الشارع حبيبتي !

ضياف البراق

كالعادة أخرج من قبري الجميل أو ربما من غرفتي المزعجة، أخرج إلى الشارع باحثًا عن معانٍ جديدة تمكنني من الاستمرار في العيش، لكنني، هذه المرّة، ولحسن حظي، أعود فارغًا منّي، ممتلئًا بالرعب والحزن، أعود مثقلًا بخليط من الأسباب الباعثة على الموت..
الشارع، اليومَ، مليءٌ بالمجانين، بالمظلومين، بالغرباء من داخل الوطن، مليءٌ بكل أنواع الألم، مليءٌ بالوحشة.. إذ لم أجِد فيه سوى القلق اللا نهائي والعبث القاتل. لا جديد في الشارع، لا ضوء فيه، إنه مليءٌ بالرتابة، والتكرار، والبكاء، والأحلام المنتهية الصلاحية. الطيبون موجودون، دائمًا، في الشارع.. هنا يولدون، وهنا أيضًا قد يعيشون كامل حياتهم.
الشارع وطنٌ لمن لا أوطان لهم، وطنٌ أخير لأولئك الذين لا حظّ لهم في الحياة. الشارعُ حظُّ المساكين. هناك شارعٌ، في مكان ما، تجِد فيه كل شيء: تجِد نفسك، حبيبتك التي عرفتَها في الحلم فقط، ابن عربي، غاندي، تولستوي، رامبو، السيّاب، بوكوفسكي، ماركس، المسيح.. تجِد كلَّ الأشياءِ التي تشبهك، تجِد الأنبياء، وتجِد كل ألوان الشِّعر.
أول قصيدة لي كتبتُها في الشارع.. في الشارع ذرفتُ أول دمعة، وما زلتُ أذرفها، وفيه أيضًا أعشقُ امرأة لأول مرّة. الفلاسفة بدأوا من هنا، صاروا وتعارفوا هنا، هنا في الشارع. الشارعُ تمامًا كالشِّعر، عالَمٌ دافئ خاص بالكبار، وقلبٌ يتسع لكل شيء عدا الكراهية، والمال، واللا حرية. في الشارع فقط، لا في المدرسة أو في النصوص أو في الخيال، عرفتُ الله على حقيقته.
الحقيقة موجودة دائمًا في الشارع. اللا مرئي والمرئي، كلاهما واحدٌ، كلاهما صديق، كلاهما واضحٌ، فقط في الشارع.
الشارع الذي لا ينبض كالقلب، الشارع الذي يخلو من الكتب والورد والخبز، الشارع الذي لا تفوح من رائحة الكادحين والقهوة، إنه ليس بشارع، وإنما جحيم أو شيء آخر. اللغات تُولد هنا، وتترعرعُ هنا، ولا تكتمل إلا هنا. الشارع هو اللغة، هو الفن، الشارعُ أنا وأنت مع بعض وبدون أي فواصل أو شروط. التاريخ خليط من الشوارع المختلفة والمتشابهة. الشوارعُ أحلامٌ لم تتحقق. الشوارع التي لا ترتادها النساء أو لا تمر من فوقها الطيور، هي شوارع ميّتة تمامًا، ولا جود للحقيقة فيها. أي مكان يخلو من رائحة المرأة أو من دمعها أو من شبقها الأخضر، هو بالتأكيد مكانٌ ميّت، مكان عقيم ومظلم في آن.
المرأة لا تثمر ولا تتجلى داخل البيت أو بين الجدران.. المرأة تثمر وتتجلى خارج النصوص والحواجز؛ ببساطة لأنها: «المعنى». في بلادنا، ويا للأسف!، هنالك شوارعٌ كثيرة ميّتة، والبقية تموت الآن. وهنالك شوارع لم تدخلها الحرية بعدُ، ولا الشِّعر حتى.
أصدقائي الأنقياء، والأوفياء، هم أولئك الذين عرفتُهم في الشارع، الذين رقصتُ معهم، وتقاسمنا الجوع والفرح معًا، على هذه الأرصفة أو تلك. في الشارع عانقتُ أجمل الأحلام، رأيتُ وجهي الحقيقي، وبكيتُ مع أطيب الكائنات. في الشارع، أًولد وأموت دفعة واحدة. علمني الشارع أن الجمالَ لا يأتي إلّا من التعدُّد والتنوع والاختلاف. علّمني الشارع أن الأقوياء هم الطيبون، لا سواهم. علّمني الشارع أن اللهَ لا يسكن بين الحجر والطين، ولا بين الجدران الإسمنتية، ولا في الخزائن الملأى بالمال، ولا في الصفحات المكتوبة بماء الذهب، وإنما يسكن في تلك القلوب البيضاء، يسكن في قلب المرأة، وفي ذلك الإنسان البسيط الذي يتذوّق الجمال ويحب أخاه الإنسان. هو، أيضًا، مَن علَّمني الحرية والكتابة: إنه الشارع.
وفي (شارع المطاعم)، في (صنعاء) تحديدًا، عرفتُ معنى الحياة، وعرفتُ كبار المثقفين والأدباء، وبالأخص عرفتُ الروائي اليمني الساطع دومًا، «وجدي الأهدل»، وهو إنسان جميل بلا حدود، عميق الملامح والفِكر، وغني عن التعريف، وها قد أصبحنا أصدقاء من لقاء واحد. هذا الشارع مليءٌ بالحياة، ومليءٌ بالتصوّف، على الدوام. شارعُ صغير المساحة، كبير الضمير، واسع الصدر كالمحبة، لا يُمل ولا ينطفئ ولا يعرف الكراهية. إنه محراب نقيّ للبسطاء، والشرفاء، والعشّاق الأحياء. فيه نشرب الشاي الذي مفعوله يضاهي مفعول النبيذ المعتّق، فيه نحب بصدق، نذوب، نتسامح، نزداد نضوجًا، نتذوق الحياة، ونكتب الشعر الذي لا يُكتب بالكلمات، وإنما بدقات القلب. شارعٌ لطيف جدًا، آسِر رغم أنف الحرب، شعبيٌّ بالمعنى العميق للكلمة، مليء بالبراءة والأمل، يتسع لنا جميعًا، ويحتضن همومنا وآلامنا كما لو أنه نبيّ أو أُم حنون.
الشارع لي..
الشارع قلبي..
الشارع بيتي..
الشارعُ حبيبتي!ضياف البراق