الشعراء ونوستالجيا المكان الأول

باسل عبد العال

أثر المكان الأول في وجدان الإنسان لهُ مكانة خاصة، وصورة المكان الأول لا تغيب عن مخيلة كائنها طال الزمانُ أم قصر، والمكان يعني السماء الملأى بالغيوم، والأرض المبللة بالماء، والشمس التي ترسل ضوءها نحو الجدران القديمة، ورائحة الطفولة الأولى، والزهور التي في الزوايا، كلها أشياء حميمة لدى إنسانها الراحل منها أو العائد إليها.

لنتصوّر بأنّ هذا الكائن هو شاعر، ذات قلب هش، واحساس مفرط ، وموهبة في الإنصات إلى الأشياء الصغيرة في أثر المكان الأول، لأنّ الشاعر لا يختلف عن عالم الآثار الذي لا يملّ النبش في التراب، للعثور على الأثر، الأثر الذي لا يجب أن يضيع، لو فشل الشاعر في عدم العثور عليه وتوثيقهُ على الورق الأبيض والذاكرة البيضاء، لأضاع الشاعر ذاتهُ في عدم القدرة على تصوير المعنى، وتجسيد واقعه الجريح أو تجربته التي تسير مع الزمن كالأحلام التي لا يجب أن يسبقها الزمن، وإلا تلاشت في حضيض النسيان وابتلعها الوقت، القصيدة هي الوطن الكائن في أعماق شاعرها.
هناك أمكنة عرفناها من الشعر أكثر مما نعرفها في الواقع، لأنّ الشعر استطاع توثيقها أكثر، وأسطرتها لكي تبدو في الخيال غالباً أجمل من الواقع، مثلما قال الشاعر العراقي بدر شاكر السياب وثق قريته التي ولد فيها «جيكور» عام 1926 وتوفي عام 1964، في مدينة أبو الخصيب وبعد أن قضى فيها طفولته ماتت أمه واضطر للانتقال للبصرة لاستكمال دراسته والتي كانت عن اللغة العربية لحبه للشعر واللغة.
يقول في قصيدة « تموز جيكور»: جيكور ستولد جيكور / النور سيورق و النور / جيكور ستولد من جرحي / من غصة موتي من ناري / سيفيض البيدر بالقمح/ و الجرن سيضحك للصبح / و القرية دارا عن دار / تتماوج أنغاما حلوة / و الشيخ ينام على الربوة / و النخل يوسوس أسراري.
يصف الشاعر هنا قريتهُ جيكور، والنور المورق فيها كما وصفهُ، وفيض البيدر بالقمح والجرن الضاحك حتى الصباح …ألخ، نجد في الأبيات الماثلة أمامنا رسما حقيقيا لشكل قريته، فتدور في خيالنا الصامت شكل وطبيعة قريتهُ العراقية الأصيلة، طغى على القصيدة ما بدأنا به، في موضوعنا وهو التوثيق، توثيق المكان الأول، وهو مكان ولادة شاعرنا، وأسطرة ذاك المكان ممّا أثار التخييل في ذهن القارىء، لمعرفة تفاصيل المكان وأين يقع؟ وكيف كان الشاعر يقيم به؟، ربما، بعض الفضول تثار لدى القارىء أحياناً، لاكتشاف حياة الشاعر الخاصة، كلّها بسبب النبش في الآثار الأولى، وتوثيق المكان، للامساك بالروح خوفاً عليها من التلاشي في ذاك الحضيض المظلم.

أمّا عند الشاعر الفلسطيني محمود درويش، نجد أيضاً، نوستلاجيا لتلك الآثار الأولى في المكان الأول لها في شعره، نبضاً قويّاً، كيف لا ؟ وهو الشاعر الفلسطيني، والمكان الأول بالنسبة لهُ قضية، هو الذي وقعت فيه النكبة والإبادة الجماعية، شكّل محور شعره، وروح الصراع القائم على الأرض، ولو أنّ، كما المعروف ليس الصراع على الجغرافيا فقط، هو أيضاً، على وجود الإنسان الكائن على هذه الأرض، يقول في قصيدته «لماذا تركت الحصان وحيداً»:
«إلى أين تأخذني يا أبي؟ إلى جهة الريح يا ولدي ، وهما يخرجان من السهل ، حيث أقام جنود بونابرت تلاً لرصد الظلال على سور عكا القديم ـ يقول أبٌ لابنه: لا تخف. لا تخفْ من أزيز الرصاص ! التصقْ بالتراب لتنجو! سننجو ونعلو على جبل في الشمال ، ونرجع حينَ يعود الجنود إلى أهلهم في البعيدِ ـ ومن يسكن البيت من بعدنا يا أبي ؟ ـ سيبقى على حاله مثلما كان يا ولدي.». !
الإلتصاق بالتراب، والعلو على جبل الشمال حيث أطلال الجليل، المكان الأول الشاهد على ولادة الشاعر في قريته «البروة»، نتلمس رسم وتوثيق في الجهات والجبال، وطبيعة المكان الدافىء، المحفور في القلب والعقل والوجدان معاً، كيف تغيب عن الشاعر وعن نصه؟ حالة التوثيق تلك، والامساك القوي بالأثر خوفاً عليه من المحو والتلاشي، لأنّ شاعرنا الأوركولوجي أدركَ كيفية القضاء على إبادة المكان بسلاح الذاكرة الذي هو مهمة الشاعر الأولى في تطوير فعّاليته، التاريخ لا يرحم، والزمن جامح لا يقف عند حدثٍ ما، ليس إلإ الشعر القادر على جعل الجموح، أثراً جميلاً مناقضاً للنسيان، وهذا هو دور الشعر في الرصد والتصوير، للتوثيق.

