما اعطى للرواية (الجديدة) هامشا من النزق، والسيولة، خارج (تاريخ) التابوهات التي كانت كثيرا ما تتحول إلى أداة قمع وتعطيل.
العلاقة ما بين التاريخ والرواية تحول إلى اشكالية كبرى، على مستوى تداولية المفاهيم، وعلى مستوى الفهم كما يسميه غولدمان، أو على مستوى (الهوية) كما يسميه بول ريكور، وهذا الطابع الاشكالي -في الغرب- ليس بعيدا عن تفكك المركزيات الكبرى، والرغبة في الاستعاضة عن الهوية التاريخية بـ (هوية سردية) ولا حتى عن تفكك الادلجات الكبرى، بما فيها الشيوعية، والنزعات المسيحانية، وصولا إلى مركزية الحداثة ذاتها، بكل ما يعتورها من أنماط مهيمنة ايديولوجيا وعسكريا وسياسيا، وحتى مناهجيا، إذ فرضت تلك المناهج قوتها ومركزيتها على الادارة والتعليم والاقتصاد والسياسة والرفاهية، وصياغة المعنى، واليات تدبير فهم الحقيقة.
من هنا يكتسب الهروب إلى الرواية حافزا للمغايرة، ولما يمكن تأطيره باطروحات (ما بعد الحداثة) حيث تفكك تلك المركزيات، وحيث الذهاب العجول إلى (الوضعانية) و(الفردانية) وإلى اشباع الذات وشحنها بطاقة الراوي العارف، والرائي، والذي يملك طاقة وقدرة الحفر في النص وفي التاريخ، وفي حيازة ارادة القوة على الطريقة النيتشوية لمواجهة تقهقر(الحضارة) و(الحداثة) التي ارتبطت بتاريخ المركزيات الكبرى.

روايتنا العربية والعودة إلى باختين

من الصعب فصل كتابة الرواية (الجديدة) عن طبيعة التحولات الحادثة في القراءات، وفي طبيعة مواجهة كل تداعيات ما يحدث في واقعنا العربي، فالمكتبة العربية لم تعد (مكتبة ايديولوجية) أو(مكتبة ثورية) وهذا الفقد جعلها أفقا مفتوحا لـ (الاغواء) والتمرد، وللبحث عن لحظة وجود اكثر تعبيرا عن فكرة المكتب المزاج، واللذة، والمعيش، وعن الحاجة إلى التواصل كما فهمه هابرماس، بوصف أنّ هذا التواصل هو اداة، ومعرفة، وطاقة للتذاوت، ولما يجعل الخطاب الثقافي أكثر تعبيراً عن (المعرفة والمصلحة) وعن قوة (القول الفلسفي للحداثة) ولوعدٍ من السرديات التي نحتاجها في تمثيل وعينا واسئلتنا الجديدة، وفي مواجهة تمظهرات الارهاب المركزي لثقافات العنف والكراهية، وللعشوائيات الطائفية والجماعاتية.
روايتنا العربية، رغم تضخم اصداراتها، تعيش رغبة التجاوز، لكنه التجاوز غير المشفوع بوعي فلسفي عميق. واحسب أنّ حاجة هذه الرواية لمفهمة التجاوز ترتبط بحاجتها للفلسفة بوصفها النقدي، أو بوصفها تدبير للتعاطي مع الحقيقة كما يقول فوكو.
فعديد الروايات تأخذنا إلى أفق المغايرة، وإلى شغف البحث عن (هوية) سردية للتجاوز، لكن عديدا آخر يضعنا في الغياب أيضا، حيث تبدو رثاثة الوعي بارزة، وسوء فهم التاريخ مشبوكا بسوء فهم تمثيله، وهذا ما يدفع إلى الحاجة لتنمية الدرس النقدي في مساره الاكاديمي/ المنهجي/ التعليمي، وفي مجاله الادائي على مستوى تداول المفاهيم، والافكار، وعلى مستوى تنمية تقانات الوظائف وتأطيرها في كتابة نصوص نقدية فاعلة.
والعودة إلى باختين لا تعني العودة إلى الادلجة، وإلى التعاطي مع الرواية كظاهرة اجتماعية، بل الدعوة لجعل كتابتها مجالا معرفيا تتعالق فيه الافكار مع وعي توظيفها، والادلجة مع اشتغالها في السياق المعرفي والسيميائي والانساني، وكل ما يتعلق بأن يجعل الرواية نظيرا مؤنسنا للتاريخ، وليس طردا له، والهوية وعيا بالوجود، وليس تغييبا لها.