الشاعر المنسي الذي شكل موسيقى البوب

بقلم: آندريا فالنتينو
ترجمة ومراجعة: رسل الصباح
المصدر: موقع BBC

ان دخلت في أي ناد، أو أي سيارة أجرة، أو أي سوق مركزي في بريطانيا، فإنك ربما ستسمع الموسيقى نفسها: الأغاني ذاتها، الأوتار ذاتها، الكلمات ذاتها. اذ اعتلى المغني إد شيران القمة عندما وصلت مبيعات أحدث ألبوماته أكثر من مليون نسخة في المملكة المتحدة وحدها، وان العاطفة المهتزة في أغنية «قلعة فوق التل» أصبحت تقريباً نشيداً وطنياً جديداً.

ولكن إذا كانت أغنيات الحب الجذابة لشيران تستحوذ على بريطانيا الحديثة، فإنه لم يكن أول من استحوذ على المزاج الوطني. فبالعودة الى القرن السادس عشر، كان الملحن وعازف العود جون داولاند مشهورا على نحو مشابه- خادماً الموسيقيين الإنجليز منذ ذلك الحين.
بالنسبة لموسيقي مؤثر من هذا القبيل، فإننا نعلم القليل عن الحياة الخاصة لداولاند. ولد في عام 1563، ربما في لندن. وسافر على نطاق واسع، عمل أولاً للملكة إليزابيث الأولى، ثم للملك الدانماركي كريستيان الرابع. وطاردت داولاند فضيحة بأنه غادر الدنمارك بعد «سلوك غير مرض».
كما تم رفضه من قبل المحكمة الإنجليزية، ربما لأنه كاثوليكي. وعلى الرغم من الشهرة الكبيرة، إلا أنه توفي فقيراً، فأصبحت هذه النهاية المؤثرة مفعمة بالغموض: الى الآن، هناك شائعات تدعي بأن داولاند كان جاسوساً وخائناً.
جمال الحزن

إذا كانت حياة داولاند غامضة، فان شخصيته تبرز في أغانيه. فتجد فقط من عناوين كـ»الانفجار الصاعد لدموعي»، «استريحوا قليلاً يا قساة العطاء»- انها مثيرة للاعجاب. في الوقت نفسه، لا تزال كلماته تحفر قلب أي شخص يستمع اليها.
يقول المؤدي والباحث الموسيقي بيير هاورد: «ان داولاند كان مضطرباً وغاضباً في موسيقاه، مثل ليونارد كوهين أو توم ويتس».
ومع ذلك لم تكن موسيقى داولاند المميزة مجرد تأثير شخصي. بل ان القرن السادس عشر في إنجلترا كان مهووساً بـ «الكآبة»، والتي كان ينظر اليها على أنها «سلوك أنيق»، كما تقول أولغا هيرنانديز رولدان، المحاضرة في تاريخ الموسيقى في مدرسة مدريد العليا للغناء والتي يوافقها الناقد الموسيقي تيد ليبيي، والذي كتب في مقال لـ NPR قائلاً: «كانت الكآبة علامة للشخصية المتفوقة والمميزة». فإذا كانت أغنية «فتاة غالواي» لإد شيران ترضي المراهقين العصريين اليائسين، فقد ملأ داولاند أغنياته بعواطف زمانه.
كانت موسيقى داولاند حديثة بشكل لافت للنظر في ذلك الوقت، اذ كان واحدا من أوائل الملحنين الذين قاموا بتعميم العود في إنجلترا، فانتشرت موسيقاه إلى جمهور كبير. ومثل البيانو بعد بضعة قرون، كان من الممكن ان يتم إنتاج العود بثمن بخس وايصال الموسيقى الى البرجوازية، كما تشرح هيرنانديز رولدان. وتضيف: «العود سمح للناس بعزف الموسيقى المطبوعة في منازلهم وبمفردهم». وسرعان ما أصبحت موسيقى داولاند شائعة للغاية، أعيد طبع أحد كتب أغانيه أربع مرات خلال أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، جنبا الى جنب مع أداته. إن العديد من أغاني داولاند كانت «منظمة ببساطة» مع عازف عود واحد كمرافق، يقول هاورد: «كان لأغاني داولاند تأثير كبير على الجمهور، وساعدت في تحويل اللغة الإنجليزية إلى لغة أوروبية».

«شكسبير الغناء»
لا عجب في أن بعضهم يعرف الآن داولاند بأنه «أول مطرب وكاتب أغان عصري»، على الرغم من عدم موافقة الجميع. ومع ذلك، فإذا لم يرتد داولاند سترة جلدية سوداء، فإن تعبيره المفرط عن النفس- مقترناً بأسلوبه البسيط والمكثف- هو احدى السمات المميزة للبوب الحديث. بالنسبة لهاورد، فإن داولاند ليس أقل من «شكسبير الغناء» الخالد الذي تقفز موسيقاه الينا.
وإذا كان بعض المؤرخين يترددون في إجراء مقارنة بين داولاند والموسيقى المعاصرة، فإن بعض الفنانين قد تبنوا بسعادة أغانيه العاطفية. مؤلفون من القرن العشرين مثل بنجامين بريتن وباري غرينجر قاموا بإعادة عزف بعض مقاطع داولاند الموسيقية. حتى ان ألفيس كوستيلو غنى نسخة من أغنية «هل تستطيع عذر أخطائي»؟ وفي عام 2006، قام المغني ستينغ باصدار ألبوم من أغاني داولاند.
لقد عزفت الكآبة من عود جون داولاند إلى أجيال من الفنانين الإنجليز بشكل غير مباشر. ففي أوائل القرن العشرين، كانت موسيقى إدوارد إلجار المذهلة تسمى «رائعة في حزنها البطولي». وفي وقت لاحق، أصدرت فرقة بينك فلويد أغنيات منها «التعلق في اليأس الهادئ هو الطريق الإنجليزي».
بطبيعة الحال، لم يتأثر كل هؤلاء الموسيقيين بشكل مباشر بداولاند. ولكن بدءاً من التعبير عن الذات، فقد ثبت حزنه بشكل متقن. ولكن لماذا يبدو الانجليز غارقين في البؤس؟ ربما بسبب ظلم الحياة، أو ربما بسبب الطقس. وأيا كان السبب، فقد ساءت الكآبة إلى حد بعيد في الهوية الوطنية الانكليزية للبقاء في وضع ثابت. وانه من المؤسف ان ننسى موسيقيا كجون داولاند.