الشاعر السوري نزار قبّاني وثّق في قصيدته «دمشقه» بعنوان «ترصيع بالذهب على سيف دمشقي» يقول فيها :
هل مرايا دمشق تعرف وجهي / من جديد أم غيرتني السنين / يا زماناً في الصالحية سمحاً / أين مني الغِوى وأين الفتون / يا سريري ويا شراشف أمي / يا عصافير يا شذا يا غصون / يا زواريب حارتي خبئيني / بين جفنيك فالزمان ضنين / واعذريني إذا بدوت حزين / إن وجه المحب وجه حزين.
«يا زماناً في الصالحية سمحاً «، كما ذكر في المطلع، والصالحية هي منطقة قديمة معروفة في دمشق، وثّقها شاعرنا لكي يدلّ عليها، ويخلّدها في خيال ووجدان قارئه، خشية عليها من النسيان، هي حالة التوثيق التي نتكلم عنها، حيث الزمن والمكان والسرير، وشراشف الأم الأولى، وغناء العصافير، كلها مصطلحات توثيقية للدلالة على دفء المكان، وتلك الحميمية الشفيفة التي تجعل عطر الحنين يفوح، لأنّ الذاكرة رائحة، تجعل القارىء / السالك في زقاق الأمكنة شعريّاً يعيش تفاصيلها خياليّاً، والشعر قادر على شحن الشيء الصغير بمعنى أرحب وأوسع، مثلما لم تسقط حبة قمح من يد الفلاّح إلا وصارت حقل سنابل، هو الشاعر الذي يصر على كشف المكنون في ماضيه، كي يصيرَ حاضراً او مستقبلا.

خلّد الشاعر المصري أحمد شوقي «مصرهُ» في قصيدته التي حملت عنوان « إن تسألي عن مصرَ حواءِ القرى» يقول :
إن تسألي عن مصرَ حواءِ القرى / وقرارة ِ التاريخِ والآثارِ / فالصُّبحُ في منفٍ وثيبة واضحٌ / مَنْ ذا يُلاقي الصُّبحَ بالإنكار؟ / بالهَيْلِ مِن مَنْفٍ ومن أَرباضِها / مَجْدُوعُ أَنفٍ في الرّمالِ كُفارِي / خَلَتِ الدُّهُورُ وما التَقَتْ أَجفانُه / وأتتْ عليه كليلة ٍ ونهار / ما فَلَّ ساعِدَه الزمانُ، ولم يَنَلْ / منه اختلافُ جَوارِفٍ وذَوار / كالدَّهرِ لو ملكَ القيامَ لفتكة ٍ / أَو كان غيرَ مُقَلَّمِ الأَظفار.
مصر حواء القرى، وصف جميل في المطلع، كما أنّهُ أكمل في البيت الذي يليه، قرارة التاريخ والآثار، أول ما يخطر في بال المتلقي، حضارة مصر العريقة، وتاريخها والآثار، كالأهرامات، كما يضيء في القصيدة على الزمن، وعلاقتهُ بالأثر، إذ وصف جمال مصر بتاريخها العريق، وآثارها التي تقاوم جموح الزمن كي تبقى، من هنا، إنّ القصيدة وثّقت هذا الصراع بين الحجر والتاريخ، أو بين ما كان وما سيكون.

يبقى الشعر الأداة التي تجعل أسماءنا حيّة كما ضمائرنا في هذا الزمن الصعب، الإبادة والنسيان توأمان يمتلكان قوّة واحدة جبّارة للقضاء على ما تبقى فينا من أثر، أثر المكان، وأثر الروح التي تحلق ملء المكان، تستظلُّ بظلّه، كما فعل شعراؤنا الكبار الذين ذكرناهم، هم كبروا من أصغر الأشياء، وأقدم الأمكنة حتى بلغوا قمّة الوعي، لأنّهم كشفوا الأثر، ورسموهُ على لوحة من حجر، فأصبحت قصيدة.