الشاعر لايموت

عبد الإله النعيمي

في كلّ جيل يكون الشعراء هم الذين يرفدون الضمير الجمعيّ وهم الذين يستفزونه مساهمين بنتاجهم في تكوين مخيِّلة هذا الجيل وصوغ حساسيته الثقافيَّة، أو هكذا يُفترض. والى هذا الشكل من الإبداع تنتمي مجموعة «رسائل عيد الميلاد» التي كتبها الشاعر تيد هيوز قبل أن يلتحق بزوجته الشاعرة الاميركية المنتحرة سيلفيا بلاث في العالم الآخر، فجاءت المجموعة فعل شجاعة نادرة وحماسة غنائيَّة وعاطفة وجدانية ممزوجة بصراحة تحطِّم القلب، حتى أنَّها أصبحت أثراً متميزاً في الشعر الانكليزي وكانت قنبلة أدبية وقت صدورها.

كان من المحتَّم أن يصبح زواج الشاعر والشاعرة المعاصرين الكبيرين من ضفتي الأطلسي مصدر انسحار لا ينتهي في التقليد الأدبي الأنكلو – أميركي. وفي البداية ألهم ثنائي الحب والعمل هذا الثنائي الشعري لكتابة عدد من أجمل القصائد. ولكن ما أن تضيف انتحار بلاث في وقت مبكر وعذاب هيوز بسببه حتى تكتمل عناصر الأسطورة. وحين دخل هيوز في صيف 1997 مكتب ناشره في دار فيبر أند فيبر في لندن حاملا مخطوطة 88 قصيدة مهداة الى زوجته الراحلة، فإنَّه كان ينحت معالم مأساة يونانية على جبل بارناسوس. وعندما نُشرت مجموعة «رسائل عيد الميلاد» في عام 1998، قبل أشهر على وفاة هيوز بالسرطان، أصبحت أفضل الإصدارات الشعرية الجديدة باللغة الانكليزية في الذاكرة الحيَّة.
حين يتصادم الفنّ والحبّ ويمتزج الإبداع بهموم الحياة اليوميَّة يحدث الزلزال الأكبر في حياة الأديب. وإذا كان المبدعان في هذه العلاقة شاعراً وشاعرة كبيرين معاصرين وندَّين في فنّهما، فإنَّ المادة التي تنفجر من أعماق الصدام لا بدَّ أن تكون حارقة، متَّقدة عاطفة وإثارة من عالم آخر. وعند هيوز فإنَّ من المحتَّم أن تكون مخاطبته بلاث ذات بُعد يؤسطر علاقتهما فيكتب:

الحالمة في داخلها
وقعتْ في غرامي ولم تعرفْ
ولحظة ذاك
وقع الحالمُ في داخلي
في غرامها، وكنتُ أعرف
تروي رسالة كتبها هيوز الى صديقه الشاعر الايرلندي شيموس هيني في عام 1998 قصَّة العلاقة التي انتهت بفاجعة انتحار بلاث. ويقول هيوز إنَّه منذ السبعينيات بدأ يوجه «رسائل الى سيلفيا»، مستكشفاً فيها خفايا العلاقة بينهما. في البداية كان يكتبها بصورة عفوية، دون تكلف. ولاحقاً حاول أن يشتغل على رسائله بطريقة أكثر وعياً لكنَّه وجد نفسه عاجزاً عن ذلك، فعاد الى عفويته السابقة. وظهرت بعض «رسائل عيد الميلاد» أوَّل مرَّة في مجموعته التي صدرت عام 1995 بعنوان «قصائد مختارة جديدة» ولكنَّه اعترف في مراسلات مع أصدقاء بأنَّه وجد بعض القصائد بمثابة رسائل شخصية حتى أنَّها لا يمكن أن تُنشر. وكانت مجموعته الشعرية «رسائل عيد الميلاد» التي كُتبت على امتداد أكثر من 25 عاماً مشروع هيوز الكبير وإن اتّضح لاحقاً أنَّها لم تكتمل.
حين صدرت «رسائل عيد الميلاد أخيراً» مارس هيوز، وليس لأوَّل مرَّة ، سحره على جمهور هذَّب ذائقته الشعرية بمجموعات هيوز الشعرية السابقة مثل مجموعته الأولى «الصقر تحت المطر»، وتربَّى على حكاية تيد وسيلفيا التي كانت من أكبر قصص الحب في القرن العشرين. وسرعان ما أصبحت المجموعة من أكثر الكتب مبيعاً وفازت بأكثر من جائزة أدبية.
هناك مفارقات عديدة ترتبط بمجموعة «رسائل عيد الميلاد»، أوَّلها ما بعد الحياة الذي لا ينطفئ لعلاقة تراجيدية أمضى هيوز نفسه زمن حياة كاملا يتصارع مع تداعياتها. فطيلة حياته الشعرية ظلَّت تعذبه أصوات تتَّهمه بالمسؤولية عن انتحار بلاث في شتاء 1963 وكذلك الطريقة التي أدار بها نشر أعمالها بعد موتها. ففي الموت ظلَّت بلاث تعذبه من قبرها كما في الحياة.
صارت «رسائل عيد الميلاد» تكريماً مؤلماً بل يصل إلى حدِّ جلد الذات أحياناً لقوة ذلك الإرث، وشاهداً لا يني يعيد تذكير القارئ بمكان هيوز في الشعر المعاصر. والآن بعد أكثر من 20 عاماً على وفاة هيوز في تشرين الأول 1998، يبقى من الأسماء الأدبية اللامعة للقرن الماضي، يوضع بجوار قامات أدبية مثل اليوت وييتس وأودن ولاركن، وكما لاحظت صحيفة الأوبزرفر البريطانية فإنَّه «أصبح مَلِكَ المخيِّلة الأدبية الانكليزية ذات مرَّة، وفي المستقبل».